الاثنين، 22 ديسمبر 2025

الثروة هل هي نعمة أم شيء آخر

 أتى أبو عبيدة بن الجراح بمالٍ وفير من خراج البحرين، الأمر الذي لفت نظر أهل المدينة بهذه الثروة، لهذه القصة أحداث كثيرة، لكني أتوقف عند نهاية حديث الرسول ﷺ حين قال لأهل المدينة:

‏ 

‏«… فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم».

‏ 

‏يُعد هذا الحديث من أشهر الأحاديث التي تُبيّن خطورة الثروة إذا لم يكن هناك وعيٌ مجتمعي بكيفية التعامل معها، إذ تتحول من نعمة إلى تهلكة إن أسيء استخدامها، وما يلفت نظري في هذا الحديث أن المال يُعد من أهم المتغيرات المؤثرة في ثقافة المجتمع، حيث ينتقل أفراده من التماسك والتعاضد إلى التشاحن والتنافس، بما يُفضي إلى صدعٍ اجتماعي كبير، وظهور ثقافة مجتمعية جديدة مدمّرة تختلف عما كانت عليه من هدوء واستقرار.

‏ 

‏في ظني، تُعد دراسة المتغيرات المجتمعية من أهم الدراسات المطلوبة اليوم في كثير من دول العالم، فأوروبا على سبيل المثال، فتحت أبوابها للهجرة لأسباب عدة، من أبرزها الخلل السكاني في عدد الذكور بعد الحروب العالمية، والحاجة إلى اليد العاملة الماهرة، فضلًا عن ضعف منظومة الأسرة نتيجة عزوف الشباب عن الزواج وتكوين الأسرة بعد موجات الدعوات الانحلالية، راهن الأوروبيون، عند قبولهم للمهاجرين، على اندماج الجيلين الثاني والثالث في المجتمع، إلا أن هذا الرهان لم ينجح على إطلاقه، لعدة أسباب، من أهمها النزعة العنصرية التي دفعت الطرف الآخر إلى التحزّب، فأصبح في قلب أوروبا تجمعات عرقية ودينية، قد لا تبدو واضحة المعالم اليوم، لكنها قابلة للتطور مستقبلًا، ومن خلال الإحصاءات والأرقام، تدرك أوروبا حجم معضلتها؛ فبلجيكا وهي في قلب أوروبا، أظهرت آخر الإحصاءات أن 88% من الشباب دون سن الثامنة عشرة من أصول أجنبية، ويُعد هذا الرقم، إلى جانب التطور السياسي المتمثل في وصول رجل من أصول هندية إلى رئاسة وزراء بريطانيا، دليلًا على تغير عميق، ومجتمعات بدأت تفقد ثقافتها المحلية عبر إحلال ثقافات جديدة، فيما يمكن وصفه بـ«الاحتلال الناعم» للثقافة.

‏ 

‏وفي عالمنا العربي، تستوقفني تجربة دول الخليج العربي، وهي دول أو حضارات قامت على ضفاف آبار النفط، فقد جلب هذا التحول الاقتصادي والطفرة المالية هجرةً كبيرة إليها، وأصبح المجتمع بعد النفط مختلفًا جذريًا عما كان عليه قبله، ويتمثل التحدي الأكبر في المحافظة على الهوية الثقافية وسط أمواج متلاطمة من التأثيرات، كاختلاف النظم التعليمية والمستورد بعضها، وتأثير الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، فضلًا عن الاحتكاك بثقافات متعددة، كما يفقد الخليج أحد أهم روافده الثقافية، والمتمثل في المخزون الثقافي للبوادي والقرى، التي انحسرت لصالح المدن، والتي بدأت بدورها تفقد الكثير من هويتها الثقافية.

‏ 

‏لذا، نحن أمام تحدٍّ كبير في هذه المنطقة من العالم، فالقضية ليست مجرد البحث عن وسائل الوقاية أو وصفات العلاج، بل تكمن المعضلة قبل ذلك في عجزنا عن تخيّل شكل مجتمعاتنا بعد جيل أو جيلين من اليوم، وفي ظني، لم تمتلك الدول حتى اليوم الأدوات التشخيصية الدقيقة القادرة على بناء استراتيجيات نابعة من هذا الواقع، وكأننا نعوّل على الزمن وحده، على أمل أن يأتي بالعلاج ولو كان محمّلًا بالعِلّة نفسها.

‏ 

‏والحقيقة الجلية اليوم أن لا أحد يمتلك حلًا جاهزًا؛ فالموازنة تبدو شبه مستحيلة بين احتياجات الإنسان من العمل والرفاهية، وبين متطلبات المجتمع التي قد تقوم أحيانًا على حساب هذه الحاجات الفردية، ومع الزخم المادي، وتسارع وتَعقّد الحياة، أصبح مثلاً عمل المرأة ضرورة في كثير من المجتمعات، لكن يبقى السؤال: كيف نحقق التوازن بين عملها مع أهمية الأسرة؟ فالفرد سينحاز بطبيعة الحال إلى ضرورياته، بينما يسعى المجتمع إلى الحفاظ على أسس بقائه، ومن هنا، لا ينبغي أن تكون الحلول مجرد نقطة وسط، بل صياغة منظومة تحقق إشباع حاجات الفرد مع ضمان بقاء واستقرار الدولة.

‏ 

‏وأعتقد أن الجامعات في دول الخليج، وهي بالعشرات اليوم، تواجه تحديًا حقيقيًا في قراءة هذا المشهد، وتقديم دراسات جادة تكون بمثابة خارطة طريق لصنّاع القرار، يُبنى عليها التخطيط المستقبلي.

‏ 

‏القضية في جوهرها قضية وجودية؛ فالخلل أو الحل نحن من يضعه، لكننا على الأرجح لن نشهده، لأن المجتمعات ليست بعمر الإنسان، ومن ثم، فالمهمة ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى نظرة عميقة، وإلى وضع أطر وقائية، وقواعد علاجية لعلل قد يكون التعامل معها اليوم ممكنًا، بينما قد تصبح غدًا بالغة الصعوبة.

الاثنين، 8 ديسمبر 2025

جواد ظريف والبكاء على الركام،،

 (جواد ظريف) في منتدى الدوحة أظهر بجلاء أن المعضلة الإيرانية التي تستعصي على الحل هي وجود مثل هذه العقليات التي كانت تدير يومًا دفة السياسة الإيرانية؛ دول عظمى انتقلت من الفشل إلى النجاح بالمراجعات ووضع الحلول وتجاوز أسباب الإخفاق، بينما لا تزال النظرة الإيرانية جامدة لا تتزحزح، وتنطلق من عمق التاريخ مصحوبة بتعالٍ واضح تجاه الجانب العربي.

‏ 

‏قال ظريف عبارات تفتقر إلى الواقعية، منها أن إيران ضحية الخذلان العربي، وأنها لطالما دعمت العرب ضد إسرائيل، وأنهم "لا يستوردون أمنهم"، في تلميح يفتقر إلى الدبلوماسية إلى جيرانه في الخليج، واليوم ندرك بجلاء أن دعم فلسطين لم يكن إلا تبريرًا عاطفيًا لاحتلال عدد من العواصم العربية، وأن فكرة "تصدير الثورة" التي كُرِّست في الدستور الإيراني كانت من أهم أسباب بحث الممالك الخليجية عن مظلّة أمنية.

‏ 

‏للأسف الشديد، الكثير من المنظمات وأصحاب الفكر السطحي الذي يفتقر لقراءة  الواقع على ضوء النتائج آمنوا بأن إيران يمكن أن تكون جزءًا من حل المعضلة الفلسطينية، ولعل قمة التراجيديا في هذا الاتجاه ما شاهدته بعيني: إعلاميّ وصل إلى مرحلة متقدمة في صدارة الإعلام، ألّف كتابًا عن "نجاح الثورة السورية"، وعرضه في أحد معارض الكتب، وجلس منتشيًا يتحدث إلى الجمهور وكأنه جزء من نجاحها، بينما كان حساباته تزخر بمدح إيران والثناء على حزب الله، وهم من السكاكين التي نحرت بلا رحمة السوريين لإجهاض ثورتهم.

‏ 

‏هناك دول يجب ألا تفكر في الطموحات والاستراتيجيات الخارجية قبل ترتيب البيت الداخلي ومعالجة الخلل الفادح في منظومة الدولة، ومنها إيران، فتركيا مثلاً نجحت لأنها وضعت نظامًا سليمًا، وعدالة انتخابية، وتداولًا للسلطة؛ والمعارضة فيها تقف في البرلمان لا خلف القضبان، وحتى حين حاول الجيش على علو شأنه، الاستيلاء على السلطة، وقف الناس ضده، ودخل قادته السجون، أما إيران فلا تزال تعيش وهم "السمو" والتعالي والغطرسة على الآخرين، وخاصة العرب، الذين جلدهم ظريف بسياطه وألقى اللوم عليهم فيما وصلت إليه إيران من هزيمة عسكرية ونفسية وفشل في كل الملفات.

‏ 

‏إيران لم تنجح بقوتها الذاتية ولا بمشروع إداري رصين، بل بالظروف: دخولها العراق بعد الاحتلال، ولبنان واليمن بعد حروب أهلية، وسوريا بتفويض من السلطة الحاكمة العلوية، كانت كالفرقة الأضعف في الجيش، مهمتها الإجهاز على الجرحى، أما إدارتها للدول بعد الاحتلال كلنا شهود عيان، فيكفي أنها استعانت باسوء العناصر، فتحولت الدول إلى ركام بعد أن كانت دولًا.

‏ 

‏لذا أرى أن إيران لا يمكن أن تكون حليفًا حقيقيًا لأي تنظيم أو دولة، ولا تمتلك القدرة على تحقيق آمال الحالمين، فحماس لم تُقتل أيٌّ من قياداتها في غزة، واستطاعت إسرائيل اغتيال اثنين فقط، أحدهما في الضاحية الجنوبية في لبنان، والآخر في طهران داخل معسكر الحرس الجمهوري وعلى مرمى حجر من مكتب ظريف، وما حدث حين قصفت الطائرات الإسرائيلية كل الدفاعات الأرضية الإيرانية، ثم شنت بعد ذلك بعدة اشهر حرب الأيام الـ12 بعناوين دقيقة للأهداف والشخصيات، دليل على عمق الاختراق داخل إيران.

‏ 

‏ولعل قمة هذا الاختراق ما حدث في يناير 2018، وفي أوج انشغال الخليجيين بأزمة حصار قطر، حين حضر مئة شخص من جنسيات عدة من المخابرات الاسرائيلية بشاحنات ووقفوا أمام الأرشيف النووي الإيراني في قلب طهران، ليفرغوا الوثائق ويخرجوها من إيران، عملية تفاخر بها نتنياهو على شاشات التلفزيون منتشيًا بقدرة المخابرات الإسرائيلية، معلنًا أنهم يعكفون على ترجمة الوثائق، ويُقال إن الأمر أزعج يوشي كوهين، رئيس المخابرات آنذاك، الذي يميل للعمل بصمت، تخيّل: مئة شخص بسيارات أمام أهم مخزن يفترض أنه من أخطر ممتلكات الدولة، يفتحون الخزائن لساعات ويفرغوها، لذا أقول لظريف المشكلة ليست العرب.

‏ 

‏هذه هي إيران: نمر من ورق، وغطرسة بلا مقومات، ودولة مخترقة، وهي العدو الذي تتمناه إسرائيل، لذا أعتقد أن الإشكالية الحقيقية أننا، رغم كل الحقائق لا يزال بعض السطحيين يتغاضى عنها ويشتري الوهم، وينسى القاتل وهو ينحر الضحية لأنه يشبعه بشعارات براقه.

‏ 

‏ السيد ظريف باختصار يطلب من العرب الامتنان لايران رغم الدماء والمهجّرين في سوريا وتدمير عاصمة العروبة بغداد، والعبث بأصل العرب اليمن، لأن قواته حين احتلت عواصم العرب كانت تصيح: عاشت فلسطين.

‏ 

‏لذا مشكلة إيران ليست من العرب، بل من الداخل، إن استطاع ظريف والمفكرون معالجتها، فحينها يمكنه الحضور للمؤتمرات في الجانب الآخر من الخليج ويقول ما يشاء.

‏ 

‏طريق النجاح في طهران فقط؛ فالشعوب يمكن حكمها بالحديد والنار لبعض الوقت، ولكن ليس لكل الوقت، تمتلك إيران من الإمكانيات والظروف ما يمكن أن يضعها في طليعة دول العالم، غير أنها انشغلت عن الداخل بالخارج واحتلال مدن العرب، فانهار الداخل وانهار معه إنجازاتها الخارجية.

الخميس، 4 ديسمبر 2025

يأتي الإنجاز بين بقاء الدول وبقاء الأفراد

من يقرأ وثائق حرب 1967، التي أدّت إلى هزيمة مذلّة لعدد من الجيوش العربية أمام الجيش الإسرائيلي، يكتشف حقيقة مهمّة: الفارق بين الولاء لمنظومة الدولة والولاء للفرد.


في المجلس المصغّر الإسرائيلي، الذي قاد تلك الحرب، كان هناك تنافر على المستوى الشخصي ومشاعر سلبية بين بعض أعضائه، ومع ذلك لم يمنعهم ذلك من الإقرار بقانون الكفاءة، وتقديم الأكفأ بينهم لعرض الأفكار وقيادة المعركة، فالقضية ليست منصبًا يُجمِّل مسيرة شخص، بل مصير دولة كاملة بشعبٍ يهودي، وفي معركة مصيرية ومنعطف تاريخي حاسم.


أمّا على الطرف الآخر، فكان هناك فرد واحد (عبدالناصر) تُقدَّم أولويته على كل شيء: بقاءه على رأس السلطة، ولهذا رقّى صديقه المقرّب عبدالحكيم عامر ليتجاوز الرتب العسكرية قفزًا، فيصبح أصغر لواء وهو في العقد الثالث، ثم يُرفّع إلى مشير، كان وجوده في أهم منصب عسكري ضمانًا لحماية رأس السلطة، لا لحماية الوطن.


لهذا لم يجد الكهل (موشي ديان)، العسكري الإسرائيلي المحترف، صعوبةً في الانتصار على شخص عديم الخبرة، ليُوسّع خريطة إسرائيل إلى ثلاثة أضعاف حجمها، فاحتلّت قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء من مصر، والضفة الغربية والقدس من الأردن، والجولان من سوريا، ومن الطرائف — وربما المآسي — أن عبدالحكيم عامر، إلى جانب مناصبه اللامعة، كان يشغل أيضًا منصب رئيس الاتحاد المصري لكرة القدم!


عام 2017، حين بدأ كوشنر مفاوضاته، لاحظ ملاحظة مهمّة: الفريق الإسرائيلي متجدّد، متنوّع، ومتخصص في الملفات التي يعمل عليها، في المقابل، كانت السلطة الفلسطينية تقدّم الشخص ذاته: صائب عريقات، الذي مثّل السلطة في عملية التفاوض لمدة 25 سنة، إذ تسلّم ملف المفاوضات منذ أن كان كوشنر طفلًا في الحادية عشرة من عمره، الفريق الإسرائيلي تحدده طبيعة المهمة وضرورات التخصص، أما الفريق الفلسطيني فكانت تحكمه قوانين القرب والبعد من القيادة؛ "الختيار" أبو عمار، ثم "الختيار" أبو مازن.


التاريخ يبرهن على حجم ما يمكن إنجازه حين تُدار الأمور بعقلية الفريق، وعلى المكاسب التي تعود على الجميع عندما يُقدَّم الأفضل، وفي المقابل، كشف لنا الولاء للفرد أثره الكارثي في الحروب العربية، وفي خسارة مزيد من الأراضي، والأهم: في طاولة المفاوضات أمام فرق متطورة ومتنوعة، بينما تستمر السقوف بالانخفاض مع بقاء الأشخاص أنفسهم ومنع دخول دماء جديدة إلى التشكيلة.


كان المصريون مطالبين بالتصفيق للزعيم، شعاراته جميلة وبراقة، وأناقته الطاغية غطّت على جوهر العمل: غياب الحريات، حكم الفرد، خسائر المعارك، وضياع جزء من الوطن، وكذلك الفلسطينيون، من إخفاق إلى آخر، ومواقف سياسية لا يقع فيها طفل صغير، كدعم احتلال العراق للكويت؛ لا المبادئ الأخلاقية والدينية، ولا قوانين المصالح، تبرّر موقفًا كهذا.


الوطن العربي يمتلك طاقات عظيمة، وكوادر قادرة على النهوض بالأوطان المدمّرة. لكن الشرط الأساس ألا تُحكم هذه الطاقات بقوانين الولاء، بل بقوانين الكفاءة، وأن تكون القيادة متجددة، لا أشخاص يبدأون مسيرتهم السياسية بشعر أسود كثيف، وينتهون في المنصب نفسه وقد اشتعل الرأس شيبًا، تجاوزهم الزمن وبقوا في مقاعدهم ثبات الجبال — إلى أن يحضر ملك الموت ليطوي قصتهم.