في العصر الحديث، كثيرًا ما تفشل القيادات الكردية في قراءة المشهد قراءةً صحيحة، فتتوهم في لحظات الفوضى وجود فرصة وبصيص أمل لإقامة دولة تلمّ شتاتهم، غير أن الإشكالية أن هذه الآمال غالبًا ما تأتي على حساب التاريخ والجغرافيا، ويجري تحميل وزر الإخفاق التاريخي لأطراف لا ذنب لها في عدم قيام دولة كردية عقب الحرب العالمية الأولى.
وفي ظني، إن كانت هناك فرصة تاريخية أُتيحت للأكراد في المشهد السوري، فقد تمثّلت في المشاركة في إسقاط النظام الدموي، وتقديم أنفسهم بوصفهم شريكًا حقيقيًا في بناء الدولة السورية الجديدة، وتوجيه العوائد المدنية والعمرانية لخدمة سكان المنطقة بمختلف طوائفهم، والأهم بناء لحمة حقيقية بين القوميتين العربية والكردية، تقوم على التعاون والتكافل لا على المواجهة والحرب.
المشكلة الحقيقية في تجربة "قسد" أنها بنت مغامرتها السياسية والعسكرية قياسًا على التجربة الإسرائيلية في إنشاء كيانها، فالقواسم المشتركة بين الحلمين كثيرة: حلم قومي يُقام على حساب الجغرافيا والناس، فإسرائيل قبل عام 1948، وقسد بعد 2026، عوّلتا على الغرب للاعتراف بكيانهما، وأدارتا ظهريهما لشركاء الأرض، وقد استأثرت قسد بالسيطرة على جغرافيا تعادل قرابة ثلث سوريا، ذات غالبية عربية تتجاوز 75%، وتضم اغلب الثروات الزراعية والمعدنية والبترولية في البلاد، فضلًا عن خلق جيوب توتر في حلب تُستخدم كورقة مقايضة في أي حل نهائي، والأخطر من ذلك تسخير هذه الثروات لصالح قيادات خارج سوريا في جبال قنديل.
إنها معادلة لا يمكن لها النجاح؛ فمظلوم عبدي، العراقي الجنسية، الذي يأتمر بقيادة متمركزة في جبال كردستان، وتعليق صور عبد الله أوجلان التركي في المؤسسات، عكسا رهانًا على نموذج الأسد الأب والابن: إخضاع الجميع بقوة السلاح، والضحية في هذه المعادلة هو الشعب الكردي نفسه، الذي لم ينل تنمية ولا ازدهارًا، في ظل قيادة عسكرية تحلم بالمستحيل، وتحاول السباحة عكس تيار التاريخ والواقع، فقد اختُزل العمل فوق الأرض في شراء السلاح وبناء التحالفات المدمّرة لسوريا، وتحت الأرض في حفر الأنفاق، على حساب المدارس والمستشفيات والجامعات، وهكذا قُدّر لهذا الشعب أن يكون كمن ركب حافلة يقودها سائق أعمى في منحدرات جبلية لا توجد في طرقها حواجز أمان، حيث إن الأحلام المنفصلة عن الواقع مآلها السقوط في الهاوية.
ومن السذاجة السياسية الاعتقاد بأن هذه التجربة يمكن أن تنجح كما نجح الكيان الإسرائيلي، فقراءة التاريخ تُظهر أن إسرائيل نجحت بالتدرّج، وبالتغلغل في مفاصل القرار الأمريكي، واستغلال الحروب الدولية لصالحها، والأهم أنها كيان شديد الكلفة على الولايات المتحدة؛ ماليًا عبر مليارات الدولارات، وسياسيًا وأخلاقيًا عبر حمايتها الدائمة في مجلس الأمن من تبعات سلوكها المتوحش وتجاوزاتها القانونية، وقد أدرك الرئيس الأمريكي ترومان، أول من اعترف بإسرائيل، حجم هذه الفاتورة، لكنه أُجبر على المضي قدمًا بفعل مراكز القرار الضاغطة، ولا تزال الولايات المتحدة تدفع ثمن معادلة أُنشئت خارج منطق الجغرافيا والتاريخ، ومن هنا، فإن الرغبة في تحمّل فاتورة كيان جديد في منطقة تغلي كاللهب تبدو ضعيفة، إن لم تكن معدومة.
إن سقوف الأحلام العالية التي خُدع بها الشعب الكردي تصطدم اليوم بواقع قاسٍ، ومن هنا، فإن على القيادات الكردية العودة إلى الحقيقة الجلية: أن الجامع الأوسع للمنطقة هو الإسلام، والمذهب المشترك، واللغة التي يتقنها غالبية الأكراد في سوريا والعراق، ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري قراءة التاريخ والجغرافيا قراءة عقلانية تعود بالنفع على الأكراد أنفسهم، وإدراك أن الرهان على القوى الخارجية مؤقت وغير مضمون، بينما الازدهار الحقيقي يكمن في أن يكونوا جزءًا أصيلًا من سوريا الحرة، بوتقة الانصهار الوطني بعد سنوات طويلة من المرض والدمار.
ختامًا، مشكلتنا الكبرى أننا نقرأ الصفحة دون أن نعود إلى الصفحات السابقة، فهذا المشرق قام على الشراكة الحقيقية؛ فمعركة حطين، التي يتفاخر بها كل عربي، قادها رجل كردي صلاح الدين الأيوبي، الذي ملأ اسمه الجغرافيا العربية والمناهج العربية، ومحاولات الغرب، منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى بهدف تدمير الدولة العثمانية، انتهجت سياسة تغذية النزعات القومية وتفتيت المنطقة، ولكن كل تلك المحاولات لا تنفي حقيقة أن شعوب المنطقة تشترك في التاريخ والمصير، تختزل في صور كثيرة استرجع منها واحدة، حين كانت الآلة العسكرية الأمريكية تقصف الفلوجة بالقوى النارية المدمرة، كانت مساجد الأكراد في أربيل والسليمانية تلهج بالدعاء لأهلها، ومن هنا، فإن كل الحركات الانفصالية، وكل الأفكار ذات النزعة القومية الضيقة أو اليسارية، لا تغيّر من حقيقة أننا أمة واحدة، ننتمي إلى قبلة واحدة.