في مراقبتنا الدقيقة للمشهد الإيراني، لا يمكن إغفال دور مؤسسة "الحرس الثوري"، التي تُعدّ بحق عمود الخيمة للنظام الإيراني، فقد تأسس الحرس الثوري في الأيام الأولى للثورة الإيرانية بقرار من قبل قائد الثورة الخميني، بعد وصول الثوار إلى السلطة، وكانت فكرة إنشاء كيان عسكري موازٍ للجيش الرسمي في تلك المرحلة فكرة متقدمة ومتطورة بمقاييس ذلك العصر.
أدرك الخميني، عقب انتصاره، خطورة تغلغل عناصر النظام السابق داخل الجيش التقليدي، فاختار أن ينشئ قوة جديدة تكون ولاءاتها للثورة والمرشد، لا للدولة العميقة، ومن هنا وُلد الحرس الثوري، كيانًا عسكريًا وأمنيًا واستخباراتيًا، يضم قطاعات برية وبحرية وجوية، وله جهاز استخبارات خاص، لكن الأهم من كل ذلك أن الحرس الثوري مستقل في قراراته عن الجيش الرسمي (وزارة الدفاع)، ويتبع مباشرة المرشد الأعلى، ويُعد أداته التنفيذية الأهم، وموضع اعتماده في الأحداث الكبرى.
حادثة شهيرة تروي وتدل بوضوح مدى استقلالية هذه المؤسسة، حتى عن رأس السلطة التنفيذية، ففي أعقاب أحداث 11 سبتمبر، ومع الغموض الذي خيّم على المشهد الدولي في الساعات الأولى على شخصية مرتكبي العمل، اجتمع الرئيس الإيراني آنذاك، محمد خاتمي، مع قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية، ومن بينهم قادة الحرس الثوري، طرح عليهم سؤالًا واحدًا، طالبًا إجابة واضحة وسريعة حتى تستطيع الدولة بناء قرارها:
“هل هذه العملية من تنفيذ مجموعات على ارتباط بنا؟”
هذا السؤال، في حقيقته، لم يكن موجهًا لأحد سوى للحرس الثوري، وكان غياب تلك المعلومة عن رئيس الجمهورية نفسه دليلًا قاطعًا على مدى استقلالية الحرس، وقدرته على تنفيذ عمليات كبرى دون علم القيادة الرسمية، أو حتى الرقابة المالية والعسكرية التقليدية.
يبلغ عدد ضباط وجنود الحرس الثوري أكثر من 100 ألف عنصر، ويمتلك ترسانة ضخمة من السلاح، إضافة إلى أذرع اقتصادية وإعلامية، إنه، ببساطة، ميزان الرمانة للنظام في إيران، ولهذا فإن أي تفكير بانقلاب داخلي أو تغيير مفاجئ في بنية السلطة، يصطدم مباشرة بوجود هذه المؤسسة، وقد نجحت في عدة مرات في اجهاض مظاهرات لاسقاط النظام.
اللافت أن هذه الأمر ليست حكرًا على إيران، فقد تبنّى الرئيس العراقي السابق صدام حسين، استراتيجية مشابهة تقريبا، حين أنشأ الحرس الجمهوري، وميّزه عن الجيش النظامي، ووزّع النفوذ بين القطاعات العسكرية بعناية لضمان استقرار سلطته، ولهذا لم يكن مبالغًا حين قال في محاكمته للقاضي الذي يحاكمه: والله، لولا الأمريكان، لا أنت ولا أبوك تجيبني في مكان مثل هذا.
كان على حق، فالانقلاب على السلطة في بغداد، كما هو في طهران، كان شبه مستحيل من الداخل، ولا تتغير سلطته إلا بغزو خارجي.
عودًا على بدء، حين يغيب الحرس الثوري عن المشهد، أو يشهد ارتباكًا داخليًا، حينها فقط، قد يكون النظام الإيراني على موعد مع تغيير سياسي جوهري، وحتى ذلك الحين، سيظل الحرس الثوري هو الرقيب والحامي، واليد التي تُمسك بمفاصل الدولة العميقة في إيران من أي طامع داخلي للسلطة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق