الاثنين، 13 أكتوبر 2025

قصص جميلة نخرج منها بقواعد قانونية

 في القانون لدينا قواعد أساسية لتحقيق العدالة؛ أولها المركز القانوني الواحد، وثانيها سلامة الإجراءات الجنائية، وقد أتيتُ بحادثتين من التاريخ لتأكيد هذه المعاني، فمن الجميل أن ننظر في القصص ونستنبط منها القواعد المهمة.

 

(عبد الله بن حرام) قاتل يوم أُحد بشجاعة مفرطة، واستُشهد وهو يحاول أن يمنع الأعداء من الوصول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهداء أُحد لهم مكانة عظيمة في قلب الرسول، إذ لم ينقطع ذكرهم عنه، وعبد الله بن حرام واحد منهم، وقد ورد في الحديث أن الله كلَّمه كِفاحًا بعد استشهاده.

 

لهذا الرجل ابنٌ هو جابر، وكان والده قبل ذهابه إلى المعركة قد أوصاه بعدة أمور، منها دين عليه ليهودي يجب أن يؤدَّى، وبعد استشهاده جاء اليهودي يطالب جابرًا بالدَّين، فجاء جابر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم شاكيًا من ثقل الدَّين، وطلب أن يكلِّم اليهودي في التأجيل.

 

ذهب الرسول إلى اليهودي وطالبه بالتأجيل، فرفض، ثم طلب منه سداد الدين على سنتين، فأجاب اليهودي: أريد دَيني كله في الموعد الذي اتفقتُ عليه مع أبيه.

 

فقال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر: اقضِ دين أبيك. وقد فعل جابر.  

 

لهذه القصة بُعدٌ نفسيٌّ وقانونيٌّ مهم؛ فنحن نتحدث عن رئيس كيان المدينة، يطلب من مواطن لديه لا يؤمن برسالته ولا بدينه أن يُؤجِّل الدَّين أو يُقسِّطه لصالح شخص من أخصّ خاصته، وقد مات دفاعًا عن دينه، نقول يطلب وهو قادر على ان يأمر ويطاع.

 

وحسب تلك الأحوال، فإن كل ظروف المحاباة كانت موجودة، ولكن الأسس القانونية التي كرَّسها نبي الرحمة في مدينته كانت أن المواطنين في "مركز قانوني واحد" مهما اختلفت أديانهم.

 

قصةٌ لعلها من الإضاءات القضائية التي ينبغي أن تُعلَّق — ليس في المحاكم فقط — بل في أعظم هيئة قضائية في هذا الوجود، فالعاطفة والمحبة سمتان جميلتان، لكنهما لا تعلوان على الحقوق، والعدالة وُجدت للتطبيق لا للتنظير.

 

ننتقل إلى المستقبل:


أتذكرون قصة عمر المختار؟


لقد أبدع المخرج مصطفى العقاد في إخراج فيلم رائع عنه، شيخ طاعن في السن يُقبض عليه، وتتم محاكمته ويُعدم أمام شعبه في مكان عام، لكن ما غاب عن المخرج أن يُبرز للمشاهد معلومة قانونية في غاية الأهمية، وهي أن القبض على عمر المختار ومحاكمته وإعدامه استغرقت ثلاثة أيام فقط!

 

تخيل قانون دولةٍ تدّعي الحضارة وتحارب البربرية، تقبض على رجل وتحاكمه وتعدمه في ثلاثة أيام لرجل تهمته الدفاع عن وطنه ضد محتل!

في قانون الإجراءات هناك طرق قانونية طويلة للإثبات، لكن ما حدث باختصار هو قتل همجي باسم القانون، حيث لا يمكن بأي حال من الأحوال إنفاذ العدالة خلال ثلاثة أيام.

 

قصةٌ يجب أن تُذكر كأحد أبرز الأمثلة على القتل باسم القانون، وهو ما استمرّ كثيرًا حتى يومنا هذا، الغريب هو محاولة الإنسان تبرير تصرفاته وتجميلها، والأغرب أن الجميع يدرك جَوره، وفي قرارة نفسه يعلم أن الأمر لا ينطلي على أحد، ومع ذلك يستمرّ فيه.

 

لهذا يقف المنصفون كثيرًا عند القيم الراسخة التي جعلت المسلمين — على قلتهم — يقودون العالم.

 

فالناس الذين دخلوا الإسلام أفواجًا كانوا متعطشين للعدالة، وللإنسانية، ولدينٍ يُنصف ذواتهم، دين يقوده أناس سمو عن كل شيء، لهذا ساد دين الإسلام، الذي خرج نبيه يومًا من مكة — وهو ثاني اثنين يطاردهم الجميع ليقتلهم — ليقود اتباعه العالم بعد سنوات قليلة من عمر الزمن.

 

ليمتد الإسلام من السهول المطلة على باريس إلى الجبال الشامخة في الصين، وفي هذا الامتداد العظيم يُسمع النداء خمس مرات في اليوم، نداء يتضمن وحدانية الله، وأن محمدًا رسول الله، اللهم صلِّ وسلم على نبيّ الرحمة، الذي قال: ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق