الخميس، 17 يوليو 2025

الهبة العشائرية أهم متغير سياسي منذ مئة عام

 ما يحدث في المنطقة هو "لحظات مفصلية"، تدرك إسرائيل ذلك، وكذلك القوى السياسية الموجودة، هناك وهن كبير وفراغ ملأته إسرائيل بالقتل والتدمير، تقصف متى شاءت، وحيثما شاءت، ولكن، ماذا عن مآل الأمور بعد ذلك؟

‏ 

‏بالأمس، حدث تطور بعيد عن حسابات الكثيرين، وبالتأكيد هو اليوم محور نقاشات في العديد من العواصم الغربية، الا وهو هبة أبناء البادية والعشائر في سوريا، ودخولهم المعركة نصرةً لمجموعات تعرضت للقتل والذبح والتهجير من قبل أقلية درزية منتشية بدعم إسرائيل لها.

‏ 

‏وللعلم، فإن هذا الأمر يحدث لأول مرة منذ سنوات طويلة، وقد طرح أحدهم سؤالًا بالأمس: أين كان هذا التعاضد في فترة بشار الأسد؟

‏ 

‏سؤال مهم ومشروع، والجواب باختصار: ما نراه اليوم هو من آثار انتصار الثورة السورية بعد 14 سنة من المعاناة والقتل والتدمير، إنها رسالة شعبية تعني أن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، وأن الدور الذي أُنيط بالأقليات كسجّانين وسفّاحين للأكثرية السنية من دون حساب أو ردة فعل قد انتهى إلى الأبد.

‏ 

‏ما يحدث على الأرض السورية مشهد مخيف جدًا للدول المعادية للمنطقة، وللقوى العميله لها، ذلك العمق القبلي عمق مترابط يمتد عبر عدة دول، ويخلق شعورًا بالاعتزاز يصعب التعامل معه، وهنا تكمن أهمية وجود قيادات تستطيع إدارة تلك الحشود من دون انفراط أمني.

‏ 

‏لذلك، أعتقد أن ما يحدث في سوريا كان خارج كل سقوف التوقعات، ويعيد قراءة المشهد من زاوية أخرى، والحاجة إلى قيادة سورية عاقلة ومتزنة تزداد يومًا بعد يوم، إذ إن سيناريو الفوضى ليس في صالح أحد.

‏ 

‏نأتي إلى الأقليات، يجب أن ينصتوا بإخلاص إلى قياداتهم الرشيدة، الاستقواء بالخارج مفيد لفترة قصيرة، لكنه يفتقر للرؤية الاستراتيجية، فضلًا عن الخسارة المعنوية بالانفصال عن العمق الوطني والقومي، ولنأخذ عبرتنا من التاريخ: أقوى قوة في العالم، أمريكا، تركت عملاءها في فيتنام ليفترسهم الناس في الشوارع، وفي أفغانستان تعلقوا بإطارات الطائرات وسقطوا منها، القوى الخارجية تنظر إلى المشهد من زاوية المصلحة فقط، وحين تنتهي مصالحها، ترمي من خدمها في أقرب حاوية.

‏ 

‏والعبرة الأهم والأقرب في الذاكرة: العلويون ساندوا بشار بدمائهم وأموالهم وقراهم، وفي سبيله دخل شبابهم أفران الموت، وحين اقترب الثوار من دمشق، فرّ كالجبان، وأخذ معه المال فقط وذهب إلى روسيا، بعدادهم البسيط، تُعَدّ خسائرهم فادحة: أكثر من 200 ألف شاب علوي ذهبوا من اجل فاسدٍ تركهم وهرب بماله وأبنائه، لذا، فإن فاتورة معارضة الدولة والأكثرية باهظة جدًا، وبقاؤهم ضمن إطار الدولة ضمان لهم ولأبنائهم، والدولة ارحم لهم من فاسديهم.

‏ 

‏الأحداث لم تنتهِ بعد، والتطورات خارج الحسابات، وعالم اليوم تغيّر عما كان عليه قبل خمسين عامًا، حافظ الأسد حضر ومارس دوره على مسمع ومشهد من الجميع: نادى بالوطنية وارتكب المجازر في السوريين، ونادى بفلسطين ودخل لبنان وارتكب المجازر في الفلسطينيين بمخيمي تل الزعتر وصبرا وشاتيلا وكثير من المواقع، ونادى بالقومية العربية، لكنه جعل مطاراته الشرقية تخدم الطيران الحربي الإيراني وهو يقصف بغداد، عاصمة العروبة، وبعدها، مضى جروه على سيرة أبيه.

‏ 

‏لهذا، التحدي اليوم يكمن في فهم السياسة "الشطرنجية"، القيادة السورية تحتاج إلى سياسة معاوية، القائل: لا أُمسك سوطي حتى يكفيني لساني، ولا أُمسك سيفي حتى يكفيني سوطي، ولو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، إن شدوها أرخيتها، وإن أرخوها شددتها.

‏ 

‏هناك عقلاء في كل طائفة، ويجب أن يكونوا هم الجسر للعبور إلى مفهوم الدولة.

‏ 

‏عودًا على بدء، مع التوحش الإسرائيلي المفرط، وغباء البعض في الاحتماء بهم، والتعاضد العشائري، نحن في لحظة مفصلية غيّرت كثيرًا من قواعد اللعبة، وأدخلت عنصرًا جديدًا إلى المعادلة، وهو العمق العشائري، الذي لن يستطيع أحد إخراجه من الحسابات بعد اليوم. (خليفة آل محمود)

الثلاثاء، 15 يوليو 2025

كتاب إسرائيل التكوين،،،

 مؤلف كتاب (اسرائيل التكوين، ترومان، واليهود الأمريكيون، واصول الصراع العربي الاسرائيلي) اليهودي (جون ب جوديس) بين سطور كتابه، يتحدث عن فكرة بالغة الأهمية تدل على أسلوب عمل قامت به الدول التي غيرت شكل جغرافية المنطقة في بداية القرن العشرين، أحاول من خلال هذه السطور توضيح أفكاره قدر الإمكان، بعد الحرب العالمية الأولى طُرحت فكرة "الانتداب" من قِبل السياسي الجنوب أفريقي (إيان سموتس)، ومضمونها أن من حق الدول المنتصرة إدارةالدول التي خرج منها العثمانيون، إلى حين قدرتها على إدارة نفسها.

‏ 

‏رحّب الرئيس الأمريكي (ويلسون) بالفكرة، لكنه اقترح أن يكون الانتداب من خلال دول ليست لها أطماع استعمارية، ورشّح السويد على سبيل المثال، لكن بريطانيا وفرنسا تمسكتا بفكرة الانتداب وتولي تنفيذها، الإشكالية بالنسبة للبريطانيين أن هذه الفكرة تتعارض مع وعد بلفور، القاضي بإنشاء وطن قومي لليهود، لذلك أصرّوا على تضمين الإشارة إلى وعد بلفور في صك الانتداب على فلسطين.

‏ 

‏وعلى ضوء تلك الأحداث المتسارعة، وُلد مشروع "سوريا الكبرى"، ذلك الكيان الذي كان من المفترض أن يضم سوريا ولبنان وشرق الأردن وفلسطين وجزءًا من العراق، وقد أصبح هناك رمز لذلك الحلم هو (الملك فيصل بن الشريف حسين)، والتفّ الجميع في جغرافيا مترامية الأطراف خلف ذلك الأمل، معتقدين بتحققه بعد نهاية الانتداب استنادًا إلى الوعد البريطاني بمنح العرب دولتهم القومية بعد الانتصار على العثمانيين بمساعدة العرب.

‏ 

‏بلغ هذا الحلم ذروته بانعقاد أول مؤتمر سوري، حيث خرج مفتي القدس، (أمين الحسيني)، رافعًا صورة الملك فيصل، وهتف للجماهير: هذا هو ملككم. 


‏كان ذلك مشهدًا مزعجًا لبريطانيا؛ أن تتجه أهم شخصية دينية مقدسية لمبايعة من يجلس على عرش دمشق، يعني تقاطع مشروع سوريا الكبرى مع مشروعهم الأهم: إقامة وطن قومي لليهود.


‏لذلك عملت بريطانيا، بمساعدة فرنسا، على تقويض هذا المشروع، وكتب وكيل وزارة الخارجية البريطاني، تشارلز هاردينغ، عام 1919 إلى المسؤول البريطاني في فلسطين: سيكون من الأفضل لنا عمومًا أن نقول إن فلسطين للفلسطينيين.

‏ 

‏وطُلب من الفرنسيين اتباع النهج نفسه مع الدول الواقعة تحت سيطرتهم، وهكذا بدأت محاربة فكرة "سوريا الكبرى" بتشجيع نموالشعور القومي الجزئي.

‏ 

‏ومن خلال أدوات إعلامية ووسائل أخرى، تم تمرير هذه الفكرة بذكاء، وظهر شعور قومي محصور بجغرافيا محدودة، حتى الوطنيين الفلسطينيين الذين كانوا ينادون بسوريا الكبرى انطلت عليهم الخطة، وبدؤوا يتحدثون عن "فلسطين عربية"، وتحوّلت لهجتهم في الإعلام، إذ أخذت الصحف تكتب إن القدس عاصمة فلسطين لا عاصمة سوريا، وعن فلسطين وأختها سورية، للتوضيح بجلاء للقاريء أنهما دولتان منفصلتان.


‏وتم تغيير اسم أهم صحيفة فلسطينية من "سوريا الجنوبية" إلى "فلسطين"، كما اتُّبعت الخطوات ذاتها في سوريا ولبنان والعراق.

‏ 

‏وبعد هذا النجاح في تجزئة المجزأ، خطا البريطانيون خطوة أخرى، فخلعوا الملك فيصل رمز سوريا الكبرى، وأبعدوه عن الحكم في دمشق، ومنحوه دولة بعيدة هي العراق، ترضية له.

‏ 

‏ثم بعد عامين، سلخوا شرق الأردن عن فلسطين، ونصّبوا عبد الله بن الحسين حاكمًا عليها، وهكذا، وبهذا ماتت فكرة سوريا الكبرى، وتحولت إلى واقع من خمس دول، ويُدفن إلى الأبد مصطلح سوريا الجنوبية، الذي كان يُقصد به فلسطين.

‏ 

‏في رأيي الشخصي تلك الأفكار العبقرية بالتأكيد لم تكن وليدة شخص مهما بلغ من حدة ذكاءه، بل نتاج مؤسسات تنظر إلى الجغرافيا العربية كرقعة شطرنج، كان هناك عصف ذهني، ومكر ودهاء، ونقاش مستفيض حول الخطط ومدى إمكانية نجاحها وآثارها المستقبلية، للوصول إلى أفضل النتائج.

‏ 

‏ولا تزال تلك الرقعة قائمة، ولا يزال لاعبها يخطط ويعصف ذهنه للوصول إلى نتائج ترضيه على حساب ساكن الأرض، ويضع الخطط تلو الخطط.

‏ 

‏اليوم، نسمع مجددًا عن فكرة لتجزئة سوريا، وعن تغييرات جغرافية تطال المنطقة، وللأسف، نسمع ونرى، لكن لا ندرك ماذا يحدث حولنا، وليس هناك خطط وقائية، لأننا – كما يبدو – لم نأخذ من التاريخ عظة ولا عبرة.

الاثنين، 14 يوليو 2025

من جابوتنسكي إلى نتنياهو: الجدار الحديدي عقيدة لا تموت

 "نتنياهو"، هو الامتداد الطبيعي لليهودي فلاديمير جابوتنسكي، هو يعترف بتأثره به، ويصفه بأنه ملهمه ومرشده، وحسب زعمه يقرأ كتبه باستمرار، نحن شاهدنا التلميذ في عناده ودمويّته، لكن من هو الأستاذ الذي شكّل له هذا الفكر؟ أو كما يُسمى: ملهم حزب الليكود المتطرف؟

 

"فلاديمير جابوتنسكي"، المولود في أوكرانيا، اعتنق قضية الشعب اليهودي وضرورة إقامة وطن قومي لهم، درس القانون وعمل في الصحافة، وفي مطلع شبابه ذهب إلى إيطاليا حيث عمل مراسلًا صحفيًا، وهناك تأثر بشدة بالقائد الفاشي موسوليني، أُعجب بأسلوب الدموية في سبيل تحقيق الأهداف، واستمر هذا التأثير معه حتى مراحل متأخرة من حياته، حتى أن أتباعه أطلقوا عليه لقب "الدوتشي"، وهو لقب زعيم الفاشية موسوليني.

 

في بدايات نشاطه السياسي، التقى بالزعيم التاريخي اليهودي "تيودور هرتزل"، حدث بينهما إعجاب متبادل؛ هرتزل برمزيّته وتاريخه، وجابوتنسكي بشبابه وحماسه، اتفقا على أن أولوية المشروع الصهيوني هي إنشاء دولة يهودية، لكنهما اختلفا في الأسلوب؛ هرتزل كان يريد إنشاء الدولة عبر الشراء أو التفاهم مع القوى العظمى، بينما جابوتنسكي كان يرى أن على اليهود القتال من أجل هذا الحلم.

 

خلال الحرب العالمية الأولى، انتقل جابوتنسكي إلى الشرق الأوسط، وشارك في تشكيل فرقة يهودية من المهاجرين إلى فلسطين، حاربت لفترة قصيرة بجانب بريطانيا، ثم انسحب منها ليكرّس جهوده داخل فلسطين، هذه التجربة أكسبته خبرة عسكرية، فأنشأ مع آخرين منظمة الهاغاناه، وهي نواة الجيش الإسرائيلي لاحقًا، وكانت ميليشيا إرهابية لعبت دورًا محوريًا في تهجير الفلسطينيين من قراهم بعد عام 1948.

 

هذا النهج كان انعكاسًا مباشرًا لأفكاره، التي كتبها بوضوح في كتبه ومقالاته، حيث قال إن على اليهود إنشاء قوة دفاعية تُقدَّم على أي جهد مدني، وإنه يجب تعليم الجيل الجديد حمل السلاح، وتجاوز الاعتبارات الأخلاقية عند التعامل مع قضية إقامة الدولة.

وصرّح بصراحة: نحن نسعى لاستيطان بلاد ضد إرادة سكانها المحليين، وبالقوة… والطرق اللاأخلاقية في هذه الحالة أمر مبرر ومشروع.

 

بعد اندلاع الاضطرابات في فلسطين في أوائل عشرينيات القرن الماضي، اعتقلته بريطانيا وحكمت عليه بالسجن 15 عامًا، ثم أُفرج عنه بعفو عام.

وتقديرًا لجهوده واعماله، أصبح عضوًا في السلطة التنفيذية الصهيونية في فلسطين، وهي من أهم الجهات المسؤولة عن تنفيذ سياسات العمل الصهيوني لإقامة الدولة.

 

ضمن النقاشات التي دارت داخل الحركة الصهيونية، كان الخلاف يدور حول كيفية التعامل مع السكان العرب، بحكم أن انهم الأغلبية، بعض القادة، كـحاييم وايزمان، طرحوا فكرة التدرج وكسب بعض الفئات من العرب عبر العمل المشترك، خاصة الفلاحين.

لكن جابوتنسكي رفض ذلك تمامًا، وقال إن الصراع ليس سوء تفاهم، بل صراع وجود لا يقبل القسمة.

وكتب مقالًا شهيرًا بعنوان:

"أخلاقيات الجدار الحديدي"، قال فيه:

نحن سنقيم قوة عسكرية تضع جداراً حديدياً منيعاً لا يستطيع الفلسطينيون اختراقه.

وأصبحت هذه العبارة أشهر نظرية سياسية تُطبّق حتى اليوم فيما يُعرف بسياسة "الجدار الحديدي".

 

عام 1922، قررت بريطانيا سلخ شرق الأردن عن فلسطين وإنشاء إمارة منفصلة، وهو ما اعتبره الصهاينة تحديًا صارخًا لهم، ورفضوه بشدة، معتبرين أن الأردن وصحراء سوريا جزء من الوطن القومي اليهودي المشمول بوعد بلفور، احتجاجًا على ذلك، استقال جابوتنسكي من السلطة التنفيذية عام 1923، ثم أسس عام 1925 حزبًا جديدًا هو "الحزب التجديدي".

 

ولهذا السبب، جاء إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948 دون تحديد أي حدود جغرافية، وحتى اليوم لا تملك إسرائيل حدودًا نهائية منصوصًا عليها في القانون الدولي أو في دستورها، ما يجعلها دولة قابلة للتوسّع.

 

وقد كتب نتنياهو في مذكراته المنشورة عام 1993: تم اقتطاع حوالي 80٪؜ من أراضي الوطن القومي اليهودي في شرق الأردن عام 1922، وأرغم اليهود على قبول هذا الاقتطاع.

وأوضح أن المناطق التي يعتبرها حقًا تاريخيًا لإسرائيل تم التنازل عنها، مثل: مياه نهر الليطاني في لبنان، الأردن، سيناء، غزة، وأريحا.

وعقب على هذه المعلومة في مذكراته أن الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل قدّمت "تنازلات كبيرة" من أجل التعايش والسلام لم يقدرها العرب، بحسب زعمه.

 

ومن الأفكار التي كتبها جابوتنسكي، والتي نسمع صداها اليوم بوضوح في خطاب نتنياهو وآخرين، قوله:

اليهود وعددهم 15 مليوناً مشتّتون في أنحاء العالم، ويبحثون عن وطن، ولن يشردوا شعباً عربياً، فالوطن العربي يضم 38 مليون نسمة موزعين على رقعة جغرافية بحجم نصف أوروبا، أي أن لديهم أرضاً تفوق حاجتهم.

 

ويتابع:

إذا قاومت تلك الأمة التي تمتلك الأرض – وهو أمر طبيعي – فيجب أن يُفرض عليها ذلك بالإكراه… فالعدالة التي تُطبّق بالقوة تظل عدالة.

 

كما كتب أن: العرب شعب يمكن تغيير وطنه بسهولة، وأن عربيًّا في رام الله أو بيت لحم يمكنه أن يعيش بسهولة في تكريت أو الرياض.

 

وهذه الفكرة تكررت على لسان إسحاق شامير – رئيس الوزراء الأسبق – الذي قال في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991:

 

نحن نعد أربعة ملايين، وتعد الدول العربية من المحيط إلى الخليج 170 مليوناً، نحن نسيطر على 28  ألف كيلو متر مربع، بينما يملك العرب 14 مليون كيلو متر مربع.

 

ختاماً: في لعبة الأطفال المعروفة باسم الكراسي الموسيقية، لا يفوز إلا لاعب واحد، لا يمكن اقتسام الفوز بين اثنين، في تقديري فإن الصراع الذي أشعلته بريطانيا بوعد بلفور خضع منذ بدايته لقواعد تلك اللعبة، مع تحيّز الحَكَم للاعب واحد فقط.

وما يحدث في غزة، وبعدها الضفة، وربما لاحقًا مع عرب الـ48، ليس سوى حلقة في لعبة سياسية دموية لا تحسمها مفاوضات، بل أفكار متطرفه وهي إرث من العمل المتواصل والمتراكم بين اجيال.

 

جابوتنسكي، الذي مات في أمريكا عام 1940 دون أن يرى حلمه بدولة يهودية يتحقق، نُقل رفاته إلى القدس في الستينيات على يد تلاميذه، ليكتمل مشهد الوفاء للشخص وللفكرة.

 

فالتلميذ نتنياهو، وغيره من زعماء اليمين، هم امتداد حي لأفكار أستاذهم، وجزء من قصة لم تنتهِ بعد.

 

 

 

 

 


الأربعاء، 9 يوليو 2025

الحسين بن علي ونصيحة بعدم الخروج،،،

 في قصة الحسين رضي الله عنه كثير من الأحداث والعِبر؛ فهي قصة غيّرت مسار التاريخ والجغرافيا، وبقي أثرها حتى يومنا هذا، لا يوجد أحد من فقهاء الإسلام وقف في المعسكر الآخر، ومع ذلك فهي قصة تحمل كثيرًا من الدروس والعِبر.

 

الرسائل التي انتقلت من العراق إلى مكة، تبايع وتحث الحسين على القدوم، وصفها بعض المؤرخين بأنها أثقلت أوقار الإبل، وكان العراق في شبه ثورة، وإرسال الحسين مبعوثه ابن عمه "مسلم بن عقيل" الذي أكد له التفاف الناس حوله، كل ذلك شجّعه على الخروج إليهم، هذا القرار المصيري والهام، كانت لكثير من الصحابة وجهات نظر مخالفة، أقف عند رأيين اثنين، أولهما رأي "ابن عباس"، الذي طلب من الحسين البقاء وعدم الخروج، وحين رأى إصراره، نصحه بالتوجه إلى اليمن، لما فيها من عزلة، وقلاع، وشعاب، فضلًا عن بعدها عن سيطرة الدولة، أي الركون للحماية البشرية والطبيعية.

 

سبب نصيحة ابن عباس كان في غرابة المشهد الذي يراه؛ فتعاطف الناس لا يكفي ما دامت أجهزة الدولة والوالي المعيّن منهم موجودين في العراق، والسيطرة بأيديهم. وكأنه يقول: هو انتقال محفوف بالمخاطر، دون مغادرة أعدائك من هناك.

 

ابن عباس أدرك أن القرارات الاستراتيجية والمصيرية لا تُبنى على العواطف، وأن هناك مسافة شاسعة بين الإنسان في عاطفته وحقيقته، بل يجب أن تُترجم العاطفة إلى واقع حقيقي يخلق أرضية صلبة لإنجاح الخطة، وهذا ما حدث فعلاً؛ فبمجرد تحرّك الحسين، اجتمع الوالي الأموي في العراق برؤساء العشائر، وهدّدهم بأنفسهم ومصالحهم، فخرج كل رئيس قبيلة وسحب أبناء قبيلته، لتنطفئ الحماسة ويخرج الجميع من المشهد، ومن نصرة مبعوث الحسين، الذي لم يبقَ معه إلا اثنان، ثم تمت مطاردته وقتله، وانتهت الثورة قبل وصول القائد، على شعارات وأهازيج من الماضي، والأعجب أن عددًا من هؤلاء الثائرين انضموا لاحقًا إلى جيش الدولة الذي قتل الحسين رضي الله عنه، حادثة طغت فيها المصالح على المبادئ.

 

الشخصية الأخرى هي "عمرة بنت عبد الرحمن" رضي الله عنها، تلك الصحابية العاقلة الحصيفة، التي نظرت إلى المشهد بوضوح بالغ، الحاكم في دمشق شاب مترف، نشأ وترعرع في الشام بعيدًا عن الحجاز، ولم يتشرب ثقافة الحجاز في معرفة مكانة بيت النبوة، ويعاونه قادة قساة القلوب، قدموا مصالحهم على كل شيء، وبوضوح هذه الصورة، ذهبت إلى الحسين وترجّته البقاء في مكة، وقالت له كلمة في غاية الأهمية: “إن أراقوا دمك فسوف تهون عليهم دماؤنا.”

في حديثها هذا، كانت تنظر إلى الأفق الاستراتيجي البعيد، الذي يتجاوز المكان ويسافر عبر الزمان، فإن قُتل سبط النبي ﷺ، فلن يجرؤ أحد على رفع صوته حتى بالرأي، أمام سيف خُضّب بدمه، ولسوف تنتهي القيمة المعنوية، وتتوحّش الدولة، فلا يبقى ما يمنعها أخلاقيًّا، وحين غادر الحسين مكة، بكت عمرة بحرقة وهي تشاهد موكب الموت، فقد كانت من شهود العيان على أمرٍ سيتجاوز زمنهم بكثير.

 

رضي الله عن عمرة بنت عبد الرحمن، هذه الشخصية العظيمة، فهي من بيت أسعد بن زرارة، أصغر المبايعين في بيعة العقبة. ورحم الله الخليفة عمر بن عبد العزيز، الذي أمر قاضي المدينة بجمع حديثها لأهميته، حتى لا يضيع علمها.

 

من وقع هاتين الشخصيتين، نعيد التأكيد على عبرتين مهمتين:


الأولى: لا تُبنى القرارات على العواطف والحماسة، سواء من نفسك أو من الآخرين.


والثانية: حتى في مطالبتك بحقك، لا تُهمل النظر في مآل الأمور، وهو ما يُعرف اليوم بـ”النظرة الاستراتيجية”.

 

لذا، فإن القرارات التي تُبنى بعيدًا عن العواطف، وخضعت لدراسة عميقة لكافة الجوانب والأبعاد قبل اتخاذها، هي الأنجح، والعكس بالعكس.

رضي الله عن الحسين، وعن الصحابة، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

 

 

 

 

 

 


الأربعاء، 2 يوليو 2025

محاكم نورنبيرغ ومحاكم بغداد، الغائب الوحيد القانون،،،

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية دار جدل كبير في مباحثات قادة الدول المنتصرة حول مصير القادة والضباط المهزومين الألمان، الحلول التي طرحت خارج حدود المنطق، ونابعة من رغبة شديدة بالانتقام، لعل أشهرها فكرة تفضي إلى جمع أهم مئة ألف ألماني أداروا الدولة في صعيد واحد و إطلاق النار عليهم وقتلهم دون محاكمات، تلك الخطة كادت أن تنفذ لولا أنها سربت للصحافة وأثارت الرأي العام في الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي أفسد العمل، ليصل الجميع إلى حل يوازن بين رغبتهم في الانتقام وحماية صورتهم الحضارية، ليصلوا إلى حل بمحاكمة سميت (نورنبيرغ)، كانت الإشكالية الأولى أن قوانين الدول المنتصرة لا تحقق للحلفاء هدفهم بالوصول إلى عقاب صارم، لُفّقت قوانين خاصة بتلك المحكمة وهي مخالفة صريحة للمباديء القانونية والتي منها لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص، ولا رجعية للقوانين، وحتى القضاة جيء بهم من أكثر المناطق الأوروبية دماراً مما يخلق بيئة نفسية مناسبة لتحقيق الانتقام، كما يقال الوقت كان كفيلا بإدراك الجميع عن خطأ الطريق، ذهبت سكرة التشفي وحل محلها فكرة الهدوء المتزن، فوُضعت أسس المحاكمة الجنائية الدولية و شرائعها المنتظمة. 

 

ماذا عن عصرنا الحديث؟ عصر القانون كما يقال والطفرة المعرفية، لطالما أخذت كثير من الدول التماهي بتطبيق وسيادة القانون، عام ٢٠٠٣ لنا تجربة مشابهة في العراق، نظام مهزوم و أفراده يقبعون في السجون يقابلها مجموعة منتصرة ترغب في الانتقام، كيف قام العراقيون بمساعدة الغرب بتطبيق القانون على المنهزمين، (جزيل الخوري) المذيعة الراحلة في BBC لها لقاء مميز مع نائب رئيس محكمة التمييز العراقية (منير حداد) الكردي الشيعي، بذكاء مذهل بدأت المذيعة الحلقة بأسئلة تبدو أنها عادية ولكنها ملغمة، سألته عن نظرته لصدام حسين، فأخذ القاضي يتحدث بإسهاب عن انتمائه لأسرة عانت من جرائم صدام حسين، وهو منذ صغره يسمع عن مجازره، وكيف ألقي القبض عليه مع ١٤٠٠ شخص قتل منهم حسب زعمه ١٣٥٠ و أحد القتلى أخوه، المذيعة بهدوء اسألتها كانت تجرده بهدوء ومن دون أن يشعر من سمة القاضي وحياده، وأوصلت الفكرة للمشاهدين أنه شخص موتور وليس قاضياً يفترض خلوه من المشاعر المسبقه ضد المتهم. 

 

من شاهد اللقاء لا يحتاج أن يبذل جهدا كبيرا في ربط الأحداث مع تلك المحاكمة، صراع المتهمين مع القضاة الذي جلهم من صنف أعدائهم (الأكراد و الشيعة) ومن خلال المحاكم الطويلة لم يكن يخفى على أحد ما وغر في صدورهم وظهر على فلتات ألسنتهم، باستثناء بعض القضاة الذين حاولوا إضفاء الحياد على جلسات المحكمة وإعطاء المتهمين قدر من الاحترام ليكون مصيرهم الاستبعاد من المحاكمة، الغريب في الأمر أن منير حداد اعترف خلال اللقاء أن القانون العراقي لم يكن خادماً لهم في تحقيق الرغبة بمعاقبة المتهمين بقسوة لذلك صيغت قواعد قانونية بالتعاون مع المحامي البريطاني من الأصول العراقية سامي الشلبي وخبير قانوني أمريكي لتسعفهم في مسعاهم، هنا ايضاً دهس المبدأ القانونية بعدم رجعية القوانين. 

 

سألته السؤال الذي يصعب تبريره، لماذا أعدم صدام في يوم العيد؟ أخذ يتحدث في محاولة أبعاد اسمه عن هذه المخالفة القانونية الصريحة، المفارقة أنه وصفها ب"ليلة العيد"، بعدها انهارت قوى تبريراته ليتحدث بصراحة متناهية عن ما حدث، إنه في منتصف ديسمبر مع قرب نهاية عام ٢٠٠٦ سمع تصريح لرئيس الوزراء نوري المالكي يعد فيه العراقيين بتنفيذ حكم الإعدام في صدام قبل نهاية هذه السنة، وطلبني المالكي بعدها بيوم لمقابلته، فذهبت إليه وقلت له إن حكم الإعدام الصادر بحق صدام استحالة أن ينفذ في غضون أسبوعين، الأمر يحتاج خطوات أولها تصديق محكمة التمييز وإجراءات أخرى قد تستمر لأشهر، ليطلب مني المالكي العمل على التصديق وهو سيتكفل ببقية الإمور، يقول إنه قام على تنفيذ الأمر وجمع أعضاء المحكمة التسعة وضغط على بعضهم وتم التصديق على الحكم بسرعة كبيرة بأغلبية سبعة أعضاء، أما الاثنان المتبقيان "هربا" ولم يصدقا على الحكم، هنا اتوقف مندهشا! استخدام كلمة "هربا" لشخصين حافظا على وقارهم القضائي والقانوني ولم يخضعا لأوامر رئيس وزراء أراد الانتقام باستخدام السلطة القضائية. 

 

عرضت عليه المذيعة فيديو لعزت الشابندر وهو من أهم المقربين للمالكي عن سبب استعجال الإعدام ليتوافق مع يوم العيد بالصدفة كما زعم وليس بسبب نزعة انتقامية، حيث قال الشابندر إن الأجهزة الأمنية اكتشفت خطة خليجية أمريكية  لتهريب صدام، وأن المالكي بعدها تواصل مع الرئيس بوش الذي حثه على التنفيذ بالسرعة الممكنة، نفى منير حداد هذا الكلام وقال إن الخليجيين اقفلوا الأبواب مع المالكي ولا يريدون الحديث معه، ليقول منهياً هذا السوأل بقوله: إن المالكي أراد تحقيق عمل بطولي لطائفته الشيعية بإعدام صدام يوم العيد، من دون أي اعتبار للأمور الأخرى جميعها، فكان تنفيذه في يوم العيد بحضور ١٤ شخص كلهم من اعدائه حزب الدعوى الشيعي، أما فيما يتعلق بالعبث بجثة صدام بعد الإعدام، حاول أن ينفي ذلك الأمر وقال إن من قام بذلك أبناء عمومته لثأر قديم بينهم، ولكنه قال في ختام هذه الجزئية أن رئيس عشيرة صدام استلم الجثة بعدها من منزل نوري المالكي، ليفوت المذيعة هنا أن تسأله عند هذه النقطة! من سلم الجثة لأعدائه لينتهكوا حرمة الميت؟  ولماذا ذهبت لبيت المالكي؟ عموما ذكرت وسائل إعلام أمريكية أن جثة صدام أرسلت لبيت المالكي ليرقص الجميع ويضحك بتشف وشماتة أمام جسد غاب عن هذه الحياة الدنيا.

 

نسلط الضوء على شخصية قانونية أخرى، المدعي العام (جعفر الموسوي)، في برنامج آخر ذكر أنه كان في الحج حين إعدام صدام حسين، وقبل الإعدام بيوم تلقى اتصال من عادل عبدالمهدي نائب رئيس الوزراء الذي طلب منه أن يبتعد عن كل من حوله ليتحدث معه في موضوع غاية في الأهمية، قال له: "الحجي" يريد أن يعدم صدام غدا، ما رأيك؟، ويقصد ب الحجي نوري المالكي رئيس الوزراء، يقول كانت إجابتي  لا يمكن القيام بهذا العمل لوجود حائلين قانونيين، الأول أنه يوم عيد والقانون يمنع تنفيذ حكم الإعدام في يوم عيد لدين المحكوم عليه بالإعدام، والثاني أن محكمة التمييز صادقت على القرار منذ ثلاثة أيام فقط، ويحظر القانون التنفيد إلا بمرور ثلاثين يوما بعد ذلك التصديق، يقول أغلق السماعة ثم عاود الاتصال ليقول لي أنه تواصل مع احد كبار أساتذة اللغة العربية في جامعة بغداد وأخبره أن كلمة بمرور تعني خلال، ضحك المذيع ليقول له ما دخل استاذ اللغة العربية في هذه القضية، ليقول الجعفري متهكماً: وأنا مثلك ولكني أخبرك بما حدث بالضبط. 

 

عوداً على بدء، ما حدث في محاكمة نورنبيرغ، وما حدث في محاكم بغداد أبعد ما يكون عن القانون، شريعة غاب بصورة رسمية، ليس دفاعاً عن صدام فلو كانت محاكمته عادلة ربما سيجد المصير نفسه لكن ليس وحده سوف يكون بجواره على منصة المشنقة الكثير من جلاديه الذي يتقلبون منعمين اليوم في قصور بغداد، لم تكن تلك المحاكمة ضد شخص أو مجموعة أفراد بل مرحلة دموية كان عنوانها الرئيسي تلك الأحداث. 

 

ختاماً صحيح أن محاكم نونبيرغ ومحاكم بغداد مليئة بقضاة ومحامين ومدعين عامين وكذلك مدعين بالحق المدني، ونقلت أحداثها للعالم عبر وسائل الإعلام، ولكن الغائب الوحيد فيها "القانون".