حينما أعلن الطيار عن الاستعداد للنزول في مطار دمشق أدركت أنها رحلة استثنائية وفريدة، وبعد تلاشي الغيوم بنزول الطائرة بدأت تظهر معالم المدينة القديمة، التصقت عيناي بالنافذة؛ الشام كما يسميها محبوها، أو دمشق كما هي في كتب التاريخ والجغرافيا، أخذت عيناي تنتقلان مهرولتين من مكان إلى مكان، عطشى تريدان أن ترتويا من رسوم ذكريات لسنوات مضت لم ترتوِ، أخذت زاوية الرؤية للمدينة تتلاشى شيئًا فشيئًا لتختفي، ثم جاء صوت الطيار معلنًا وصولنا إلى مطار دمشق.
"رحلة الحلم" كما سماها بعض رفاق الرحلة، إلا أنني أسميها رحلة "تجديد الود"، فالمسافة ليست بقريبة بيني وبينهم؛ هم يحضرون لأول مرة، أما أنا فلي فيها ماضٍ في شوارعها وزقاقها ومدنها، القاسم المشترك بين الجميع أنها تجربة فريدة لنا جميعًا؛ سوف نكون شهود عيان على لحظة فريدة من صور الزمن: مشهد الحياة على ركام الموت.
ونحن نشق شوارع الشام كان الصمت سيد الموقف، الصورة الأولى التي حرصت على أخذها بهاتفي في تلك اللحظة: لوحة السيارة وقد تزينت بعلم الثورة، تلك القطعة المعدنية قالت لنا بصوت تلك الفتاة في أول أيام التحرير: "سورررررريا حررررره"، دلفت إلى غرفتي في الفندق وبلا شعور اتجهت إلى النافذة، ومن محاسن الصدف أن الغرفة في مواجهة جبل قاسيون، ذلك الاسم الذي عرفته في زمن مبكر من حياتي من خلال مؤلفات الشيخ علي الطنطاوي، ذلك الجبل الذي فطر كبد الشيخ شوقًا وحنينًا له، كتب في إحدى كتبه من منفاه داعيًا على من حرمه هذا الجبل أن يحرمه الله الجنة، بدا لي الجبل مجردًا لا غطاء نباتيًا عليه، لا يُلام شيخنا رحمه الله، هناك حقيقة في مشاعرنا تجاه الأشخاص والأماكن تؤكد أن العين أحيانًا ترى المنظر من القلب لا من البصر، رحم الله شيخنا وأبدله الله وديانًا وجبالًا وأنهارًا في الجنة، مات ولم يجمعه الله بجبل قاسيون.
حبيبنا "أبو محمد" اقترح أن نصلي الفجر في الجامع الأموي، ولم يجد أي معارضة؛ الجميع متشوق لهذه التجربة، وصلنا قبل الصلاة ووثقنا اللحظة، وانضممنا لدرس ديني، في تلك اللحظة وأنا أتنقل بين جنبات المسجد خُيّل لي أن هناك شيخًا وقورًا يرافقني ويرمقني بتركيز، سلمت عليه وسألته عن تلك المنشأة الرائعة؛ فالاتساع الذي بُني فيه الجامع الأموي دليل على الكثافة السكانية التي تميزت بها تلك الفترة: تسعة عقود بين هجرة الرسول ﷺ وبناء هذا المسجد، حدثني عن فكرة المسجد، والاستفادة من الخبرة العمرانية للحضارات القديمة العريقة في الإنشاء والنضوج العمراني، وإضفاء فن إسلامي متميز ليصبح أحد الفنون العمرانية العالمية، بدا لي الرجل وهو يتحدث مزهوًّا فخورًا، يعرف دقائق الأمور، سألته: من أنت ومن أين لك بكل تلك المعلومات؟ ضحك بثقة وقال: نسيت أن أعرّفك بنفسي؛ أنا الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي، سليل أبناء عمّ نبي الرحمة وأصهاره، أنا الذي بنيت هذا المسجد وقبة الصخرة في القدس، دخلت التاريخ من باب البناء لا من باب الهدم كما فعل أراذل البشر العابرون، تلاشت صورة الشيخ واختفت بسرعة حضوره، وعدت إلى الواقع على صوت رجل دمشقي مرشد يشرح لنا تفاصيل الجامع الأموي.
الصورة الحزينة كانت في مرورنا على جوبر وزملكا وعربين وحرستا؛ امتداد الدمار حوّل حديثنا إلى صمت ودموع، نزلنا نتأمل المنظر، وكل المناظر التي شاهدناها في التلفزيون كانت صفرًا على يسار الرقم مقارنة بما رأيناه، أخذت مع أحد الرفاق نتجول بين الركام، ولم يستطع صاحبي أن يمسك نفسه فأجهش بالبكاء، ربما تذكر أصوات الأطفال وعجز الآباء، والموت يحصدهم على وقع البراميل المجنونة، في تلك اللحظة سألت الله صادقًا أن تكون تلك الدموع شفيعة له ولي ولأمة المسلمين يوم القيامة، وأن يرحم الله عجزنا وقلة حيلتنا، وبعد قليلاً من رباطة الجأش شعرت بنوع من الفخر والتيه أن هؤلاء الصناديد قومي، ومن تحت كل تلك الركام نهضوا وعادوا محررين، لحقًّا إنها إحدى المعجزات في هذا العالم.
التقطت صورة أخرى: على باب سجن صيدنايا؛ من منا لا يعرفه أو يسمع به؟ "المسلخ البشري" كما كان يُسمّى، وصلنا إليه من منطقة مشرفة؛ اتساع المبنى دليل على الجهد المبذول في البناء، الإنجاز العمراني الوحيد المحسوب للنظام البائد، أصبح ذلك السجن ذكرى لنظام ساد ولفظته الشام، ولعل أشهر الصور التي ظهرت بعد التحرير تلك الطفلة التي تشبثت بأمها وهي تسمع الأم تتوسل أحد جنود جيش الثورة ألا يفعل بهم شيئًا، لم تستوعب جملة: “اخرجوا، أنتم أحرار”، ظنتها خدعة، لا تُلام، بعد سنوات طويلة من الزيف والمكر جاءت لحظة الحقيقة مخيفة، فتوجست منها المرأة ولم تستوعبها، أتذكر أحد الغربيين قال معلقًا على صورة الأطفال في سجن صيدنايا: من لا يزال يؤيد النظام فهو لا ينتمي للإنسانية.
جامعة دمشق كانت صورة جميلة من صور تلك المدينة؛ أُسست في بداية القرن العشرين، دليل أن الحضارة في تلك المدينة رصينة وليست عابرة، يتوسط جامعة دمشق قبر شخصية ربما غيرت مجريات التاريخ والجغرافيا: ابن تيمية، والمفارقة أن وجوده في هذا الصرح العلمي كان مع تحريم ذكره ومؤلفاته لأكثر من خمسين سنة، من الكوميديا السوداء أن نظامًا حلّل تجارة المخدرات نفسه هو الذي حرّم كتب ابن تيمية، لتنتهي تلك الحالة على صورة عجيبة في معرض دمشق ٢٠٢٦؛ شباب شوام ملتحون يتهافتون على شراء مؤلفات ابن تيمية وغيرها، الحقيقة أن عقارب الساعة رجعت إلى الدوران الصحيح، ليحل العلم ويُحرّم المخدرات.
هذه صور ستخلد في ذهني ولن تذهب، ما جعل هذه الرحلة مميزة لي أنها كانت برفقة مجموعة من أنقى الناس؛ اثنان منهم صرّحا بأنها أجمل رحلة على قصرها، وأنا ثالثهم وعلى ذلك من الشاهدين، هناك صورة لم ألتقطها وهي الصورة الأخيرة لدمشق حين ارتفعت الطائرة مغادرة؛ جاء مقعدي في الوسط بعيدًا عن النافذة، وتزامنت تلك الصدفة مع عادتي أنني لا أنظر إلى الأطلال وأنا راحل من مكان شهد أيامًا جميلة، هناك جملة جميلة تُقال في الخليج: “الله يطوّل في الأعمار ويجدّد الآثار”، لذلك دعاؤنا الصادق لله: كما أنعم على أهل الشام بالتحرير أن يُحسن حالهم إلى أحسن حال، وأن نعود لهم وهم بخير ونعمة، وتطول أعمارنا في طاعته ويتجدد الآثار.
خليفة آل محمود، ليل الثامن من فبراير لسنة ٢٠٢٦