الأربعاء، 9 يوليو 2025

الحسين بن علي ونصيحة بعدم الخروج،،،

 في قصة الحسين رضي الله عنه كثير من الأحداث والعِبر؛ فهي قصة غيّرت مسار التاريخ والجغرافيا، وبقي أثرها حتى يومنا هذا، لا يوجد أحد من فقهاء الإسلام وقف في المعسكر الآخر، ومع ذلك فهي قصة تحمل كثيرًا من الدروس والعِبر.

 

الرسائل التي انتقلت من العراق إلى مكة، تبايع وتحث الحسين على القدوم، وصفها بعض المؤرخين بأنها أثقلت أوقار الإبل، وكان العراق في شبه ثورة، وإرسال الحسين مبعوثه ابن عمه "مسلم بن عقيل" الذي أكد له التفاف الناس حوله، كل ذلك شجّعه على الخروج إليهم، هذا القرار المصيري والهام، كانت لكثير من الصحابة وجهات نظر مخالفة، أقف عند رأيين اثنين، أولهما رأي "ابن عباس"، الذي طلب من الحسين البقاء وعدم الخروج، وحين رأى إصراره، نصحه بالتوجه إلى اليمن، لما فيها من عزلة، وقلاع، وشعاب، فضلًا عن بعدها عن سيطرة الدولة، أي الركون للحماية البشرية والطبيعية.

 

سبب نصيحة ابن عباس كان في غرابة المشهد الذي يراه؛ فتعاطف الناس لا يكفي ما دامت أجهزة الدولة والوالي المعيّن منهم موجودين في العراق، والسيطرة بأيديهم. وكأنه يقول: هو انتقال محفوف بالمخاطر، دون مغادرة أعدائك من هناك.

 

ابن عباس أدرك أن القرارات الاستراتيجية والمصيرية لا تُبنى على العواطف، وأن هناك مسافة شاسعة بين الإنسان في عاطفته وحقيقته، بل يجب أن تُترجم العاطفة إلى واقع حقيقي يخلق أرضية صلبة لإنجاح الخطة، وهذا ما حدث فعلاً؛ فبمجرد تحرّك الحسين، اجتمع الوالي الأموي في العراق برؤساء العشائر، وهدّدهم بأنفسهم ومصالحهم، فخرج كل رئيس قبيلة وسحب أبناء قبيلته، لتنطفئ الحماسة ويخرج الجميع من المشهد، ومن نصرة مبعوث الحسين، الذي لم يبقَ معه إلا اثنان، ثم تمت مطاردته وقتله، وانتهت الثورة قبل وصول القائد، على شعارات وأهازيج من الماضي، والأعجب أن عددًا من هؤلاء الثائرين انضموا لاحقًا إلى جيش الدولة الذي قتل الحسين رضي الله عنه، حادثة طغت فيها المصالح على المبادئ.

 

الشخصية الأخرى هي "عمرة بنت عبد الرحمن" رضي الله عنها، تلك الصحابية العاقلة الحصيفة، التي نظرت إلى المشهد بوضوح بالغ، الحاكم في دمشق شاب مترف، نشأ وترعرع في الشام بعيدًا عن الحجاز، ولم يتشرب ثقافة الحجاز في معرفة مكانة بيت النبوة، ويعاونه قادة قساة القلوب، قدموا مصالحهم على كل شيء، وبوضوح هذه الصورة، ذهبت إلى الحسين وترجّته البقاء في مكة، وقالت له كلمة في غاية الأهمية: “إن أراقوا دمك فسوف تهون عليهم دماؤنا.”

في حديثها هذا، كانت تنظر إلى الأفق الاستراتيجي البعيد، الذي يتجاوز المكان ويسافر عبر الزمان، فإن قُتل سبط النبي ﷺ، فلن يجرؤ أحد على رفع صوته حتى بالرأي، أمام سيف خُضّب بدمه، ولسوف تنتهي القيمة المعنوية، وتتوحّش الدولة، فلا يبقى ما يمنعها أخلاقيًّا، وحين غادر الحسين مكة، بكت عمرة بحرقة وهي تشاهد موكب الموت، فقد كانت من شهود العيان على أمرٍ سيتجاوز زمنهم بكثير.

 

رضي الله عن عمرة بنت عبد الرحمن، هذه الشخصية العظيمة، فهي من بيت أسعد بن زرارة، أصغر المبايعين في بيعة العقبة. ورحم الله الخليفة عمر بن عبد العزيز، الذي أمر قاضي المدينة بجمع حديثها لأهميته، حتى لا يضيع علمها.

 

من وقع هاتين الشخصيتين، نعيد التأكيد على عبرتين مهمتين:


الأولى: لا تُبنى القرارات على العواطف والحماسة، سواء من نفسك أو من الآخرين.


والثانية: حتى في مطالبتك بحقك، لا تُهمل النظر في مآل الأمور، وهو ما يُعرف اليوم بـ”النظرة الاستراتيجية”.

 

لذا، فإن القرارات التي تُبنى بعيدًا عن العواطف، وخضعت لدراسة عميقة لكافة الجوانب والأبعاد قبل اتخاذها، هي الأنجح، والعكس بالعكس.

رضي الله عن الحسين، وعن الصحابة، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

 

 

 

 

 

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق