ما يحدث في المنطقة هو "لحظات مفصلية"، تدرك إسرائيل ذلك، وكذلك القوى السياسية الموجودة، هناك وهن كبير وفراغ ملأته إسرائيل بالقتل والتدمير، تقصف متى شاءت، وحيثما شاءت، ولكن، ماذا عن مآل الأمور بعد ذلك؟
بالأمس، حدث تطور بعيد عن حسابات الكثيرين، وبالتأكيد هو اليوم محور نقاشات في العديد من العواصم الغربية، الا وهو هبة أبناء البادية والعشائر في سوريا، ودخولهم المعركة نصرةً لمجموعات تعرضت للقتل والذبح والتهجير من قبل أقلية درزية منتشية بدعم إسرائيل لها.
وللعلم، فإن هذا الأمر يحدث لأول مرة منذ سنوات طويلة، وقد طرح أحدهم سؤالًا بالأمس: أين كان هذا التعاضد في فترة بشار الأسد؟
سؤال مهم ومشروع، والجواب باختصار: ما نراه اليوم هو من آثار انتصار الثورة السورية بعد 14 سنة من المعاناة والقتل والتدمير، إنها رسالة شعبية تعني أن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، وأن الدور الذي أُنيط بالأقليات كسجّانين وسفّاحين للأكثرية السنية من دون حساب أو ردة فعل قد انتهى إلى الأبد.
ما يحدث على الأرض السورية مشهد مخيف جدًا للدول المعادية للمنطقة، وللقوى العميله لها، ذلك العمق القبلي عمق مترابط يمتد عبر عدة دول، ويخلق شعورًا بالاعتزاز يصعب التعامل معه، وهنا تكمن أهمية وجود قيادات تستطيع إدارة تلك الحشود من دون انفراط أمني.
لذلك، أعتقد أن ما يحدث في سوريا كان خارج كل سقوف التوقعات، ويعيد قراءة المشهد من زاوية أخرى، والحاجة إلى قيادة سورية عاقلة ومتزنة تزداد يومًا بعد يوم، إذ إن سيناريو الفوضى ليس في صالح أحد.
نأتي إلى الأقليات، يجب أن ينصتوا بإخلاص إلى قياداتهم الرشيدة، الاستقواء بالخارج مفيد لفترة قصيرة، لكنه يفتقر للرؤية الاستراتيجية، فضلًا عن الخسارة المعنوية بالانفصال عن العمق الوطني والقومي، ولنأخذ عبرتنا من التاريخ: أقوى قوة في العالم، أمريكا، تركت عملاءها في فيتنام ليفترسهم الناس في الشوارع، وفي أفغانستان تعلقوا بإطارات الطائرات وسقطوا منها، القوى الخارجية تنظر إلى المشهد من زاوية المصلحة فقط، وحين تنتهي مصالحها، ترمي من خدمها في أقرب حاوية.
والعبرة الأهم والأقرب في الذاكرة: العلويون ساندوا بشار بدمائهم وأموالهم وقراهم، وفي سبيله دخل شبابهم أفران الموت، وحين اقترب الثوار من دمشق، فرّ كالجبان، وأخذ معه المال فقط وذهب إلى روسيا، بعدادهم البسيط، تُعَدّ خسائرهم فادحة: أكثر من 200 ألف شاب علوي ذهبوا من اجل فاسدٍ تركهم وهرب بماله وأبنائه، لذا، فإن فاتورة معارضة الدولة والأكثرية باهظة جدًا، وبقاؤهم ضمن إطار الدولة ضمان لهم ولأبنائهم، والدولة ارحم لهم من فاسديهم.
الأحداث لم تنتهِ بعد، والتطورات خارج الحسابات، وعالم اليوم تغيّر عما كان عليه قبل خمسين عامًا، حافظ الأسد حضر ومارس دوره على مسمع ومشهد من الجميع: نادى بالوطنية وارتكب المجازر في السوريين، ونادى بفلسطين ودخل لبنان وارتكب المجازر في الفلسطينيين بمخيمي تل الزعتر وصبرا وشاتيلا وكثير من المواقع، ونادى بالقومية العربية، لكنه جعل مطاراته الشرقية تخدم الطيران الحربي الإيراني وهو يقصف بغداد، عاصمة العروبة، وبعدها، مضى جروه على سيرة أبيه.
لهذا، التحدي اليوم يكمن في فهم السياسة "الشطرنجية"، القيادة السورية تحتاج إلى سياسة معاوية، القائل: لا أُمسك سوطي حتى يكفيني لساني، ولا أُمسك سيفي حتى يكفيني سوطي، ولو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، إن شدوها أرخيتها، وإن أرخوها شددتها.
هناك عقلاء في كل طائفة، ويجب أن يكونوا هم الجسر للعبور إلى مفهوم الدولة.
عودًا على بدء، مع التوحش الإسرائيلي المفرط، وغباء البعض في الاحتماء بهم، والتعاضد العشائري، نحن في لحظة مفصلية غيّرت كثيرًا من قواعد اللعبة، وأدخلت عنصرًا جديدًا إلى المعادلة، وهو العمق العشائري، الذي لن يستطيع أحد إخراجه من الحسابات بعد اليوم. (خليفة آل محمود)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق