عام 2014 حدثت سجالات قوية في البرلمان العراقي، سببها الاعتراضات على فساد رئيس الوزراء نوري المالكي وحاشيته، فقد توصلت لجنة مكافحة الفساد النيابية، من خلال تحقيقاتها، إلى أن الأموال المسروقة من ميزانية الدولة والمحولة إلى الخارج بلغت 200 مليار دولار، تم أخذها من خزينة الدولة وتحويلها دون أي سند شرعي يبرر ذلك.
في العام ذاته، انهار الجيش العراقي الذي كان يبلغ تعداده 350 ألف جندي، وخرج من المدن الكبرى، والغريب أن هزيمته جاءت أمام مجموعات من عشرة آلاف مقاتل من تنظيم داعش، فقد الجيش عددًا من المدن الكبيرة مثل الموصل، ما استدعى فتح تحقيق حول سبب تلك الهزيمة المُذلّة لجيش جرّار أمام مجموعة صغيرة من الأفراد لا يمتلكون سوى أسلحة خفيفة.
وعندما فتحت السجلات، كانت الأرقام تتحدث بوضوح:
الجيش منذ عام 2003، كلّف خزينة الدولة 42 مليار دولار، وتبيّن من خلال مراجعة الوثائق أن معظم تلك الأموال قد سُرقت، كما كُشف عن وجود خمسين ألف وظيفة وهمية، كانت رواتبها تُحوَّل إلى جيوب بعض المتنفذين في الحكومة.
ذلك الفساد لا يتعلق بالعراق ولكن ترتب عليه أثر عابر للحدود؛ فقد وقعت آليات ومعدات الجيش في أيدي تنظيم داعش، وكذلك خزائن الموصل، حيث استولت الميليشيا على 400 مليون دولار نقدًا من بنوك المدينة، وبذلك أصبحت داعش أغنى تنظيم مسلح غير حكومي، ما انعكس بدوره على تغيّر المشهد حتى خارج العراق، حيث استخدمت داعش هذه المعدات والأموال لتوسيع نفوذها في المنطقة، أما فاتورة القضاء على داعش فهي فاتورة دفعتها 85 دولة تحالفت في سبيل تلك الغاية.
العراق بالنسبة للفاسدين "جزيرة الكنز"، والمزاج العام للفساد شجّع كثيرين على الانضمام لنادي الفاسدين، (داف أوليفر) الأميركي الذي عُيّن مسؤولًا عن رواتب الموظفين العراقيين في سلطة التحالف خلال فترة الاحتلال، شهد في عهده حدثًا غريبًا، وهو اختفاء 8.8 مليار دولار من الميزانية التي كان يشرف عليها، لم يُعرف حتى الآن أين ذهبت، والأغرب أن أحدًا لم يسأله عنها حتى كتابة هذه السطور، ولم يكن من أثار هذه القضية وسائل إعلام عراقية، بل كانت وسائل إعلام أجنبية، وحين سُئل عن تلك الأموال في لقاء مع قناة BBC، أجاب قائلًا:
ليست لدي أي فكرة. لا يمكنني أن أخبرك ما إذا كانت هذه الأموال قد صُرفت في الاتجاه الصحيح أم لا، كما أنني لا أعتقد أنها مهمة فعلًا.
فصُدم المذيع من رده، وقال باستغراب: ولكنها مليارات؟
فأجابه أوليفر مقاطعًا:
“نعم، من أموالهم. اختفت مليارات الدولارات من أموالهم، أفهم ذلك، لكن ما الفرق الذي سيحدثه ذلك؟
إيران، بعد دخولها العراق وتأثيرها في المشهد منذ عام 2003، كانت أمام خيارين:
إما دعم دولة مدنية تعتمد على الكفاءة وتعزز التنافس الحزبي لخدمة العراقيين، وتشجيع اجراء انتخابات حقيقية تأتي بقيادات وطنية تنظر لمصلحة العراق، أو دعم أفراد بالولاء لا بالكفاءة، لضمان تمرير مصالحها.
وقد اختارت طهران الخيار الثاني، لترسيخ نفوذها من طهران إلى بغداد، فدمشق، ثم بيروت وصنعاء.
وليس بغريب أن كل هذا النفوذ تلاشى خلال شهرين فقط.
فالاعتماد على الفاسدين هو في حقيقته قصر شامخ بأعمدة من رمال؛
لا دولة ولا حضارة ولا إنجاز، يقوم على معادلة الولاء والفساد، والدليل أنه حين كانت طهران تُقصف بالطائرات، كان ربائب نعمتها يتابعون المشهد من شققهم الفاخرة في لندن وباريس، ولم يحرّكوا ساكنًا، حتى بالتصريح، لقد طُبّقت عليهم المعادلة، من يستفيد من بيئة الفساد لن يضحي بها، حتى من أجل من وهبه إياها.