الخميس، 30 أكتوبر 2025

بناء القواعد القانونية على المصادر الفقهية

 تمهيد:

 

اتجهت الدول الحديثة للتقنين، فوضعت قواعد قانونية  يسير عليها القضاء، وتهدف بذلك إلى عدة أمور من أهمها توحيد الأحكام، وسهولة مراجعتها وحفظ حقوق المتقاضين من خلال القضاء الاستئنافي والتمييز، وبالعودة للتاريخ نجد أن مصر عانت معاناة حقيقية قبل تدشين العمل القضائي من خلال المحاكم الأهلية، ومن الأمثلة على ذلك ما كتبه عزيز خانكي بك في كتابه المحاكم الأهلية والمحاكم المختلطة، حيث ذكر أنه قبل إنشاء المحاكم الأهلية والمختلطة عام ١٨٧٥ كان في مصر أجانب يقارب عددهم الثمانين ألفا، تابعين لسبع عشرة جنسية ويتبعون سبع عشرة قنصلية كل قنصلية لها قضاء مستقل،  فعاش الجميع في فوضى قضائية جراء تلك الظروف، و القوانين المطبقة آنذاك كانت سبعة عشر نظاما قضائيا مختلفا، وتصدر الأحكام باسم سبعة عشر ملكا، والمتقاضي في أحيان  كثيرة لا يعلم إلى أي من المحاكم السبع عشرة يرفع شكواه.

 

وقد ظهرت الإشكالية في تعدد الخصوم واختلاف جنسياتهم، فتتعدد المحاكم في القضية الواحدة، أما المعضلة الحقيقية فهي في استئناف حكم خاطئ، فإذا كان المستأنف عليه فرنسيا وجب على الخصم المصري أن يسافر ويرفعها في محكمة إكس بفرنسا، وإن كان إنجليزيا فعليه أن يرفعها في محكمة لندن، وإذا كان أمريكياً ففي محكمة نيويورك، وإذا كان إيطاليا ففي محكمة إنكونا في إيطاليا، ثم يردف الكاتب: إلا أن سفر المصري إلى هذه البلاد البعيدة في ذلك العهد كان من المستحيل، فكان حكم الاستئناف وهما في وهم.

 

أتحدث في هذه الورقة عن تجربة مهمة، ولها انعكاس كبير على التشريعات العربية، وهي تجربة ملهمه في البحث عن القواعد القانونية وهي تجربة المشرع المصري، وفق عدة نقاط هامة:

 

ü  اختياره للمذهب الحنفي كاساس تشريعي.

ü  اصطدامه ببعض التفاصيل في المذهب لا تخدم غرضه القضائي ولجوءه إلى قواعد مذهب آخر (المالكي)، مثل الشروط المتحققة للقاتل ليحرم من الميراث.

ü  لجوءه لرأي فقهي لعالم منفرد ويعاضد ذلك التطور الطبي، مثل أقصى مدة للحمل.

ü  خروجه عن الدوحة السنية وذهابه للمدرسة الشيعية فيما يتعلق بجواز الوصية للوارث.

ü  إنشاء قواعد جديدة لم يراها احد من المذاهب القديمة أو العلماء، (الوصية الواجبة).

 

 

 

بناء القوانين من الفقه الإسلامي:

 

ومع تطور المحاكم المصرية من المحاكم المختلطة إلى المحاكم الأهلية، ظهرت رغبة حقيقية لوضع قواعد قانونية تسيّر العمل القضائي، فظهرت كثير من القواعد القانونية والتي عمل بها في القضاء وكانت نبراساً أخذ منها الكثير من القوانين العربية والإسلامية الأخرى.

 

وعملية تقنين الفقه بالغة التعقيد، وتحتاج لمناقشات مستفيضة، ونظرة ثاقبة للأمور، مثلهم كمثل من يصلح الساعات فلا يستقيم عمله لدقته إلا أن يستعين بمجهر يوضح له الصورة، ليستطيع القيام بعمله وإتمامه.

 

وهنا نسلط الضوء على بعض القواعد القانونية والتي أستمدها فقهاء القانون المصريين من التشريع الإسلامي، رغم تبنيه المذهب الحنفي كيف تعامل المشرع المصري مع المدارس الفقهية الإسلامية الأخرى، والآراء الاجتهادية الأخرى التي لا تنتمي إلى تلك الدوح السنية الكبيرة، وكيف خرج بتفكيره إلى مدرسة لا تنتمي للمذهب السني وأخذ قواعد مهمة من المذهب الإمامي وهو (شيعي) مع وضع بعض التحسينات، وكيف أنشأ قواعد قانونية جديدة لم يتبناها أي من الفقهاء السابقين من كل الفرق.

 

الانتقال بين المذاهب:

عام ١٩٤٣ صدر قانون الميراث المصري واعقبه بثلاث سنوات قانون الوصية، وهذه القوانين تعد بحق من أهم المحركات الاجتماعية والاقتصادية والتي يجب على الدول أن ترمم صدعها، وهي تنتمي لقوانين الملكية والتي وصفها الفقيه القانوني عبدالرزاق السنهوري بانها ذات وظيفة اجتماعية رئيسية بوصفها أداة لتأمين أهداف اجتماعية أهمها على الإطلاق "التماسك الاجتماعي".

 

والمشرع المصري اعتمد من المذاهب الفقهية الأربع  المذهب الحنفي مصدرا للتشريعات، إلا أنه وهو يصيغ القانون واجه في بعض مراحله عدم تناغم رأي المذهب مع غرضه القضائي، لذا كان مرنا و تنقل بين المذاهب ليأخذ أحكامه التي تعوضه عن أحكام المذهب الحنفي، ولعل من القضايا المهمة التعامل مع قاعدة (ليس للقاتل من الميراث شيء)، و(من استعجل الشيء قبل أوانه كوفئ بحرمانه) حيث أجمع الفقهاء على استبعاد القاتل ولكن الخلاف  كان في الشروط المتحققة لصفة القاتل ليتحقق استبعاده، فقد أغلق الشافعية الأمر وجعلوه بإطلاقه سواء كان مكلفا أو غير مكلف، عاقلا أو مجنونا، صغيرا أو كبيرا، متعمدا أو غير متعمد، إلا أن الحنفية لهم نظرتهم الخاصة في ذلك، حيث يرون أن القاتل هو المباشر سواء كان متعمدا أو غير متعمد، أما إن كان متسببا فلا يحرم الميراث حتى لو كان متعمداً، و هنا ظهرت المعضلة لدى المشرع المصري وهو يعد مشروعه بإشكالية سوف يواجهها مستقبلا إن  اعتمد هذا الأمر، مثال ذلك: أعدم رجل بشهادة زور من شخص سوف يرثه إن مات، هنا القتل بالتسبب وليس مباشرا، إذن وفقاً للمذهب الحنفي لا يحرم من الميراث، أما من انقلب دون إدراك وهو نائم على من سوف يرثه وأدى ذلك إلى قتله فهو يوصف بأنه قتل مباشر ويحرم من الإرث، الإشكالية في هذين المثالين هو التعامل القضائي معهم، ففي قضية شهادة الزور والتي أدت إلى قتل المورث فتحكم المحكمة الجنائية بالإعدام، أما المحكمة الشرعية  فتحكم بتوريثه، وفي المثال الآخر وهو القتل المباشر وإن كان غير متعمد تحكم المحكمة الجنائية بعدم المسؤولة الجنائية، أما المحكمة الشرعية فتحرمه من الإرث.

 

لهذا تخلى المشرع المصري عن المذهب الحنفي في جزئية توصيف القاتل ووجد ملاذه في المذهب المالكي، فهو الأنسب والأقرب إلى المنطق وحتى لا يتفلت الجناة بجرائمهم، والأهم عدم وجود فجوات قضائية كبيرة بين مختلف أنواع المحاكم في الأحكام وتناقضات قد لا يتقبلها المتقاضي وهو حرمان القاتل سواء مباشراً أو بالسبب، وفي مكان آخر نجد المشرع السعودي تخلى عن التمسك بالمذهب الحنبلي فيما يتعلق بعدم توريث المتسبب بحادث السيارات أدى إلى وفاة مورثه، وحسب اشتراطات المذهب الحنبلي يحرم من الإرث، لأن القاتل المحروم من الميراث حسب توصيف المذهب هو من عليه القصاص أو الدية أو الكفارة، ليصدر قرار من هيئة مجلس كبار العلماء في أغسطس ٢٠٠٢ بتوريث المتسبب في الحادث والذي أدى لوفاة مورثه، خروجا عن أصل المذهب الحنبلي، وأكد أن هذا التوريث يتحقق إن لم تقم تهمة بتعجيل موت مورثه، وترك للقاضي السلطة التقديرية، و مثل هذا القرارات كان لها الفضل في إنشاء مساحة للنقاش المستفيض، حيث توالت دراسته حسب بيان الهيئة في دورات المجلس (٥٣، ٥٤، ٥٥، ٥٦)، وأشار في ديباجة قراره إلى رأي الإمام مالك في توريث القاتل من تركة المقتول دون ديته، لذا نجد المشرع السعودي يذهب لمنطقة ابعد من حوادث السيارات، حيث صدر نظام الأحوال الشخصية عام ٢٠٢١ الذي نص في مادته المئتين في موانع الإرث المادة الثالثة "يرث من قتل مورثه خطأ من التركة دون الدية"، هنا انتقل من حوادث السيارات، والتي عولجت بتعميم إلى الخطأ، وهنا كما يتبين لنا خطأ باطلاقه سواء بالفعل أو القصد، وقد فسر كثير من شراح القانون منهم عبدالقادر عودة في التشريع الجنائي، فالخطأ في الفعل كمن يرمي حجراً ليتخلص منه فيصيب احد المارة، أو يرمي صيدا فيخطئ يصيب آدمياً، أما الخطأ في الظن كمن يرمي ما يظنه حيواناً فإذا هو انسان.

 

والمشرع القطري كي يتلافى مثل هذه الإشكاليات وضع قاعدة عامة لحرمان القاتل من الإرث، واضحة وجليه وليست كما يقال حمالة أوجه، فقد كتب المشرع القطري:

"يحرم من الإرث من قتل عمداً مورثه، سواء كان فاعلاً أصلياً أو شريكاً أو متسبباً، إذا كان عند ارتكابه الفعل عاقلاً بالغاً حد المسؤولية الجنائية".

 

لذا أجد أن هذه المادة واضحة في المقصود وهو القتل العمد، سواء بمباشرة أو بالتسبب، ويكون عاقلاً بالغا حد المسؤولية الجنائية، و"المسؤولية الجنائية" هي المرحلة التي تكتمل فيها ملكات الإرادة والإدراك والتميز وحرية الاختيار لدى الإنسان، وقد حددها المشرع القطري بستة عشر عاماً.

 

استخراج القواعد الفقهية:

 

أن استخراج القواعد القانونية أمر في غاية الأهمية وقد يظن أحدهم أنه أمر سهل وهذا الظن غير صحيح باطلاقه، ولا يمكن في التشريع  أن يكون بنظام التقليد الحرفي فلكل مجتمع خصوصيته، حتى في القضاء هناك صفات عامة للأفراد والمناطق يجب على القاضي أن يلم بها لأنها سوف تكون جزءا مهما من الأحكام الصادرة عنه، مهنة القضاء لا تقف على التمكن العلمي أن لم يمتلك معها معرفة كافية بالمجتمع وأفراده وطبائعهم، ونذكر هنا أن السنهوري رحمه الله حين طلب منه الشيخ زايد بن سلطان ال نهيان رحمه الله كتابة دستور الإمارات العربية بعد ظهور دولة الاتحاد، اعتذر لأن كتابة الدستور حسب رأيه تحتاج فردا مندمجا في المجتمع  لسنوات عديدة يسمع آمالهم وآلامهم ويعلم دقائق خصوصيتهم المجتمعية، لذا يعد القانون هو صمام أمان المجتمع، ويحتاج دائماً إلى قراءة عميقة قبل إنشاء القواعد القانونية مع امتلاكنا للقدرة على التعامل معها.

 

ووضع القواعد القانونية العامة والمجردة، لها هدف واحد هو تحقيق العدالة، وضمان سلامة المجتمع، وصيانة هذه السلامة، كما يحمي الأفراد من شرور أنفسهم والآخرين، والمجتمع يقوم على قيم ومباديء لا يمكن تجاوزها، ووضع قاعدة يحتاج المام بالتفسير القراني والسنة النبوية و اراء الفقهاء، ومعرفة اجتهادات الماضين وهناك مثل شهير من التاريخ، إذ وقف عثمان بن عفان رضي الله عنه على المنبر، وتحدث عن امرأة ولدت في ستة أشهر، وسأل الصحابة عن كيفية التعامل مع هذه الحالة، هناك شعور بوجود جرم حدث من تلك السيدة بسبب أمر استثنائي لا يحدث عادة، وهو أن تلد أمرأة في مدة ستة أشهر.

‏ 

‏هنا يتجلى جمال التفسير القانوني لبناء قاعدة قانونية، حين تصدى ابن عباس رضي الله عنه لهذه المسألة من خلال آيتين في القرآن، قال: يا أمير المؤمنين، إن الله في كتابه يقول: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين (البقرة)، ويقول في موضع آخر: وحمله وفصاله ثلاثون شهراً (الأحقاف).

‏ 

‏فإذا كان الحمل والرضاع ثلاثين شهراً، والرضاع حولين كاملين أي سنتين، وهي 24 شهراً، يبقى من الثلاثين ستة أشهر، وهي مدة الحمل وذلك في كتاب الله.

‏ 

‏وهكذا انتهت القضية بذلك التفسير القانوني الرائع المستمد من القرآن لحالة استثنائية تحدث اليوم كثيراً ومعروفة ولها تفسير مع التقدم الطبي، جمال هذه المسألة يكمن في الربط بين آيات من القرآن لاستنباط الحكم الصحيح، كان ابن عباس في تلك المسألة الرجل المناسب في المكان المناسب ليضيف قاعدة قانونية مهمة وهي مطبقة اليوم في اغلب التشريعات، حيث ينص قانون الأسرة القطري على أن أقل مدة للحمل هي ستة أشهر.

 

مما سبق نجد أنه مع العلم الحديث والتقدم الطبي تخلى المشرع المصري ومعه كل التشريعات الحديثة عن بعض الآراء الفقهية القديمة، وقد عرفنا أن أقل مدة للحمل هي ستة أشهر، ولكن ماذا عن أقصى مدة؟

 

لن أذهب إلى تفاصيل الخلافات في المذهب نفسه، فالآراء متباينة في المذهب نفسه، وفي المسألة خلاف كبير جدا، ولكن سأضع الترتيب لندرك أن القوانين الحديثة تجاوزت هذا الأمر من خلال التقدم الطبي الحديث، وقد ذكرت في عدة مؤلفات منها كتاب قانون الوصية والمواريث للشيخ فريد واصل مفتي مصر رحمه الله:

 

ü  يرى محمد بن الحكم من المالكية يقول إن أقصى مدة للحمل سنة هلالية.

ü  السيدة عائشة رضي الله عنها تقول سنتين.

ü  الليث بن سعد عنده أن أكثر مدة للحمل ثلاث سنوات.

ü  الشافعية الحنابلة يقولون أربع سنوات.

ü  المالكية خمس سنوات، بناء على قضية نساء بني جعل.  

 

والمشرع المصري تماشيا مع الطب الحديث أخذ برأي محمد بن الحكم من المالكية، ولكنه أضاف إليه تعديلا زيادة في الاحتياط، فأزال كلمة "هلالية" وأضاف كلمة "شمسية"، ونحن نعلم أن السنة الشمسية تزيد عن الهلالية بأحد عشر يوما، وتماشى معه المشرع القطري وكتب "سنة"، ولم يشغل نفسه بالتوضيح، و من المعلوم أن جميع الاعتمادات الوقتية في قطر تعتمد على الشهور الشمسية "الإفرنجية" كما يطلق عليها مجازا.

 

خروج المشرع من كل الآراء الفقهية السنية:

 

هناك أمر آخر أشغل المشرعين بالنقاش قبل إقراره، وبعد الإقرار، لتعرض على المحاكم الدستورية عدة مرات، وهي الوصية للوارث، وقبل أن نسترسل نطرح سؤالا، هل يجوز الوصية للوارث؟

 

ذهب ابن حزم الظاهري والمذهب الشافعي في قول والأظهر من المالكي إلى عدم جواز الوصية للوارث بالإطلاق، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم "لا وصية لوارث".

الحنابلة والشافعيّة في الأظهر عندهم أن الوصية لا تصح للوارث إلا إذا أجاز الورثة، لحديث البيهقي "لا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة".

وذهب الحنفية إلى نفس الرأي، ولكن تميزوا بأنهم لا يعتدون بالإجازة قبل الوفاة، فيجب على الورثة أن يجددوا إجازتهم بعد الوفاة ولهم الحق بعدم الإجازة.

وذهب الإمامية إلى جواز الوصية للوارث، وإن لم يجز الورثة لعموم قوله تعالى: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين.

وقد أخذ قانون المواريث المصري بقول الشيعة الإمامية؛ فأجاز الوصية للوارث وغير الوارث في حدود الثلث، من غير توقف على إجازة الورثة، وذلك في المادة (37) منه؛ فقد جاء نصها على النحو الآتي:

"تصح الوصية بالثلث للوارث وغيره من غير إجازة الورثة".

 

وبذلك خالف القانون مذهب الأئمة الأربعة وعامة الفقهاء، كما يُلاحَظ أن القانون أخذ بمذهب الإمامية في حدود الثلث فقط بدون إجازة، والباقي يتوقف على الإجازة، مع أن الإمامية لم يذكروا هذا التقييد، حيث يجوز للوارث الوصية في أي مقدار، ولو بزيادة على الثلث، وفي هذا التقييد لا نجد للقانون سندًا فقهيًا أو شرعيًا في أي مذهب من المذاهب الفقهية. (الشيخ محمد ابوزهرة في كتابه المواريث على المذهب الجعفري قال ان الشيعة يقيدون الوصية للوارث بحدود الثلث).

 

ولمناقشة باعث المشرع المصري في الأخذ بالوصية للوارث، نعود لتطور المجتمع في مثل هذه القوانين، الإشكالية تظهر من التفكك الاجتماعي، وبلوغ الرجل من العمر ما يجعله ينظر بكثير من الخوف و الوجل إلى أبنائه وخاصة من لم يبلغ من السن ما يستطيع ان يستقل ويعمل للاكتساب، أطفال لا يملكون من أمرهم شيئا، لذا تدخل المشرع  لخلق الاتزان في هذه العلاقة، وإن كان هذا التدخل ما يزال يثير الكثير من النقاش حتى يومنا هذا، واضع هنا رأي للشيخ علي الخفيف في كتابه احكام الوصية وقد وضع بعض التبريرات للمشرع في ذلك حيث قال: وقد أخذ القانون بهذا الرأي لحاجة الناس إليه، فإن منع الوصية للوارث يحول بين المورث وبين أن يصل بعض ورثته، مع أنهم قد يكونون أحب إلى نفسه واحنى عليه وأولاهم بعطفه وبره لما قدموه له من خدمات، وما حبوه به من بر وما أظهروه نحوه من إخلاص، وربما شاركوه في بناء ثروته أو كانوا أحوج من غيرهم لصغرهم أو مرضهم أو ضعفهم، وقد يكون غيرهم عاقا سيء الخلق شرسا في معاملته لا يراعي لمورث إلاًّ ولا ضعفا ولا قوامه، ولا يذكر له برا ولا معروفا قدمه، فلا تطيب نفسه مع هذا أن يسوي بينه وبين من رأى فيه البر وشاهد منه العطف وأنس منه المودة.

 

ولهذا بحث الناس عن طرق أخرى لتحقيق رغبتهم هذه، فلجأوا إلى الإقرار تارة، وإلى البيع الصوري ونحو ذلك تارة أخرى، ولهذا رؤي أن من الخير أن يجد الناس إلى تحقيق رغباتهم في مجازاة المحسن بالطرق المشروعة الحقه، دون أن يلجأوا إلى طرق باطلة يلبسونها ثوب الحق. (انتهى الاقتباس)

 

 ودعاوي الأبطال في المحاكم الدستورية مستمر، إلا أنه ما يجري به العمل في القضاء والفتوى المصرية هو جواز الوصية للوارث، وجملة "مما جرى العمل به" والتي تنهى به عادة الأسئلة هو إقرار أن هذه المسالة لا تنتمي للمذهب المعمول به في الدولة، ولكنه يتم التعامل به.  

 

وفي موقع الفتاوى في دار الإفتاء المصرية، تتم الإجابة حسب ما تم إقراره تشريعياً منذ عام ١٩٤٣، وهذه بعض النماذج لفتاوى حديثة:

في الفتوى رقم ٤١٧١ لسنة ٢٠١٧ من دار الإفتاء المصرية عن سؤال لأحدهم هل يجوز كتابة وصية لابنته في حدود ثلث ما يملك؟ كانت الإجابة بأن الوصية جائزة للوارث وغير الوارث في حدود الثلث وهو ما جرى عليه العمل في الديار المصرية إفتاء وقضاء.

 

وفي الفتوى رقم ٤١٨٤ من نفس العام توفي شخص وترك وصية لأحد الورثة، وسأل أحدهم دار الإفتاء عن ذلك فأجابت: من المقرر شرعا أن الوصية جائزة للوارث وغير الوارث، في حدود ثلث التركة، وهذا ما عليه العمل في الديار المصرية إفتاء وقضاء.

 

وقبل أن أغادر هذا الجزء من الوصية للوارث لا أستطيع أن أتجاوز رأي الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية، في كتابه (المواريث في الشريعة الإسلامية):

 

إن الوصية قد ارتفعت وتحول حقه إلى الميراث، فإذا تحول فلا يبقى له حق في الوصية كالدين إذا تحول من ذمة إلى ذمة، لا يبقى في الذمة الأولى شيء، وكالقبلة تحولت من بيت المقدس إلى الكعبة فلم يبق بيت المقدس قبلة، وهذا النوع من النسخ يسمى في علم أصول الفقه النسخ بطريق التحويل من محل إلى محل آخر.

 

استحداث قواعد قانونية:

 

ناتي لأمر مستحدث، لم يناقشه الأولون من المدارس الفقهية المختلفة، ولا حتى العلماء المستقلون القدامى وهو ما يسمى، ب "الوصية الواجبة".

 

"كتب عليكم إذا حضر احدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين".

 

هذه الآية هي من الأسس التي قامت بتشريع الوصية الواجبة، كتابة الوصية للوالدين والأقارب، وقد أثارت هذه الآية نقاشا هل هي من الآيات المنسوخة أم المحكمة، هناك من تبنى الرأي الأول وآخرون قالو بالرأي الثاني، ليظهر رأي وسط أنها نسخت فيما يتعلق بالوالدين والأقربين الوارثين، وأبقت على الأقارب الذين لا يرثون، وممن قال بذلك ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وطاوس، وابن حنبل، والطبري وابن حزم. (الفرائض والمواريث محمد الزحيلي).

 

وابن حزم على وجه التحديد قال بوجوب إخراجها من تركة الميت ولو لم يوص بها، وقال في المحلى: وفرض على كل مسلم أن يوصي لقرابته الذين لا يرثون، إما لرق أو لكفر، لأنهم محجوبون عن الميراث أو لأنهم لا يرثون فيوصي لهم بما طابت به نفسه، لا حد في ذلك، فإن لم يفعل أعطوا ولا بد ما رآه الورثة، أو الوصي.

 

وهذا الأمر طرح في قانون الوصية عام ١٩٤٦ لمعالجة واقع اجتماعي، بزيادة الشكوى لولي الأمر بسبب وفاة الابن قبل أبيه ولديه أطفال صغار، وبعد وفاة الجد يحرمون من ميراثه بسبب حجب الأعمام، وربما هم أحوج ما يكون لمال جدهم وقد يكون أبوهم هو من ساهم في تأسيس ثروة الجد، ومما زاد الطين بلة إنفراط العقد وتفكك الأسر وغياب العواقل، وهي منظومة اجتماعية تكافلية قديمة.

 

ولكن فقهاء القانون في ذلك يفسرون الماء بعد الجهد بالماء، ويعودون فيستندوا إلى قاعدة شرعية: أن لولي الأمر أن يأمر بالمباح متى ما رأى في ذلك مصلحة، ومتى ما أمر وجبت طاعته، وأمره يولد حكما شرعيا.

 

وتستند كذلك إلى قواعد العدالة، في تحديد الأنصبة على أن تكون بالمعروف والتي وردت في الآية سالفة الذكر، والمعروف يعرف في كتب الفقه بأنه ما تطمئن إليه النفوس والفطر ولا تنبو عنه المصلحة، وهو العدل الذي لا وكس فيه ولا شطط.

 

نرجع للوصية الواجبة، والتي أثارت كثيرا من النقاشات الفقهية والجدل، هنا لا نتحدث عن الخروج من المدرسة الحنفية إلى غيرها من المدارس، بل إنشاء قواعد قانونية شرعية من العدم، فقد ذكر الشيخ شوقي علام مفتي الديار المصرية في كتابه من أحكام الفقه الإسلامي في المواريث والوصية الواجبة وقانون المواريث، اقتطع هذه الجملة وهو يقصد الوصية الواجبة: "أتى هذا القانون بأحكام جديدة لم ترد في مذهب من المذاهب الفقهية المعروفة أو غير المعروفة، ولكنها تستند في أكثر تفصيلاتها إلى أحكام جزئية وردت في مذاهب متفرقة قام المشرع الوضعي بالتلفيق بينها". انتهى الاقتباس.

 

مع هذا الاجتهاد المقرر المفروض طرحت الكثير من الأسئلة، هل يحق للدولة التدخل في المال الخاص؟ وماذا إن كان الأحفاد أغنى بكثير من الأعمام؟ .

 

لذا رغم انتشار هذا القانون في كثير من التشريعات إلا به بعض النواقص بحاجة إلى إعادة نظر، المشرع الليبي مثلا رفض فكرة أن الحفيد يأخذ أكثر من الابن الصلبي، ويتحقق ذلك في الرجل يتوفى وله خمس بنات وابنة ابن، حيث تأخذ البنت الأبعد أكثر من البنت الصلبية، لذا قيد الأمر في تطبيقات الوصية الواجبة بحيث إنه لا يأخذ الأحفاد أكثر من الأبناء.

 

ختاما، فقد تحدثت في هذه الورقة  عن المشرع المصري والذي له بادرة الاجتهاد في تقنين الفقه الإسلامي، ضمن قواعد قانون الأسرة والوصايا، وتحدثت عن نقاط فيه، صفة القاتل المحروم من الميراث، والذي جعله يضطر للخروج من أحكام الفقه الحنفي إلى أحكام الفقه المالكي، والأخذ بآراء منفردة لعلماء وترك الرأي المذهبي كما في مدة الحمل، وكيف خرج من المذاهب السنية الأربعة والعلماء المستقلين ليأخذ حكما من المذهب الإمامي الشيعي كما في الوصية للوارث، وأخيراً كيف أنشأ قواعد قانونية من العدم ومن تفسيرات لبعض العلماء منهم ابن حزم، وأخذ جزئية من ذلك التفسير ليسد به إشكالية مجتمعية كما في الوصية الواجبة.  والحمدلله على توفيقه.

 

 

 

المحامي خليفة آل محمود


الثلاثاء، 28 أكتوبر 2025

كيف ينظر الغرب إلى القانون،،،

 في جامعة قطر حضرت نقاشا عن الارتباط بين القانون والعلوم الاجتماعية، كانت محاضرة جميلة للدكتور حسن أحجيج، فتحت أذهاننا لفكر جديد.. بعد المحاضرة دار نقاش طرحت فيه إحدى الأكاديميات آراء حول هشاشة المعرفة القانونية في عالمنا العربي، وضرورة وضع مادة قانونية ملزمة لكل الطلبة أسوة بالجامعات الغربية، ونبهت إلى أن التجربة القانونية الدولية ضعيفة في التعامل مع دولة مثل إسرائيل. لم يكن هناك متسع من الوقت للنقاش، فأحببت أن أبدي رأيي المتواضع حول التأسيس القانوني في التعامل مع إسرائيل.. قبل أن أبدأ، أشير إلى أنني أود أن أطرح رأيي متجرداً من كل عاطفة متعلقة بالدين أو العرق، وهو رأي قانوني تبنَّى بعضه كبار الفقهاء القانونيين الغربيين، ولم يثُر على مدى التاريخ حديث قانوني كما حدث في قضية فلسطين.


أوجد الغرب هذه المعضلة بالمقولة الكاذبة: “إعطاء أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، ومنذ اللحظة الأولى لصدور وعد بلفور، في نوفمبر من عام ١٩١٧، حاولت بريطانيا التمسك بقانونية ذلك التصرف عبر رسالة، جزء منها ملزم وهو وعد بإعطاء أرض فلسطين لليهود، وجزء آخر غير ملزم هو ضرورة المحافظة على حقوق القوميات والأديان الأخرى، وبعد فترة، أي في بداية العشرينيات من القرن الماضي، كانت لها محاولات للتخفيف من حدة ذلك الوعد عبر ما سُمِّي “الكتاب الأبيض”، ولكنها واصلت العمل على إنفاذ ذلك الوعد.



نذكر أولا أن فكرة الانتداب ظهرت عام ١٩١٨ من بنات أفكار الجنرال (يون سمتس)، وهو وزير بريطاني في وزارة الحرب، وكان مصطلح “الانتداب” تعبيرا جديدا في اللغة القانونية والسياسية؛ نالت هذه الفكرة ترحيبا كبيرا من الرئيس الأميركي ولسون، ولعل ظهورها في ذلك الوقت كان لتجهيز السكين بغية سلخ كثير من الدول عن الإمبراطورية العثمانية مع قرب انهيارها، لذا ساهمت في التشكيل السياسي والقانوني لتصبح من أهم محركات المشهد في الشرق الأوسط.



ولتمرير فكرة الانتداب نشأت عبارة تبرر ما سوف يحدث في قادم الأيام، وقد ذُكرت في نص المادة (٢٢) من ميثاق عصبة الأمم، وفيها: “حيث إن كثيرا من الأقاليم لم تعد تحت سيادة الدول التي حكمتها، ولم تبلغ شعوبها تلك المرحلة التي تستطيع معها النهوض وحدها، لذا ستصبح وديعة مقدسة في عنق الحضارة”. إذن أصبح كثير من الدول الضعيفة “وديعة مقدسة”، والأهم في ذلك أن الانتداب صار له أساس قانوني.



في المحصلة ظهرت دول لها حق قانوني، وهي ملزمة بواجب، لإدارة دفة دول أخرى لا تستطيع أن تقوم وحدها بتسيير أمورها؛ دون المساس بالشكل الجغرافي أو السكاني لهذه الدول، القانون يحكم الطرفين والأمر لا يتعلق بالمنطقة فحسب، بل بكثير من مناطق العالم التي سيطر عليها مستعمر متحضر يدّعي التزامه بوديعة مقدسة.. هذا التمهيد ضروري لنطرح فكرة البعد القانوني لما يسمى بإسرائيل.



وعد بلفور وإنفاذه من قبل المستعمِرة بريطانيا، ذلك التصرف هو أول تعدٍّ قانوني لما يسمى الوديعة المقدسة والانتداب، ونأخذ في هذا السياق رأي أحد كبار فقهاء القانون، وهو (البروفسور إيان براونلي) أستاذ القانون الدولي في جامعة أوكسفورد، حيث قال بعد قرار تقسيم فلسطين من قبل الأمم المتحدة إلى دولتين عربية ويهودية :”من المشكوك فيه ما إذا كان لدى الأمم المتحدة قدرة على نقل الملكية جزئيا، لأن المنظمة لا تستطيع الاضطلاع بدور السيادة الإقليمية، المنظمة ليست دولة، والجمعية العامة لها صلاحية التوصية فقط، لذا فإن القرار الصادر سنة ١٩٤٧، والذي تضمن خطة تقسيم فلسطين، كان على الأرجح خارج نطاق الاختصاص، وحتى لو لم يكن كذلك، فهو في مطلق الأحوال غير ملزم للدول الأعضاء”. وإذن، فقانونية المنظمة الدولية من حيث التقسيم على أسس دينية مبدأ ساقط، وذلك برأي فقيه من أهم فقهاء القانون الدولي.



ونأتي إلى طريقة قبول إسرائيل في المنظمة الدولية، فقد تقدمت الحكومة الإسرائيلية المؤقتة، في نوفمبر من عام ١٩٤٨، بطلب إلى الأمين العام للأمم المتحدة للانضمام إلى عضويتها، وفي ديسمبر رفض المجلس طلب إسرائيل، وسبب الرفض جاء لأسباب متعددة، منها ضرورة الموافقة الصريحة على وضع القدس تحت إدارة دولية وبإشراف الأمم المتحدة، الأمر الذي لم تسعَ إسرائيل لتطبيقه، حيث عززت من حضورها وافتتحت المحكمة العليا فيها وجعلت من القدس مقرا لرئيس الدولة؛ والسبب الآخر عدم جدية إسرائيل في إعادة اللاجئين إلى ديارهم، أو تقديم تعويض عادل لمن لا يرغب في العودة.



في مارس ١٩٤٩ أعادت إسرائيل المحاولة، واستندت هذه المرة في تقديم طلبها إلى توقيعها اتفاقية الهدنة مع مصر، لتُظهر نفسها على أنها دولة محبة للسلام ولا تسعى للحرب. وبعد مناقشات كبيرة ومعارضة مصر وإعلان بريطانيا أنها لن تستخدم حق النقض ضد القرار لكنها سوف تمتنع عن التصويت، لم تجد إسرائيل بُدّا من تقديم تعهد بالتزام القرار رقم ١٨١ بقبول قرار التقسيم ومبدأ الدولتين، والقرار رقم ١٩٤ الخاص بعودة اللاجئين ومدينة القدس، والالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بوصف ذلك شرطا مسبقا للموافقة على قبولها في المنظمة الدولية، وقد سُجل هذا التعهد الإسرائيلي، وصدر بعده القرار رقم ١٣٧٣ في مايو ١٩٤٩، بقبول إسرائيل في هيئة الأمم المتحدة مع التزام إسرائيل بالقرارين ١٨١و ١٩٤.



بذلك تكون إسرائيل هي الدولة الأولى في المجتمع الدولي، التي قُبلت عضويتها بناء على شروط، خلافا لكل الدول الأعضاء في المنظمة الدولية، وبموافقتها على ذينك القرارين تكون هي الدولة الأولى التي اعترفت بدولة فلسطين، ولا يزال ذلك الاعتراف قائما حتى هذه اللحظة، ولا يُعتد بعدم اعترافها اللاحق. وبناء على ذلك صدر القرار رقم ٢٧٣ بقبول إسرائيل في عضوية الأمم المتحدة، بتصويت تسعة أعضاء وامتناع بريطانيا عن التصويت ومعارضة مصر.



هذا القرار صدر استثنائيا، ومشروطا بالوفاء بالتعهدات التي أقر بها ممثل إسرائيل أمام اللجنة السياسية الخاصة، بالالتزام بالقرارين ١٨١ و١٩٤، وها نحن اليوم في عام ٢٠٢٣؛ هل التزمت إسرائيل بتلك التعهدات؟.. بالقانون، هناك عقود معلقة على شرط واقف أو فاسخ ، إذن وجود إسرائيل في المنظمة الدولية غير شرعي، ويُفسخ لعدم تحقق الشرط الذي التزمت به لقبولها خلال ٧٠ عاما.

وللعلم فإن إسرائيل تحرص دائما على تقديم نفسها على أنها دولة تلتزم بالقانون، حتى المناطق التي استولت عليها في بداية عام ١٩٤٨ وبعد تهجير الأهالي، عملت على نقلها إلى المهاجرين اليهود بوضع شكل قانوني و بتسجيل رسمي، واستمرت دائما باتباع هذه الإستراتيجية لتظهر أنها ذات نهج قانوني حضاري، ولعل أوضح مثل صارخ يدل على توجهها، ما حدث في مطلع الثمانينيات بعد ظهور صور لبشاعة ما حدث في مخيم صبرا وشاتيلا الفلسطيني، والمجازر التي ارتُكبت ضد الأطفال والنساء والشيوخ العزل، حيث شُكِّلت لجنة قانونية للتحقيق في ما حدث (لجنة كاهان)، وتعمدت وسائل الإعلام الإسرائيلية إبرازها، وإظهار رئيس الوزراء مناحيم بيغن أمام القاضي لينفي مسؤولية حكومته عن تلك المجزرة، لتخرج اللجنة بتوصيات تُظهِر للرأي العام العالمي أنهم يديرون الدولة بمنظور سيادة القانون، ويفرضون توصيات غير ملزمة بجزاءات على عدد من الوزراء وقيادات من الجيش، وأن تلك المجازر نجمت عن أخطاء فردية والدولة ليست متورطة فيها، يحدث ذلك في حين كان (إيلي حبيقة) الذي دخل المخيم وقاد مجموعة من القتلة ليرتكبوا تلك المجزرة، يحظى بالرعاية السورية ويتوج إثر ذلك وزيرا في لبنان، والمضحك أنه حصل على وزارة الرعاية الاجتماعية، وصار يتنقل بين عواصم الدول العربية وزيرا مبجلا رغم أنه سفاح.



هناك مبدأ قانوني في كل الشرائع الموجودة يقول: “إن ما بُني على باطل فهو باطل”، وعليه فرغم كل محاولات الإسرائيليين لإظهار قانونية دولتهم وتصرفاتهم، ينطبق على كيانهم الوصف القانوني (هو والعدم سواء).



أخيراً، نعرج على ميثاق روما الذي أُسست بموجبه المحكمة الجنائية الدولية، فقد نصت المادة ٨ من الميثاق:


“جرائم الحرب ومنها:

8. قيام دولة الاحتلال على نحو مباشر أو غير مباشر بنقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأرض التي تحتلها، أو إبعاد أو نقل كل سكان الأرض المحتلة أو أجزاء منهم داخل هذه الأرض أو خارجها”.


كما يقال.. لا يحتاج هذا النص إلى تفسير أو تأويل، بل هو نص صريح ينطبق على المستوطنات التي تقيمها دولة الاحتلال بعد أن تُخرج السكان الاصليين، متجرّداً من كل عاطفة حاولت استعراض قانونية ما يحدث في أهم قضية عالقة في هذا الوجود.