أنهيتُ كتاب «بالروح بالدم: الناصرية ومواريثها» للكاتب (آليكس راول)، كتاب ليس سردًا لسيرة بقدر ما هو تحليل لحالة غيّرت كثيرًا من الشرق الأوسط، وبقي تأثيرها حتى يومنا هذا، وقد استعان في كتابه بالكثير من المذكرات والمدونات واللقاءات الشخصية.
بدأ بمصر وتأثير التجربة الناصرية عليها، ثم العراق، وبعدها سوريا ولبنان والأردن، ليعود إلى مصر ويختم بليبيا، تحدث بكثير من التفاصيل عن تلك التجربة وكيف غيّرت الكثير، وأزاحت شخصيات لتحل محلها أخرى، وكيف أن البعد الشخصي والعاطفة كانا مؤثرين كبيرين في السياسة في عالمنا العربي.
فيما يتعلق بمصر، شرع الكتاب بسيرة ذاتية لبطلها جمال عبد الناصر، وهو ابن لأسرة بسيطة، والده موظف في البريد، جاء من الصعيد ليلتحق بالجيش، ولعل في سيرته جانبًا مهمًا ورد في كتابه فلسفة الثورة، حيث آمن بأسلوب تصفية الملك وحاشيته، لذا يقول المؤلف إن القتل من صلب عقيدته، وهو إسقاط ذكي لتتابع الأحداث في الكتاب، إذ أصبح إنهاء الخصوم جزءًا من عقيدة النظام الثوري.
عن دوره في انقلاب 1952، سُمّي في بدايته بالحركة التصحيحية أو حركة الجيش، ليُغيَّر الاسم بعد ستة أشهر إلى «الثورة»، لسببين: أولهما إكساب قراراتهم الصفة الثورية لتجاوز القانون، والثاني أن من يعارضهم يصبح عدوًّا للثورة.
يتحدث بعدها عن حرب عام 1956 وكيف ساهمت في صنع عبد الناصر، حيث اكتسب قاعدة شعبية كبيرة في مصر والعالم العربي، وقدّم إعلامه أنه انتصر على ثلاثة جيوش، يقول المؤلف: حين ننظر إلى تلك المسألة فإنها من ضربات الحظ الكبرى، إذ إن ما حدث باختصار أن الجيش المصري خسر في أقل من أسبوع واحتُلّت سيناء، وبما أن الحرب جرت دون علم الولايات المتحدة الأمريكية، فقد تدخل الرئيس الأمريكي أيزنهاور وأجبر المعتدين على الانسحاب، استغل عبد الناصر ذلك الزخم الشعبي ليزيد قبضته على مفاصل السلطة، وينشئ أجهزة أمنية ومعتقلات لكل من يخرج عن نصّه المكتوب، لتبرز شخصيات دموية منها مثلاً صلاح نصر.
ثم يسلط الضوء على العراق، المملكة ذات التأثير المهم في المحيط العربي، مشيرًا إلى غيرة عبد الناصر تجاه نوري السعيد، لأسباب أهمها تاريخ نوري الطويل بالمقارنة مع شاب قليل الخبرة مثل عبد الناصر، والنظرة المتعالية من نوري نحوه، والقشة التي أظهرت العداء كانت رفض نوري طلبًا من عبد الناصر بعدم انضمام العراق لحلف بغداد، فقال لمبعوثه بكل لباقة: «إنني لا أتلقى أوامري منه»، الأمر الذي ولّد إصرارًا لدى عبد الناصر لإسقاط الحكم الملكي في العراق، نجح في ذلك بالتعاون مع عبد الكريم قاسم، وأرسل معدات عسكرية لدعم الانقلاب، وأطلق العنان لتصريحات تدل على فرحه الكبير بما حدث، ولم ينس أن يذكر خصمه نوري وكيف حاول الهرب متنكرًا بعباءة امرأة.
عاش العراق بعدها مرحلة عدم توازن، وحدثت فيه ثلاثة انقلابات ناجحة وخمسة فاشلة، فضلًا عن تصفيات كثيرة للقيادات، النقطة المهمة أن للمخابرات المصرية دورًا كبيرًا في تلك الأحداث.
ثم ينتقل الكاتب إلى سوريا، هناك شخصية محورية ذُكرت في عدة مواضع، بصورة جلاد يرتدي بدلة أنيقة، هو عبد الحميد السراج، أول من أسس قواعد للتعذيب في السجون، وتوسع في إنشاء المعتقلات، وأنشأ قوات أمنية ترصد حتى همس الأزواج في بيوتهم، كل ذلك بعد أن عيّنه عبد الناصر وزيرًا للداخلية في الإقليم السوري بعد الوحدة، ثم رئيسًا للمجلس التنفيذي في سوريا، لكن الوحدة لم يُكتب لها النجاح لأسباب عدة، منها النظرة الفوقية للمصريين تجاه السوريين، وسوء الإدارة، والكوارث الاقتصادية، منها التأميم للكيانات الاقتصادية دون الرجوع لوزير الاقتصاد السوري، هذه الأحداث ولّدت سخطًا كبيرًا وانقلاب عام 1961، لتنتهي التجربة، رفعت مصر شكوى ضد سوريا في الجامعة العربية، فقابلتها الأخيرة بإصدار «السجل الأسود» وهي الانتهاكات المصرية تجاه سوريا، انتهت المغامرة بالقبض على عبد الحميد السراج وإيداعه أحد السجون، لكن المخابرات المصرية تمكنت من تهريبه عبر لبنان إلى مصر، حيث عيّنه عبد الناصر مستشارًا له.
أما في لبنان، فالشخصية المحورية هي (كامل مروة) مؤسس جريدة الحياة، سقوف الحرية التي اشتهرت بها بيروت واستقطابه لعدد كبير من الكُتّاب أثارت غضب عبد الناصر، فأرسل له رسائل لم يفهمها مروة، ثم اغتيل مروة على يد شاب اقتحم مكتبه وأطلق النار عليه بتخطيط من عبدالحميد السراج، لكن سوء التنسيق حال دون هروبه عدم توفر سيارة، فقبض عليه المارة، أما المدبرون فلجأوا إلى السفارة المصرية وتم تهريبهم إلى القاهرة، في المحاكمة تكشفت تفاصيل الخطة، وجرت محاولات لطمس الأدلة وتغيير القضاة، وأخيرًا حُكم على القاتل حكمًا مخففًا وخرج بعد فترة وجيزة، يقول المؤلف إن زوجة كامل مروة استدعاها السادات بعد وصوله للحكم ليقول لها إن مصر تشعر بتأنيب الضمير لدورها في قتل زوجها.
لكن أخطر ما فعله عبد الناصر في لبنان – حسب المؤلف – هو إجبار الحكومة اللبنانية على التوقيع مع منظمة التحرير الفلسطينية لإطلاق يدها في لبنان من دون الرجوع للدولة اللبنانية، مما ساهم في خلق الميليشيات الطائفية وأدى إلى الحرب الأهلية، والتدخل السوري، والغزو الإسرائيلي، ليبقى لبنان في دوامة لم يخرج منها حتى اليوم.
أما في الأردن، فقد كان الخلاف عميقًا بين الملك حسين وعبد الناصر، أدى إلى مصادمات، أبرزها تفخيخ مكتب رئيس الوزراء هزاع المجالي واغتياله، ومحاولة اغتيال الملك نفسه، وهو عمل من تدبير عبدالحميد السراج، وبعد سقوط النظام الملكي في العراق، كانت كل الشواهد تقول إن نظام الأردن في طريقه للنهاية، لكن صلابة وذكاء الملك حسين ساعدا على بقائه، وأحيانًا اضطر للمهادنة، حتى إنه في حرب 1967 وضع جيشه تحت إمرة القيادة المصرية، يقول أحد الأردنيين للمؤلف إن القدس سقطت بسبب قيادة غير كفؤة على رأسها عبد الحكيم عامر.
في اليمن، ذهب عبد الناصر بناءً على تقرير كتبه السادات وعبد الحكيم عامر، قالا فيه إن الحرب لن تستغرق أكثر من أسبوعين، لكنه غرق هناك بجيشه الكبير سنوات طويلة، ولأول مرة يستخدم جيش عربي الأسلحة الكيماوية، حسب تقرير الصليب الأحمر، وأدت هذه الحرب إلى عداء مع السعودية، وعندما انسحب عبد الناصر أخيرًا، أدرك أن الثمن كان أكبر بكثير من الغاية.
عاد الكاتب ليسلط الضوء على مصر مرة أخرى، حيث جاءت هزيمة 1967 الساحقة، انهار الجيش في ساعات، ووقف عبد الناصر ليعلن استقالته، فخرجت الجماهير تطالبه بالعودة، يقول المؤلف: لا أستطيع الجزم إن كان المشهد حقيقيًا أم من صناعة المخابرات، لكن المؤكد أن الناس لم يكونوا يعرفون كل الحقيقة، فقد اعتقدوا أن الهزيمة جزئية أي جزء من الجيش وجزء من سيناء، وهناك أمر آخر أن البديل – نائبه زكريا محيي الدين – لم يكن محبوبًا وللمصرين تجارب سيئة معه، وكما حدث عام 1956، استغل عبد الناصر الهزيمة ليُحكم قبضته، وتوحش النظام اكثر، وتراجع عن وعوده منها وضع دستور جديد، ثم وقعت بعد سنة أحداث صدام مع الطلبة قُتل واعتُقل خلالها الكثير، ودشن شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، أي تحريم أي شكل من أشكال المطالبة بالحريات أو الديمقراطية لحين الانتهاء من المعارك.
يختم المؤلف بليبيا، حيث وجد معمر القذافي الشاب الغِرّ رعاية كبيرة من عبد الناصر بعد انقلابه على الملكية، أرسل له الخبراء لإنشاء الأجهزة الأمنية، وحتى لحمايته الشخصية، وفي زيارة إلى ليبيا، بالغ عبد الناصر في الثناء عليه، ما جعله يعيش حالة من الغرور، ورغم تحذيرات مقربين لعبد الناصر من أمية القذافي السياسية، إلا أنه احتضنه، وكانت النتيجة أن عاش الليبيون 41 سنة في حكم فردي دمّر بلادًا كان يمكن أن تكون من أجمل دول العالم.
وقبل الختام، ذكر المؤلف كثيرًا إذاعة صوت العرب، التي كان الجميع يرخي السمع لها، كانت تمثل السياسة الحقيقية للسلطة، وأسوأ ما فعلته هو نشر خطاب التخوين والسباب ضد المعارضين، وإدخال لغة سوقية إلى الحياة العامة، لكن سقوطها بعد حرب 1967 كان مدويًا، إذ اكتشف الناس حجم الكذب الذي كانت تروّجه.
إنه كتاب مهم جدًا عن تلك التجربة؛ عن دول أصبحت أشباه دول، عن فاشلين أصبحوا يملكون كل شيء، عن البون الشاسع بين الشعارات والتطبيق، وعن التصفيق الذي يحوّل الإنسان إلى وحش لا يغذيه إلا الثناء، مرحلة انتهت بأشخاصها، لكن بقيت آثارها وركام مدن كانت يومًا من جنان الدنيا.
خليفة آل محمود