الأحد، 29 يونيو 2025

الفساد المقنن في العراق،،،، ٣٠ يونيو ٢٠٢٥

 عام 2014 حدثت سجالات قوية في البرلمان العراقي، سببها الاعتراضات على فساد رئيس الوزراء نوري المالكي وحاشيته، فقد توصلت لجنة مكافحة الفساد النيابية، من خلال تحقيقاتها، إلى أن الأموال المسروقة من ميزانية الدولة والمحولة إلى الخارج بلغت 200 مليار دولار، تم أخذها من خزينة الدولة وتحويلها دون أي سند شرعي يبرر ذلك.


‏في العام ذاته، انهار الجيش العراقي الذي كان يبلغ تعداده 350 ألف جندي، وخرج من المدن الكبرى، والغريب أن هزيمته جاءت أمام مجموعات من عشرة آلاف مقاتل من تنظيم داعش، فقد الجيش عددًا من المدن الكبيرة مثل الموصل، ما استدعى فتح تحقيق حول سبب تلك الهزيمة المُذلّة لجيش جرّار أمام مجموعة صغيرة من الأفراد لا يمتلكون سوى أسلحة خفيفة.


‏وعندما فتحت السجلات، كانت الأرقام تتحدث بوضوح:


‏الجيش منذ عام 2003، كلّف خزينة الدولة 42 مليار دولار، وتبيّن من خلال مراجعة الوثائق أن معظم تلك الأموال قد سُرقت، كما كُشف عن وجود خمسين ألف وظيفة وهمية، كانت رواتبها تُحوَّل إلى جيوب بعض المتنفذين في الحكومة.


‏ذلك الفساد لا يتعلق بالعراق ولكن ترتب عليه  أثر عابر للحدود؛ فقد وقعت آليات ومعدات الجيش في أيدي تنظيم داعش، وكذلك خزائن الموصل، حيث استولت الميليشيا على 400 مليون دولار نقدًا من بنوك المدينة، وبذلك أصبحت داعش أغنى تنظيم مسلح غير حكومي، ما انعكس بدوره على تغيّر المشهد حتى خارج العراق، حيث استخدمت داعش هذه المعدات والأموال لتوسيع نفوذها في المنطقة، أما فاتورة القضاء على داعش فهي فاتورة دفعتها 85 دولة تحالفت في سبيل تلك الغاية.


‏العراق بالنسبة للفاسدين "جزيرة الكنز"، والمزاج العام للفساد شجّع كثيرين على الانضمام لنادي الفاسدين، (داف أوليفر) الأميركي الذي عُيّن مسؤولًا عن رواتب الموظفين العراقيين في سلطة التحالف خلال فترة الاحتلال، شهد في عهده حدثًا غريبًا، وهو اختفاء 8.8 مليار دولار من الميزانية التي كان يشرف عليها، لم يُعرف حتى الآن أين ذهبت، والأغرب أن أحدًا لم يسأله عنها حتى كتابة هذه السطور، ولم يكن من أثار هذه القضية وسائل إعلام عراقية، بل كانت وسائل إعلام أجنبية، وحين سُئل عن تلك الأموال في لقاء مع قناة BBC، أجاب قائلًا:


‏ليست لدي أي فكرة. لا يمكنني أن أخبرك ما إذا كانت هذه الأموال قد صُرفت في الاتجاه الصحيح أم لا، كما أنني لا أعتقد أنها مهمة فعلًا.


‏فصُدم المذيع من رده، وقال باستغراب: ولكنها مليارات؟


‏فأجابه أوليفر مقاطعًا:


‏“نعم، من أموالهم. اختفت مليارات الدولارات من أموالهم، أفهم ذلك، لكن ما الفرق الذي سيحدثه ذلك؟  


‏إيران، بعد دخولها العراق وتأثيرها في المشهد منذ عام 2003، كانت أمام خيارين:


‏إما دعم دولة مدنية تعتمد على الكفاءة وتعزز التنافس الحزبي لخدمة العراقيين، وتشجيع اجراء انتخابات حقيقية تأتي بقيادات وطنية تنظر  لمصلحة العراق، أو دعم أفراد بالولاء لا بالكفاءة، لضمان تمرير مصالحها.


‏وقد اختارت طهران الخيار الثاني، لترسيخ نفوذها من طهران إلى بغداد، فدمشق، ثم بيروت وصنعاء.


‏وليس بغريب  أن كل هذا النفوذ تلاشى خلال شهرين فقط.


‏فالاعتماد على الفاسدين هو في حقيقته قصر شامخ بأعمدة من رمال؛

‏لا دولة ولا حضارة ولا إنجاز، يقوم على معادلة الولاء والفساد، والدليل أنه حين كانت طهران تُقصف بالطائرات، كان ربائب نعمتها يتابعون المشهد من شققهم الفاخرة في لندن وباريس، ولم يحرّكوا ساكنًا، حتى بالتصريح، لقد طُبّقت عليهم المعادلة، من يستفيد من بيئة الفساد لن يضحي بها، حتى من أجل من وهبه إياها.

الأربعاء، 25 يونيو 2025

الخليج

 منذ ثلاثينيات القرن الماضي، بدأ تدفّق النفط في منطقة الخليج، معلنًا تحولًا تاريخيًا غير مسبوق في طبيعة الحياة وبنية المجتمع، ظهر البترول في مناطق لم تكن تحظى لا بتعليم ولا بحضارة مدنية، في بيئة قاحلة وصحارى مترامية، وبين أناس بسطاء لم يعرفوا رفاهية العيش أو تعقيدات العمران، لكن ما حدث لاحقًا كان أشبه بالمعجزة.


‏تحوّلت تلك الصحارى إلى مدن تضاهي أشهر مدن العالم، وباتت مقصدًا وحلمًا لمن يسكن على ضفاف الأنهار والسهول الخصبة، نشأت الجامعات، وتقدّمت في التصنيفات العالمية، وأصبح من الطبيعي أن ترى أستاذًا جامعيًا أو باحثًا متميزًا تلقّى تعليمه في أرقى جامعات الغرب، وهو ابن رجل وامرأة بالكاد يعرفان القراءة.


‏هذا التحول لم يلغِ القيم، بل ثبتها، ففي خضم الطفرة الاقتصادية والاجتماعية، ظل أهل الخليج على عهدهم في التعاضد مع إخوانهم في المناطق المنكوبة من العالم الإسلامي، في كل بقعة يوجد فيها مسلم، وكان ذلك وفاءً لا مَنًّا، وشكرًا لا تفضّلًا، لله الذي أنعم عليهم بفضله وهم بلا حول ولا قوة.


‏ورغم هذه الصورة، لا تغيب أصوات نشاز، تخرج من بين الظلال، لتشكّك في كل ما تحقق، وتغرس في العقول أوهام الاستحقاق والعداء، أصوات لا تكتفي بالتقليل من نعمة الله، بل تتمنى زوالها، وتفرح بكل ما يصيب الخليج من ضرر، وتلبس أمانيها أثواب التحليل، وتدسها في مقالات باردة لا تخفى نواياها.


‏المفارقة أن بعض هذه الأصوات استفاد من التنمية الخليجية، ويعيش في أماكن مرموقة بفضل هذا الواقع، لكنه يسخّر قلمه لمدح أنظمة استخدمت الأسلحة الكيميائية والبراميل المتفجرة ضد المدنيين الأبرياء، يتغنّى بأنظمة قمعية زائفة، ولو خُيّر بين العيش بينها أو في الخليج لرفضها من فوره.


‏أكثر من ذلك، فإن هذه الأصوات تنتقد ثروة الخليج دون أن تطرح سؤالاً مبدئيًا: لماذا لم تُطرح نفس الدعوات مثلاً لثروة عراق صدام أو ليبيا القذافي؟ كلاهما كان يملك احتياطيًا نفطيًا يعادل أو يزيد عن بعض دول الخليج، ومع ذلك ذهبت الأموال هناك لبناء السجون وتمويل الحروب، لا للإنسان، لم نسمع آنذاك من يقول "بترول العراق للعرب" أو "بترول ليبيا للعرب"، وحده الخليج مطالب بأن يُسخّر خيره لهم دون حق أو معيار.


‏لكن، تبقى العقلية الخليجية أكبر من هذه الصغائر، فالغالبية تتعامل معها بصمت الحكمة، مدركة أن صوت الامتنان الحقيقي أقوى، وأن من يقدّر دور الخليج هم كثر، وهم الصوت الذي يُبنى عليه.


‏أتذكّر هنا موقفًا تاريخيًا للراحل عبدالعزيز الصقر، رئيس مجلس الأمة الكويتي، رحمه الله، حين قال في مؤتمر جدة قبل تحرير الكويت بثبات: " لا نحمّل الشعوب جريرة الحكام.

‏ كان ذلك في لحظة خذلت فيها بعض الحكومات الكويت و الخليج رغم أيادٍ سابقة ممدودة، ولكن الموقف تجلّى في أرقى صور النُبل الخليجي والانتماء الإنساني.


‏الخليجي الإنسان، تراه حاضرًا في قرى نائية بالهند، أو في أرياف الفلبين، أو فوق جبال أفغانستان، أو في بيت بسيط عُمّر برزقٍ ساقه الله ثم ببركة النفط الخليجي، تراه في دمعة صادقة سقطت من أعين لم تنام ليلها فرحه بانتهاء معاناة السوريين بعد عقود من التسلط.


‏ختامًا، الحمد لله على نعمةٍ ما كنا لنبلغها بحولنا ولا قوتنا، وإنما بكرمه وفضله، ونسأله أن يبقى الخليج منبع خيرٍ، لا يعرف الحدود، وموطن ألفة لا تعرف الفرقة، وأن يديم علينا نعمة الدين والأمان ونقاء القلوب.

الاثنين، 23 يونيو 2025

صباح نهاية الحرب الأمريكية الاسرائيلية الإيرانية، ٢٤ يونيو ٢٠٢٥

 بهذه النهاية المتوقعة للحرب كتبت وجهة نظر بسيطة عن أحداثها، حرب عبثية بدأت في طهران وانتهت في عاصمتي التي احبها الدوحة، كل ما حدث سوف يدون في التاريخ، رحم الله دكتوري عادل غنيم أتذكر في أول محاضرة له معنا، قال بصوته الهاديء الجميل: اعظم معلم في الوجود التاريخ، مدونتي:


‏الجيوش وحدها ليست كافية لبناء الدول، بل يجب أن تعاضدها إدارة رشيدة، لأنها هي التي تصنع الفارق بين الصعود والانهيار، الطموح العسكري أمرٌ مشروع، لكن حين لا يُبنى على مشروع إداري حقيقي يتحوّل إلى عبء يمكن أن ينهار في أي لحظة، ولعل أقرب نموذج لهذه الحالة إيران وكوريا الشمالية؛ دولتان تمتلكان من الموارد البشرية والثروات ما يكفي لتكونا ضمن القوى الاقتصادية المؤثرة عالميًا، بإمكانات تفوق اليابان وكوريا الجنوبيه، لكن الفرق الجوهري يكمن في مدنية الدولة، وفي استثمار تلك الموارد لبناء الإنسان لا تسليحه فقط.

‏ 

‏في الأنظمة الشمولية، حيث تحتكر قلة من الحاكمين السلطة بلا رؤية تنموية، تنشأ فجوة سحيقة بين الواقع والطموح، الأنظمة التي لا تملك مشروعًا إداريًا بوزن مشروعها السياسي تضطر إلى ملء الفراغ بمشروع عداء خارجي، وتوهم شعوبها أن ما تواجهه هو "خطر وجودي"، وأن السلطة هي حصن الوطن الوحيد، وتقترن هذه الدعاية بجهاز أمني داخلي مفرط في القوة، تُخلق حالة خوف اجتماعي تصل إلى اعتقاد الناس أن أجهزة الدولة تسمع حتى خلجات النفس.

‏ 

‏ورغم ما في هذه المعادلة من صلابة ظاهرية، إلا أن هشاشتها تظهر عند أول اختبار، الضربة الإسرائيلية الأخيرة في قلب طهران لم تكن عاصفة، بل نسمة خفيفة، ولعل اقرب مثال على ذلك الصورة الشهيرة حين اخترقت قنبلة حائط الطابق الثالث في عمارة من ثمانية طوابق، لتنهي حياة عالم ذرة أو مسؤول رفيع في غرفة نومه، هذه الحادثة ببساطتها كشفت هشاشة النظام، وأظهرت مجددًا الفارق الكبير بين ما يدّعيه النظام وما يمتلكه فعليًا، وبينت بوضوح المسافة بين الإنسان والدولة في إيران، وبين الطموح والواقع، فجوة أصبحت مكشوفة حتى للداخل الإيراني نفسه.

‏ 

‏النظام يدرك أنه مهزوم، لا بسبب إسرائيل ولا أميركا، بل لأن جذور الهشاشة في داخله، فكم من أسوار عظيمة في التاريخ سقطت ليس بالجيوش الكبيرة، وأشهر مثال سور الصين العظيم أعجز الجيوش الجراره ولكن مبلغ زهيد لحارسه أنهى الصين نظاماً وشعباً، إيران لا تنقصها الموارد، بل تنقصها الثقة في إنسانها، والرغبة في بناء دولة حقيقية متوازنه، ومهما حاولت بعد هذه الهزائم أن تروّج لانتصار وهمي، فإن الرياح ليست في صالح سفن النظام.

‏ 

‏لقد خسرت إيران كثيرًا: من كوادر الحرس الثوري، ومن استقرار المشروع النووي، ومن هيبة الدولة داخليًا، وقد يأتي التغيير من الداخل، حين يفوق وعي الناس وجرأتهم حجم الخطاب الموجّه إليهم، سيفيق الإيرانيون على أسئلة مؤرقة لن تجد لها القيادة إجابة مقنعة:


‏·       ما هو كشف حساب خمسين سنة من السياسات والمغامرات؟

‏·       لماذا فشل مشروعنا الإقليمي رغم كل ما استُثمر فيه؟، ولماذا خذلتنا أذرعنا؟

‏·       كم كانت فاتورة مشروعنا النووي، وما مصيره؟

‏·       والأهم: ما خطّتكم لإعادة الإنسان إلى الحياة من جديد؟

‏ 

‏وأغرب مشهد في هذه الحرب أن الرئيس الإيراني كان غائبًا تمامًا، لم يظهر، ولم يُذكر، وكأنّه لم يكن جزءًا من الدولة التي تُستهدف، حتى في نظر الأعداء، لم يكن ضمن الأهداف، إنها مفارقة تُجسّد مدى أداراك الجميع حتى الاعداء  الفرق بين الحقيقة ونقيضه.

‏ 

‏ومع كل ذلك، يبقى الشعب الإيراني شعبًا طيّبًا، عظيم الإمكانيات، جميل الجغرافيا، يستحق الأفضل، ولو وُجدت إدارة حكيمة، تخرج من الماضي وتختار منه المفيد، وتبني على أنقاضه الصالحه المستقبل، بذلك تتحول إيران إلى كيان رائد في المنطقة، لا مجرد هيكل ضخم خاوٍ من الداخل.

‏ 

‏نسأل الله السلامة للجميع، وسلامتكم.

الاثنين، 16 يونيو 2025

مدونة عن بداية الحرب بين إيران و إسرائيل،،،

 الحرب التي شاهدناها صباح اليوم فريدة من نوعها، وتحدث لأول مرة بين دولتين، إسرائيل خاضت حربها اليوم بأسلوب "سائق الطلبات"، يعرف عنوان الوجهة بدقة، في عملية عسكرية دقيقة للغاية، بأهداف منتقاة لا يخطئها الطيار، والحصيلة مجموعة من أهم القيادات الإيرانية.


‏الرسالة المبطّنة التي أُرسلت: نحن نعرف عنكم كل شيء، ومن نجا فهو في قائمة الانتظار، لم يحن دوره بعد. 


‏أسوأ ما قد تواجهه الدول هو خوض حرب بوجود طابور خامس داخلها؛ مجموعات تزوّد العدو بكل التفاصيل الدقيقة، العراق خاض الحرب عام 2003، ولم يسقط مسؤول واحد، ولم يتسرّب شيء من الدائرة التي كانت تملك القرار.


‏نحن أمام دولة نمر من ورق، عاشت على آلة القتل ضد شعوب مدنية مجرّدة من السلاح، ورفعت شعارات جوفاء لاستقطاب مجموعات عاطفية.


‏حتى الأمس، كنت أظن أن الحرب ستكون صعبة إن قررت إسرائيل خوضها، لكن مع أول ساعة، تبيّن أنها تمارس مناورة سهلة جداً، عناوين الشخصيات المستهدفة دقيقة، والأهداف لا يقف أمامها أي عائق.


‏في هذا الدرس من دروس الحروب، قبل أن تفكر في طموح نووي، عليك أن تملك مشروعًا إنسانيًّا، تلك القيود التي فرضها أهل العمائم على مجتمعهم، والموت الذي صدّروه للآخرين، أدّى إلى تصدّع كبير داخل مجتمعهم والمجتمعات الأخرى، وأصبح أبناء جلدتهم يتزاحمون أمام أبواب أعدائهم لتزويدهم بالمعلومات، ربما مقابل مكاسب بسيطة، كوعود بالهجرة إلى إحدى مدن الغرب بعد أن وُئدت أحلامهم في أوطانهم.


‏وعند ربط الأحداث، أستحضر مشهد خروج الشعب التركي المدني، وإلقاء نفسه أمام جنازير الدبابات لحماية مشروع الدولة المدنية من جيشهم الوطني، بالتأكيد، لا يمكن لمثل هؤلاء أن يتعاونوا مع أعداء دولتهم.


‏فما الفرق يا تُرى؟

‏الجواب باختصار: هو شعورهم بإنسانيتهم، وبأن لهم قيمة حقيقية في وطنهم.


‏إسرائيل، إذًا، مشكلتها المستقبلية ليست في من يمتلك القوة العسكرية، بل في من يضع خارطة طريق لمشروع مدني سياسي يلتفّ حوله الجميع لصالح الدولة، في تلك اللحظة فقط، ستشعر إسرائيل بكثير من القلق… لأنه خوف وجودي حقيقي.

الحرس الثوري ميزان التوازن لمنظومة الحكم في إيران

 في مراقبتنا الدقيقة للمشهد الإيراني، لا يمكن إغفال دور مؤسسة "الحرس الثوري"، التي تُعدّ بحق عمود الخيمة للنظام الإيراني، فقد تأسس الحرس الثوري في الأيام الأولى للثورة الإيرانية بقرار من قبل قائد الثورة الخميني، بعد وصول الثوار  إلى السلطة، وكانت فكرة إنشاء كيان عسكري موازٍ للجيش الرسمي في تلك المرحلة فكرة متقدمة ومتطورة بمقاييس ذلك العصر.


‏أدرك الخميني، عقب انتصاره، خطورة تغلغل عناصر النظام السابق داخل الجيش التقليدي، فاختار أن ينشئ قوة جديدة تكون ولاءاتها للثورة والمرشد، لا للدولة العميقة، ومن هنا وُلد الحرس الثوري، كيانًا عسكريًا وأمنيًا واستخباراتيًا، يضم قطاعات برية وبحرية وجوية، وله جهاز استخبارات خاص، لكن الأهم من كل ذلك أن الحرس الثوري مستقل في قراراته عن الجيش الرسمي (وزارة الدفاع)، ويتبع مباشرة المرشد الأعلى، ويُعد أداته التنفيذية الأهم، وموضع اعتماده في الأحداث الكبرى.


‏حادثة شهيرة تروي وتدل بوضوح مدى استقلالية هذه المؤسسة، حتى عن رأس السلطة التنفيذية، ففي أعقاب أحداث 11 سبتمبر، ومع الغموض الذي خيّم على المشهد الدولي في الساعات الأولى على شخصية مرتكبي العمل، اجتمع الرئيس الإيراني آنذاك، محمد خاتمي، مع قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية، ومن بينهم قادة الحرس الثوري، طرح عليهم سؤالًا واحدًا، طالبًا إجابة واضحة وسريعة حتى تستطيع الدولة بناء قرارها:


‏“هل هذه العملية من تنفيذ مجموعات على ارتباط بنا؟”


‏هذا السؤال، في حقيقته، لم يكن موجهًا لأحد سوى للحرس الثوري، وكان غياب تلك المعلومة عن رئيس الجمهورية نفسه دليلًا قاطعًا على مدى استقلالية الحرس، وقدرته على تنفيذ عمليات كبرى دون علم القيادة الرسمية، أو حتى الرقابة المالية والعسكرية التقليدية.


‏يبلغ عدد ضباط وجنود الحرس الثوري أكثر من 100 ألف عنصر، ويمتلك ترسانة ضخمة من السلاح، إضافة إلى أذرع اقتصادية وإعلامية، إنه، ببساطة، ميزان الرمانة للنظام في إيران، ولهذا فإن أي تفكير بانقلاب داخلي أو تغيير مفاجئ في بنية السلطة، يصطدم مباشرة بوجود هذه المؤسسة، وقد نجحت في عدة مرات في اجهاض مظاهرات لاسقاط النظام.


‏اللافت أن هذه الأمر  ليست حكرًا على إيران، فقد تبنّى الرئيس العراقي السابق صدام حسين، استراتيجية مشابهة تقريبا، حين أنشأ الحرس الجمهوري، وميّزه عن الجيش النظامي، ووزّع النفوذ بين القطاعات العسكرية بعناية لضمان استقرار سلطته، ولهذا لم يكن مبالغًا حين قال في محاكمته للقاضي الذي يحاكمه: والله، لولا الأمريكان، لا أنت ولا أبوك تجيبني في مكان مثل هذا.


‏كان على حق، فالانقلاب على السلطة في بغداد، كما هو في طهران، كان شبه مستحيل من الداخل، ولا تتغير سلطته إلا بغزو خارجي.


‏عودًا على بدء، حين يغيب الحرس الثوري عن المشهد، أو يشهد ارتباكًا داخليًا، حينها فقط، قد يكون النظام الإيراني على موعد مع تغيير سياسي جوهري، وحتى ذلك الحين، سيظل الحرس الثوري هو الرقيب والحامي، واليد التي تُمسك بمفاصل الدولة العميقة في إيران من أي طامع داخلي للسلطة.

الحرب بين إيران وإسرائيل

 الحسين رضي الله عنه، في طريقه إلى العراق قابل الفرزدق، وسأله عن حال أهل العراق وموقفهم من قضيته، فأجابه الشاعر الفصيح: القلوب معك، وسيوفهم مع اعداءك بني أمية.

‏ 

‏هذه الحادثة، رغم قلة مفرداتها تُعدّ من أهم الدروس السياسية التي يجب أن نستوعبها جيدًا؛ فلغة العواطف لا يُعوّل عليها، ويجب أن ننصت بعناية إلى لغة  "اتجاه السيف" (المصالح). 

‏ 

‏ما دعاني لكتابة هذه السطور، هو سلسلة تغريدات أطلقها عدد من المؤثرين، يحذّرون فيها من الانحياز إلى هذا الطرف أو ذاك في الحرب المشتعلة حاليًا، يأتي هذا الإرباك الفكري في ظل غياب مشروع استراتيجي متكامل، يجمع سياسات دول المنطقة، الواقعة على الجانب الآخر من الحرب، دولٌ على مرمى حجر من الصراع تشاهد شعوبها وميض القتال بوضوح، لكنها بلا مشروع مشترك مبني على قراءة للواقع ويهدف إلى المصلحة الحقيقية، حربٌ قد تبدو عبثية في ظاهرها، لكنها سوف تفرض سياسات وقواعد جديدة للمنطقة ربما لعقود مقبلة، أن لم تتوحد في هذا الحدث فلن يوحدها شيئاً.

‏ 

‏ورغم كل تحفظي على نظام إيران وما فعله في المنطقة، إلا أنها قانونيًا، تُعد طرفًا مُعتدى عليه، فقد تجاوزت إسرائيل كل الأعراف والهيئات الدولية في حربها هذه، حين أقدمت عليها، وأدارت ظهرها لاتفاقيات دولية ملزمه مثل اتفاقية جنيف، عبر استهداف نقاط مدنية، كالتلفزيون مثلاً.

‏ 

‏لكن، لنفكر بهدوء، وبعيدًا عن الانطباعات المسبقة أو ساحة المعركة، خطورة ما جرى في إيران، إن نجح سيكون سابقة تهدد الجميع؛ باختصار: إنها عصا "إسرائيلية–أمريكية" مرفوعة فوق رؤوس دول المنطقة، عصا يدرك كل من يواجهها أنها ستُهوى عليه بقسوة، إن خرج عن الخط المرسوم له، ودول المنطقة للأسف، متفرّقة في رؤاها للمصلحة، رغم امتدادها الجغرافي الواحد، ورغم القواسم المشتركة الكثيرة، لكن القلوب شتى، لذا، وبهذه المعطيات، فإن السنوات التي تلي هذه الحرب لن تكون كسابقاتها.

‏ 

‏إيران وإسرائيل، رغم عدائهما الظاهر، تجمعهما قواسم مشتركة، كلاهما يقع في محيط عدائي، وكلاهما يحمل مشروعًا توسعيًا بطابع استعماري، ولكليهما تاريخ أسود في ارتكاب مجازر بحق شعوب المنطقة، الاثنتان تروّجان للديمقراطية وتداول السلطة ظاهريًا، لكن باطن الأمر تسلّط واضح و"الأنا" المتجذّرة طائفية أو دينية.


‏وفي الماضي تقاطعت مصالحهما في ملفات حساسة، مثل احتلال العراق؛ حيث حرضت إسرائيل، وجنت إيران الحصاد.

‏ 

‏لهذا نحن اليوم أمام لحظة تاريخية غريبة جدًا، يصعب تصنيفها بلون واحد أو موقف واحد، لذا أجد أن الدعوات التي تحث الشعوب على اتخاذ موقف من هذه الحرب هي دعوات يُجانبها الصواب، تعاطف الشعوب مع طرف دون آخر لن يغيّر شيئًا في المعادلة، فالمسألة أعقد من ذلك بكثير، ومع زخم التصريحات والمقالات والأفكار، يبدو أن الغائب الوحيد هو الفكرة النابعة من المصلحة الحقيقية، أو من لغة "اتجاه السيف" كما في قصة الحسين.

‏ 

‏هذا الأمر لا بد أن يكون نتاج عصر فكري جاد، ونقاشات مستفيضة، تساهم فيها مراكز الدراسات، التي تزخر بها جامعاتنا ومؤسساتنا البحثية في دول المنطقة.

‏ 

‏السؤال الحقيقي الذي يجب طرحه اليوم يجب أن يُوجَّه إلى إدارات الدول:

‏ما هي الخطة الاستراتيجية المتفق عليها للخروج من هذه الورطة؟

‏كيف يمكننا تجاوز هذه "الرمال المتحركة السياسية" بسيارة لا تملك "دفعًا رباعيًّا"؟

‏الإجابة مهمة لان القضية وجودية، ولا أقصد فقط في الشكل السياسي، بل في الاقتصاد والمجتمع أيضًا.

‏ 

‏ختامًا، لا يبني الأوطان ويحميها إلا "اتجاه السيف"، أما العواطف، فكثيرًا ما ساهمت في دمار الأوطان.

‏وسلامتكم.