أتى أبو عبيدة بن الجراح بمالٍ وفير من خراج البحرين، الأمر الذي لفت نظر أهل المدينة بهذه الثروة، لهذه القصة أحداث كثيرة، لكني أتوقف عند نهاية حديث الرسول ﷺ حين قال لأهل المدينة:
«… فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم».
يُعد هذا الحديث من أشهر الأحاديث التي تُبيّن خطورة الثروة إذا لم يكن هناك وعيٌ مجتمعي بكيفية التعامل معها، إذ تتحول من نعمة إلى تهلكة إن أسيء استخدامها، وما يلفت نظري في هذا الحديث أن المال يُعد من أهم المتغيرات المؤثرة في ثقافة المجتمع، حيث ينتقل أفراده من التماسك والتعاضد إلى التشاحن والتنافس، بما يُفضي إلى صدعٍ اجتماعي كبير، وظهور ثقافة مجتمعية جديدة مدمّرة تختلف عما كانت عليه من هدوء واستقرار.
في ظني، تُعد دراسة المتغيرات المجتمعية من أهم الدراسات المطلوبة اليوم في كثير من دول العالم، فأوروبا على سبيل المثال، فتحت أبوابها للهجرة لأسباب عدة، من أبرزها الخلل السكاني في عدد الذكور بعد الحروب العالمية، والحاجة إلى اليد العاملة الماهرة، فضلًا عن ضعف منظومة الأسرة نتيجة عزوف الشباب عن الزواج وتكوين الأسرة بعد موجات الدعوات الانحلالية، راهن الأوروبيون، عند قبولهم للمهاجرين، على اندماج الجيلين الثاني والثالث في المجتمع، إلا أن هذا الرهان لم ينجح على إطلاقه، لعدة أسباب، من أهمها النزعة العنصرية التي دفعت الطرف الآخر إلى التحزّب، فأصبح في قلب أوروبا تجمعات عرقية ودينية، قد لا تبدو واضحة المعالم اليوم، لكنها قابلة للتطور مستقبلًا، ومن خلال الإحصاءات والأرقام، تدرك أوروبا حجم معضلتها؛ فبلجيكا وهي في قلب أوروبا، أظهرت آخر الإحصاءات أن 88% من الشباب دون سن الثامنة عشرة من أصول أجنبية، ويُعد هذا الرقم، إلى جانب التطور السياسي المتمثل في وصول رجل من أصول هندية إلى رئاسة وزراء بريطانيا، دليلًا على تغير عميق، ومجتمعات بدأت تفقد ثقافتها المحلية عبر إحلال ثقافات جديدة، فيما يمكن وصفه بـ«الاحتلال الناعم» للثقافة.
وفي عالمنا العربي، تستوقفني تجربة دول الخليج العربي، وهي دول أو حضارات قامت على ضفاف آبار النفط، فقد جلب هذا التحول الاقتصادي والطفرة المالية هجرةً كبيرة إليها، وأصبح المجتمع بعد النفط مختلفًا جذريًا عما كان عليه قبله، ويتمثل التحدي الأكبر في المحافظة على الهوية الثقافية وسط أمواج متلاطمة من التأثيرات، كاختلاف النظم التعليمية والمستورد بعضها، وتأثير الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، فضلًا عن الاحتكاك بثقافات متعددة، كما يفقد الخليج أحد أهم روافده الثقافية، والمتمثل في المخزون الثقافي للبوادي والقرى، التي انحسرت لصالح المدن، والتي بدأت بدورها تفقد الكثير من هويتها الثقافية.
لذا، نحن أمام تحدٍّ كبير في هذه المنطقة من العالم، فالقضية ليست مجرد البحث عن وسائل الوقاية أو وصفات العلاج، بل تكمن المعضلة قبل ذلك في عجزنا عن تخيّل شكل مجتمعاتنا بعد جيل أو جيلين من اليوم، وفي ظني، لم تمتلك الدول حتى اليوم الأدوات التشخيصية الدقيقة القادرة على بناء استراتيجيات نابعة من هذا الواقع، وكأننا نعوّل على الزمن وحده، على أمل أن يأتي بالعلاج ولو كان محمّلًا بالعِلّة نفسها.
والحقيقة الجلية اليوم أن لا أحد يمتلك حلًا جاهزًا؛ فالموازنة تبدو شبه مستحيلة بين احتياجات الإنسان من العمل والرفاهية، وبين متطلبات المجتمع التي قد تقوم أحيانًا على حساب هذه الحاجات الفردية، ومع الزخم المادي، وتسارع وتَعقّد الحياة، أصبح مثلاً عمل المرأة ضرورة في كثير من المجتمعات، لكن يبقى السؤال: كيف نحقق التوازن بين عملها مع أهمية الأسرة؟ فالفرد سينحاز بطبيعة الحال إلى ضرورياته، بينما يسعى المجتمع إلى الحفاظ على أسس بقائه، ومن هنا، لا ينبغي أن تكون الحلول مجرد نقطة وسط، بل صياغة منظومة تحقق إشباع حاجات الفرد مع ضمان بقاء واستقرار الدولة.
وأعتقد أن الجامعات في دول الخليج، وهي بالعشرات اليوم، تواجه تحديًا حقيقيًا في قراءة هذا المشهد، وتقديم دراسات جادة تكون بمثابة خارطة طريق لصنّاع القرار، يُبنى عليها التخطيط المستقبلي.
القضية في جوهرها قضية وجودية؛ فالخلل أو الحل نحن من يضعه، لكننا على الأرجح لن نشهده، لأن المجتمعات ليست بعمر الإنسان، ومن ثم، فالمهمة ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى نظرة عميقة، وإلى وضع أطر وقائية، وقواعد علاجية لعلل قد يكون التعامل معها اليوم ممكنًا، بينما قد تصبح غدًا بالغة الصعوبة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق