الأربعاء، 2 يوليو 2025

محاكم نورنبيرغ ومحاكم بغداد، الغائب الوحيد القانون،،،

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية دار جدل كبير في مباحثات قادة الدول المنتصرة حول مصير القادة والضباط المهزومين الألمان، الحلول التي طرحت خارج حدود المنطق، ونابعة من رغبة شديدة بالانتقام، لعل أشهرها فكرة تفضي إلى جمع أهم مئة ألف ألماني أداروا الدولة في صعيد واحد و إطلاق النار عليهم وقتلهم دون محاكمات، تلك الخطة كادت أن تنفذ لولا أنها سربت للصحافة وأثارت الرأي العام في الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي أفسد العمل، ليصل الجميع إلى حل يوازن بين رغبتهم في الانتقام وحماية صورتهم الحضارية، ليصلوا إلى حل بمحاكمة سميت (نورنبيرغ)، كانت الإشكالية الأولى أن قوانين الدول المنتصرة لا تحقق للحلفاء هدفهم بالوصول إلى عقاب صارم، لُفّقت قوانين خاصة بتلك المحكمة وهي مخالفة صريحة للمباديء القانونية والتي منها لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص، ولا رجعية للقوانين، وحتى القضاة جيء بهم من أكثر المناطق الأوروبية دماراً مما يخلق بيئة نفسية مناسبة لتحقيق الانتقام، كما يقال الوقت كان كفيلا بإدراك الجميع عن خطأ الطريق، ذهبت سكرة التشفي وحل محلها فكرة الهدوء المتزن، فوُضعت أسس المحاكمة الجنائية الدولية و شرائعها المنتظمة. 

 

ماذا عن عصرنا الحديث؟ عصر القانون كما يقال والطفرة المعرفية، لطالما أخذت كثير من الدول التماهي بتطبيق وسيادة القانون، عام ٢٠٠٣ لنا تجربة مشابهة في العراق، نظام مهزوم و أفراده يقبعون في السجون يقابلها مجموعة منتصرة ترغب في الانتقام، كيف قام العراقيون بمساعدة الغرب بتطبيق القانون على المنهزمين، (جزيل الخوري) المذيعة الراحلة في BBC لها لقاء مميز مع نائب رئيس محكمة التمييز العراقية (منير حداد) الكردي الشيعي، بذكاء مذهل بدأت المذيعة الحلقة بأسئلة تبدو أنها عادية ولكنها ملغمة، سألته عن نظرته لصدام حسين، فأخذ القاضي يتحدث بإسهاب عن انتمائه لأسرة عانت من جرائم صدام حسين، وهو منذ صغره يسمع عن مجازره، وكيف ألقي القبض عليه مع ١٤٠٠ شخص قتل منهم حسب زعمه ١٣٥٠ و أحد القتلى أخوه، المذيعة بهدوء اسألتها كانت تجرده بهدوء ومن دون أن يشعر من سمة القاضي وحياده، وأوصلت الفكرة للمشاهدين أنه شخص موتور وليس قاضياً يفترض خلوه من المشاعر المسبقه ضد المتهم. 

 

من شاهد اللقاء لا يحتاج أن يبذل جهدا كبيرا في ربط الأحداث مع تلك المحاكمة، صراع المتهمين مع القضاة الذي جلهم من صنف أعدائهم (الأكراد و الشيعة) ومن خلال المحاكم الطويلة لم يكن يخفى على أحد ما وغر في صدورهم وظهر على فلتات ألسنتهم، باستثناء بعض القضاة الذين حاولوا إضفاء الحياد على جلسات المحكمة وإعطاء المتهمين قدر من الاحترام ليكون مصيرهم الاستبعاد من المحاكمة، الغريب في الأمر أن منير حداد اعترف خلال اللقاء أن القانون العراقي لم يكن خادماً لهم في تحقيق الرغبة بمعاقبة المتهمين بقسوة لذلك صيغت قواعد قانونية بالتعاون مع المحامي البريطاني من الأصول العراقية سامي الشلبي وخبير قانوني أمريكي لتسعفهم في مسعاهم، هنا ايضاً دهس المبدأ القانونية بعدم رجعية القوانين. 

 

سألته السؤال الذي يصعب تبريره، لماذا أعدم صدام في يوم العيد؟ أخذ يتحدث في محاولة أبعاد اسمه عن هذه المخالفة القانونية الصريحة، المفارقة أنه وصفها ب"ليلة العيد"، بعدها انهارت قوى تبريراته ليتحدث بصراحة متناهية عن ما حدث، إنه في منتصف ديسمبر مع قرب نهاية عام ٢٠٠٦ سمع تصريح لرئيس الوزراء نوري المالكي يعد فيه العراقيين بتنفيذ حكم الإعدام في صدام قبل نهاية هذه السنة، وطلبني المالكي بعدها بيوم لمقابلته، فذهبت إليه وقلت له إن حكم الإعدام الصادر بحق صدام استحالة أن ينفذ في غضون أسبوعين، الأمر يحتاج خطوات أولها تصديق محكمة التمييز وإجراءات أخرى قد تستمر لأشهر، ليطلب مني المالكي العمل على التصديق وهو سيتكفل ببقية الإمور، يقول إنه قام على تنفيذ الأمر وجمع أعضاء المحكمة التسعة وضغط على بعضهم وتم التصديق على الحكم بسرعة كبيرة بأغلبية سبعة أعضاء، أما الاثنان المتبقيان "هربا" ولم يصدقا على الحكم، هنا اتوقف مندهشا! استخدام كلمة "هربا" لشخصين حافظا على وقارهم القضائي والقانوني ولم يخضعا لأوامر رئيس وزراء أراد الانتقام باستخدام السلطة القضائية. 

 

عرضت عليه المذيعة فيديو لعزت الشابندر وهو من أهم المقربين للمالكي عن سبب استعجال الإعدام ليتوافق مع يوم العيد بالصدفة كما زعم وليس بسبب نزعة انتقامية، حيث قال الشابندر إن الأجهزة الأمنية اكتشفت خطة خليجية أمريكية  لتهريب صدام، وأن المالكي بعدها تواصل مع الرئيس بوش الذي حثه على التنفيذ بالسرعة الممكنة، نفى منير حداد هذا الكلام وقال إن الخليجيين اقفلوا الأبواب مع المالكي ولا يريدون الحديث معه، ليقول منهياً هذا السوأل بقوله: إن المالكي أراد تحقيق عمل بطولي لطائفته الشيعية بإعدام صدام يوم العيد، من دون أي اعتبار للأمور الأخرى جميعها، فكان تنفيذه في يوم العيد بحضور ١٤ شخص كلهم من اعدائه حزب الدعوى الشيعي، أما فيما يتعلق بالعبث بجثة صدام بعد الإعدام، حاول أن ينفي ذلك الأمر وقال إن من قام بذلك أبناء عمومته لثأر قديم بينهم، ولكنه قال في ختام هذه الجزئية أن رئيس عشيرة صدام استلم الجثة بعدها من منزل نوري المالكي، ليفوت المذيعة هنا أن تسأله عند هذه النقطة! من سلم الجثة لأعدائه لينتهكوا حرمة الميت؟  ولماذا ذهبت لبيت المالكي؟ عموما ذكرت وسائل إعلام أمريكية أن جثة صدام أرسلت لبيت المالكي ليرقص الجميع ويضحك بتشف وشماتة أمام جسد غاب عن هذه الحياة الدنيا.

 

نسلط الضوء على شخصية قانونية أخرى، المدعي العام (جعفر الموسوي)، في برنامج آخر ذكر أنه كان في الحج حين إعدام صدام حسين، وقبل الإعدام بيوم تلقى اتصال من عادل عبدالمهدي نائب رئيس الوزراء الذي طلب منه أن يبتعد عن كل من حوله ليتحدث معه في موضوع غاية في الأهمية، قال له: "الحجي" يريد أن يعدم صدام غدا، ما رأيك؟، ويقصد ب الحجي نوري المالكي رئيس الوزراء، يقول كانت إجابتي  لا يمكن القيام بهذا العمل لوجود حائلين قانونيين، الأول أنه يوم عيد والقانون يمنع تنفيذ حكم الإعدام في يوم عيد لدين المحكوم عليه بالإعدام، والثاني أن محكمة التمييز صادقت على القرار منذ ثلاثة أيام فقط، ويحظر القانون التنفيد إلا بمرور ثلاثين يوما بعد ذلك التصديق، يقول أغلق السماعة ثم عاود الاتصال ليقول لي أنه تواصل مع احد كبار أساتذة اللغة العربية في جامعة بغداد وأخبره أن كلمة بمرور تعني خلال، ضحك المذيع ليقول له ما دخل استاذ اللغة العربية في هذه القضية، ليقول الجعفري متهكماً: وأنا مثلك ولكني أخبرك بما حدث بالضبط. 

 

عوداً على بدء، ما حدث في محاكمة نورنبيرغ، وما حدث في محاكم بغداد أبعد ما يكون عن القانون، شريعة غاب بصورة رسمية، ليس دفاعاً عن صدام فلو كانت محاكمته عادلة ربما سيجد المصير نفسه لكن ليس وحده سوف يكون بجواره على منصة المشنقة الكثير من جلاديه الذي يتقلبون منعمين اليوم في قصور بغداد، لم تكن تلك المحاكمة ضد شخص أو مجموعة أفراد بل مرحلة دموية كان عنوانها الرئيسي تلك الأحداث. 

 

ختاماً صحيح أن محاكم نونبيرغ ومحاكم بغداد مليئة بقضاة ومحامين ومدعين عامين وكذلك مدعين بالحق المدني، ونقلت أحداثها للعالم عبر وسائل الإعلام، ولكن الغائب الوحيد فيها "القانون".


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق