الاثنين، 5 يناير 2026

في ضيافة حاتم الطائي،،

 كانت مدينة حائل مقصدنا في شتاء العام الماضي، مدينةٌ ترسخ في الذاكرة بطيبة أهلها، وحفاوتهم بالغريب، وابتسامتهم، ورفعة أخلاقهم، وتمتاز أيضًا بتاريخٍ اجتماعيٍّ جميل.

 

تجوّلنا في سهولها، وبين جبالها وضِلْعانها، وأدركتنا الصلاة، ومن حسن حظنا أننا توقفنا لأدائها في فناء بيت حاتم الطائي، ولا أظنّ أحدًا يجهل هذا الاسم، بمقاييس هذا العصر، المنزل بسيط جدًا، لكنه مشبع بروح التاريخ والمكارم، لطالما خرج صاحبه في الليل والبرد الشديد يحثّ خادمه على إيقاد النار، ليراها من يمرّ بعيدًا، ويأتي ضيفًا ليُكرم، وإن جاء الغريب، كافأه حاتم بحريته، فذلك الضيف كان غنيمةً ثمينة، يستحق جالبُها مكافأةً عظيمة.

 

أوقدْ فإنّ الليلَ ليلٌ قَرُّ

والريحُ يا موقدُ ريحٌ صَرُّ

علَّ يرى نارَك من يمرُّ

إنْ جلبتَ ضيفًا فأنتَ حُرُّ

 

استوقفتني غرفةٌ في المنزل تختلف هندسيًا عن بقيته، وقد وُجّهت باتجاه مكة؛ مصلى صغير يعبّر عن التغير الذي شهده هذا المكان والعالم أجمع، بدخول دين الإسلام.

 

على وقع فناجيل القهوة، دار الحديث بين رفاق الرحلة عن ذلك الرجل، واستحضر بعضهم قصصه ومآثره، ولو جاز لنا أن نترحم عليه، لأجزلنا له الدعاء من عمق الإعجاب بسجاياه.

 

لفت نظرنا وجود مقبرة قديمة جدًا بالقرب من البيت، اندثرت رسوم قبورها ومعالمها، في دلالة على مرور زمنٍ طويل، وتزاحمت الأجساد في ذلك الحيّز الضيّق من الأرض، عندها تحدّث أخي العزيز علي بن أحمد المهندي، حديثًا مشربًا بالحكمة، كعادته، عن تفاوت أعمارهم وسنينهم، عن أحلامهم وآمالهم، عن سعادتهم ومخاوفهم… وكيف أن هؤلاء الذين اختلفوا كثيرًا في حياتهم، توحدوا اليوم في صمتٍ وثبات، يرقدون بلا صراع، بعد عمر حافل أو هادئ أو حزين.

 

قال: عاش كلٌّ منهم عمره المُقدّر، متنقّلًا بين الفرح والحزن، ثم كان مآله المحتوم هذا الشق من الأرض، لا يختار مكانه، ولا ينازع جاره، ويتمنى لو عاد ليزيد من حسناته، لا من أمواله، وختم حديثه بجملةٍ بقيت في البال:

هذي نهاية دنيا نركض فيها ونتنافس عليها.

 

تذكرت حينها بيتًا من الشعر كنا نحفظه في الصغر:

 

رُبَّ لحدٍ صار لحدًا مرارًا

ضاحكٍ من تزاحم الأضدادِ

 

عدنا إلى منزل مضيفنا حاتم، وقد أدركنا جمال الكرم، وعظمة الكرماء، أولئك الذين يتركون في القلوب أثرًا لا يُمحى، الكرم يرفع ذكر الإنسان، ويمنحه عمرًا أطول في قلوب الناس، حتى يُقال عنه: طويل عمر، رغم قِصر أيام البشر.

 

من يُرزق هذه الصفة، نال حظًّا عظيمًا من الله، ونصيبًا جميلاً من السماء.

 

لولا المشقةُ سادَ الناسُ كلُّهمُ

الجودُ يُفقرُ والإقدامُ قتّالُ

 

بيتٌ دقيقٌ في معناه؛ فلطالما أطال الفعل الجميل والشجاعة عمر الإنسان في التاريخ.

 

خالد بن الوليد، مثلًا، لو مات في معركة أُحد، لما سمع به أحد، وكان اسمه سيُذكر مجرد ابنٍ لرجلٍ عظيم، وكذلك الكرماء، كثيرٌ منهم حالت قلة ذات اليد دون بروزهم، لذلك من حسن حظ الإنسان أن يمزج الله له بين الصفات والظروف، فيجمع له بين الشجاعة وطول العمر، والكرم والتيسير.

 

الكرم صفةٌ أصيلةٌ تولد مع الإنسان، ويُروى أن أم حاتم قالت لأخيه بعد وفاة حاتم:

إنك لن تكون مثله؛ لأنه، وهو طفل، إذا جاء يشرب من حليبي، امتنع حتى يشاركه أحد، أما أنت، فكنت تبكي إن شاركك طفلٌ الشرب.

 

ورغم ذلك، فأنا أظنّ أنها صفة يمكن اكتسابها، فالنفس قابلة للترويض، والمحظوظ هو من امتلك صفةً كريمة، ووفّقه الله بظروفٍ تعينها.

 

ونحن نغادر بيت حاتم، كان التأمل والصمت سيّدي اللحظة، تأملت المنزل، وعدت في ذهني أكثر من ألف وخمسمائة سنة إلى الوراء، تخيّلت حديثًا يجري بين الزوجة والزوج، زوجةٌ خائفة من القادم، تخشى الفقر وتبديد المال، تبذل جهدها لإقناعه بأن يقبض يده المبسوطة، ويحفظ أموال أبنائه.

 

أجابها حاتم ببيتٍ واحد حسم الموقف وخلّد اللحظة:

 

أماوي! إن المالَ غادٍ ورائحٌ

ويبقى، من المال، الأحاديثُ والذِكرُ

 

انتهى الحديث، وربما نامت الزوجة وفي قلبها شيءٌ من حزن أو خوف عتب على العشير، بينما ظل حاتم كما هو: كريمًا لا يحيد عن سجاياه.

 

ماتت ماويَة، ومات حاتم، ومات بعدهم كثيرون من أهل المال، كثيرون ماتوا جسدًا وذكرًا، لكن في شتاء عام 2025، جلسَ في فناء بيت حاتم مجموعة من بلدٍ يبعد عن موطنه أكثر من 2400 كيلومتر، يتحدثون عنه، عن كرمه، عن سيرته، عن خلقه، تحدّثوا عنه بصوتٍ عالٍ، وضجيج محبّ، وكأنه حاضرٌ بينهم، حاتم ومن مثله يصدق بهم قول الشاعر:

 

تراه إذا ما جئته متهلّلًا

كأنك تعطيه الذي أنتَ سائله

ولو لم يكن في كفّه غيرُ روحه

لجاد بها، فليتق الله سائله

 

وخِتامًا، ومن حُسن الطالع، وبينما نحن في المنزل، أخذ أحد الأبناء يقفز فرحًا، علم للتوّ بنجاحه في الثانوية العامة بتقدير متميّز، فرحنا لفرحه وباركنا له، ومن حُسن الطالع أننا لم نغادر منزل ذلك الكريم إلا بخبرٍ أفرح الجميع، فمنازل الكرماء، دومًا، فالهُم خير.

 

اللهم اجعل جزاء كل كريمٍ، علمنا بفعله أو لم نعلم، جنة الفردوس، بلا حساب، ولا سابقة عذاب.

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق