مؤلف كتاب (اسرائيل التكوين، ترومان، واليهود الأمريكيون، واصول الصراع العربي الاسرائيلي) اليهودي (جون ب جوديس) بين سطور كتابه، يتحدث عن فكرة بالغة الأهمية تدل على أسلوب عمل قامت به الدول التي غيرت شكل جغرافية المنطقة في بداية القرن العشرين، أحاول من خلال هذه السطور توضيح أفكاره قدر الإمكان، بعد الحرب العالمية الأولى طُرحت فكرة "الانتداب" من قِبل السياسي الجنوب أفريقي (إيان سموتس)، ومضمونها أن من حق الدول المنتصرة إدارةالدول التي خرج منها العثمانيون، إلى حين قدرتها على إدارة نفسها.
رحّب الرئيس الأمريكي (ويلسون) بالفكرة، لكنه اقترح أن يكون الانتداب من خلال دول ليست لها أطماع استعمارية، ورشّح السويد على سبيل المثال، لكن بريطانيا وفرنسا تمسكتا بفكرة الانتداب وتولي تنفيذها، الإشكالية بالنسبة للبريطانيين أن هذه الفكرة تتعارض مع وعد بلفور، القاضي بإنشاء وطن قومي لليهود، لذلك أصرّوا على تضمين الإشارة إلى وعد بلفور في صك الانتداب على فلسطين.
وعلى ضوء تلك الأحداث المتسارعة، وُلد مشروع "سوريا الكبرى"، ذلك الكيان الذي كان من المفترض أن يضم سوريا ولبنان وشرق الأردن وفلسطين وجزءًا من العراق، وقد أصبح هناك رمز لذلك الحلم هو (الملك فيصل بن الشريف حسين)، والتفّ الجميع في جغرافيا مترامية الأطراف خلف ذلك الأمل، معتقدين بتحققه بعد نهاية الانتداب استنادًا إلى الوعد البريطاني بمنح العرب دولتهم القومية بعد الانتصار على العثمانيين بمساعدة العرب.
بلغ هذا الحلم ذروته بانعقاد أول مؤتمر سوري، حيث خرج مفتي القدس، (أمين الحسيني)، رافعًا صورة الملك فيصل، وهتف للجماهير: هذا هو ملككم.
كان ذلك مشهدًا مزعجًا لبريطانيا؛ أن تتجه أهم شخصية دينية مقدسية لمبايعة من يجلس على عرش دمشق، يعني تقاطع مشروع سوريا الكبرى مع مشروعهم الأهم: إقامة وطن قومي لليهود.
لذلك عملت بريطانيا، بمساعدة فرنسا، على تقويض هذا المشروع، وكتب وكيل وزارة الخارجية البريطاني، تشارلز هاردينغ، عام 1919 إلى المسؤول البريطاني في فلسطين: سيكون من الأفضل لنا عمومًا أن نقول إن فلسطين للفلسطينيين.
وطُلب من الفرنسيين اتباع النهج نفسه مع الدول الواقعة تحت سيطرتهم، وهكذا بدأت محاربة فكرة "سوريا الكبرى" بتشجيع نموالشعور القومي الجزئي.
ومن خلال أدوات إعلامية ووسائل أخرى، تم تمرير هذه الفكرة بذكاء، وظهر شعور قومي محصور بجغرافيا محدودة، حتى الوطنيين الفلسطينيين الذين كانوا ينادون بسوريا الكبرى انطلت عليهم الخطة، وبدؤوا يتحدثون عن "فلسطين عربية"، وتحوّلت لهجتهم في الإعلام، إذ أخذت الصحف تكتب إن القدس عاصمة فلسطين لا عاصمة سوريا، وعن فلسطين وأختها سورية، للتوضيح بجلاء للقاريء أنهما دولتان منفصلتان.
وتم تغيير اسم أهم صحيفة فلسطينية من "سوريا الجنوبية" إلى "فلسطين"، كما اتُّبعت الخطوات ذاتها في سوريا ولبنان والعراق.
وبعد هذا النجاح في تجزئة المجزأ، خطا البريطانيون خطوة أخرى، فخلعوا الملك فيصل رمز سوريا الكبرى، وأبعدوه عن الحكم في دمشق، ومنحوه دولة بعيدة هي العراق، ترضية له.
ثم بعد عامين، سلخوا شرق الأردن عن فلسطين، ونصّبوا عبد الله بن الحسين حاكمًا عليها، وهكذا، وبهذا ماتت فكرة سوريا الكبرى، وتحولت إلى واقع من خمس دول، ويُدفن إلى الأبد مصطلح سوريا الجنوبية، الذي كان يُقصد به فلسطين.
في رأيي الشخصي تلك الأفكار العبقرية بالتأكيد لم تكن وليدة شخص مهما بلغ من حدة ذكاءه، بل نتاج مؤسسات تنظر إلى الجغرافيا العربية كرقعة شطرنج، كان هناك عصف ذهني، ومكر ودهاء، ونقاش مستفيض حول الخطط ومدى إمكانية نجاحها وآثارها المستقبلية، للوصول إلى أفضل النتائج.
ولا تزال تلك الرقعة قائمة، ولا يزال لاعبها يخطط ويعصف ذهنه للوصول إلى نتائج ترضيه على حساب ساكن الأرض، ويضع الخطط تلو الخطط.
اليوم، نسمع مجددًا عن فكرة لتجزئة سوريا، وعن تغييرات جغرافية تطال المنطقة، وللأسف، نسمع ونرى، لكن لا ندرك ماذا يحدث حولنا، وليس هناك خطط وقائية، لأننا – كما يبدو – لم نأخذ من التاريخ عظة ولا عبرة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق