(جواد ظريف) في منتدى الدوحة أظهر بجلاء أن المعضلة الإيرانية التي تستعصي على الحل هي وجود مثل هذه العقليات التي كانت تدير يومًا دفة السياسة الإيرانية؛ دول عظمى انتقلت من الفشل إلى النجاح بالمراجعات ووضع الحلول وتجاوز أسباب الإخفاق، بينما لا تزال النظرة الإيرانية جامدة لا تتزحزح، وتنطلق من عمق التاريخ مصحوبة بتعالٍ واضح تجاه الجانب العربي.
قال ظريف عبارات تفتقر إلى الواقعية، منها أن إيران ضحية الخذلان العربي، وأنها لطالما دعمت العرب ضد إسرائيل، وأنهم "لا يستوردون أمنهم"، في تلميح يفتقر إلى الدبلوماسية إلى جيرانه في الخليج، واليوم ندرك بجلاء أن دعم فلسطين لم يكن إلا تبريرًا عاطفيًا لاحتلال عدد من العواصم العربية، وأن فكرة "تصدير الثورة" التي كُرِّست في الدستور الإيراني كانت من أهم أسباب بحث الممالك الخليجية عن مظلّة أمنية.
للأسف الشديد، الكثير من المنظمات وأصحاب الفكر السطحي الذي يفتقر لقراءة الواقع على ضوء النتائج آمنوا بأن إيران يمكن أن تكون جزءًا من حل المعضلة الفلسطينية، ولعل قمة التراجيديا في هذا الاتجاه ما شاهدته بعيني: إعلاميّ وصل إلى مرحلة متقدمة في صدارة الإعلام، ألّف كتابًا عن "نجاح الثورة السورية"، وعرضه في أحد معارض الكتب، وجلس منتشيًا يتحدث إلى الجمهور وكأنه جزء من نجاحها، بينما كان حساباته تزخر بمدح إيران والثناء على حزب الله، وهم من السكاكين التي نحرت بلا رحمة السوريين لإجهاض ثورتهم.
هناك دول يجب ألا تفكر في الطموحات والاستراتيجيات الخارجية قبل ترتيب البيت الداخلي ومعالجة الخلل الفادح في منظومة الدولة، ومنها إيران، فتركيا مثلاً نجحت لأنها وضعت نظامًا سليمًا، وعدالة انتخابية، وتداولًا للسلطة؛ والمعارضة فيها تقف في البرلمان لا خلف القضبان، وحتى حين حاول الجيش على علو شأنه، الاستيلاء على السلطة، وقف الناس ضده، ودخل قادته السجون، أما إيران فلا تزال تعيش وهم "السمو" والتعالي والغطرسة على الآخرين، وخاصة العرب، الذين جلدهم ظريف بسياطه وألقى اللوم عليهم فيما وصلت إليه إيران من هزيمة عسكرية ونفسية وفشل في كل الملفات.
إيران لم تنجح بقوتها الذاتية ولا بمشروع إداري رصين، بل بالظروف: دخولها العراق بعد الاحتلال، ولبنان واليمن بعد حروب أهلية، وسوريا بتفويض من السلطة الحاكمة العلوية، كانت كالفرقة الأضعف في الجيش، مهمتها الإجهاز على الجرحى، أما إدارتها للدول بعد الاحتلال كلنا شهود عيان، فيكفي أنها استعانت باسوء العناصر، فتحولت الدول إلى ركام بعد أن كانت دولًا.
لذا أرى أن إيران لا يمكن أن تكون حليفًا حقيقيًا لأي تنظيم أو دولة، ولا تمتلك القدرة على تحقيق آمال الحالمين، فحماس لم تُقتل أيٌّ من قياداتها في غزة، واستطاعت إسرائيل اغتيال اثنين فقط، أحدهما في الضاحية الجنوبية في لبنان، والآخر في طهران داخل معسكر الحرس الجمهوري وعلى مرمى حجر من مكتب ظريف، وما حدث حين قصفت الطائرات الإسرائيلية كل الدفاعات الأرضية الإيرانية، ثم شنت بعد ذلك بعدة اشهر حرب الأيام الـ12 بعناوين دقيقة للأهداف والشخصيات، دليل على عمق الاختراق داخل إيران.
ولعل قمة هذا الاختراق ما حدث في يناير 2018، وفي أوج انشغال الخليجيين بأزمة حصار قطر، حين حضر مئة شخص من جنسيات عدة من المخابرات الاسرائيلية بشاحنات ووقفوا أمام الأرشيف النووي الإيراني في قلب طهران، ليفرغوا الوثائق ويخرجوها من إيران، عملية تفاخر بها نتنياهو على شاشات التلفزيون منتشيًا بقدرة المخابرات الإسرائيلية، معلنًا أنهم يعكفون على ترجمة الوثائق، ويُقال إن الأمر أزعج يوشي كوهين، رئيس المخابرات آنذاك، الذي يميل للعمل بصمت، تخيّل: مئة شخص بسيارات أمام أهم مخزن يفترض أنه من أخطر ممتلكات الدولة، يفتحون الخزائن لساعات ويفرغوها، لذا أقول لظريف المشكلة ليست العرب.
هذه هي إيران: نمر من ورق، وغطرسة بلا مقومات، ودولة مخترقة، وهي العدو الذي تتمناه إسرائيل، لذا أعتقد أن الإشكالية الحقيقية أننا، رغم كل الحقائق لا يزال بعض السطحيين يتغاضى عنها ويشتري الوهم، وينسى القاتل وهو ينحر الضحية لأنه يشبعه بشعارات براقه.
السيد ظريف باختصار يطلب من العرب الامتنان لايران رغم الدماء والمهجّرين في سوريا وتدمير عاصمة العروبة بغداد، والعبث بأصل العرب اليمن، لأن قواته حين احتلت عواصم العرب كانت تصيح: عاشت فلسطين.
لذا مشكلة إيران ليست من العرب، بل من الداخل، إن استطاع ظريف والمفكرون معالجتها، فحينها يمكنه الحضور للمؤتمرات في الجانب الآخر من الخليج ويقول ما يشاء.
طريق النجاح في طهران فقط؛ فالشعوب يمكن حكمها بالحديد والنار لبعض الوقت، ولكن ليس لكل الوقت، تمتلك إيران من الإمكانيات والظروف ما يمكن أن يضعها في طليعة دول العالم، غير أنها انشغلت عن الداخل بالخارج واحتلال مدن العرب، فانهار الداخل وانهار معه إنجازاتها الخارجية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق