خواطر بوسطونية: (1)
1_حينما كان
موظف الجوازات بوجهه المكفهر، يحملق بي ويدقق علي اوراقي الخاصة بدخول الولايات المتحدة شعرت بخوف ممزوج
بكثير من الرهبة، ليس لهذا الموقف الآني الذي سوف يتلاشى في لحظات وجيزة، بل اتجه
نظري إلى ما بعد اسوار المطار فهي تجربه جديدة ومدة ليست بالبسيطة بالنسبة لي وأتت بعد تأخر سنين
كثيرة، وحينما هوت يد الشرطي لتباغت جواز سفري وتغرس(من دون
رحمة) في صميم قلب هوية السفر الختم الخاص بدخول ال(USA) صم أذني صوت صارخ نبع من اعماق نفسي بكل قوه كانت
الصرخة تقول: (اهلا بك في بلاد العم سام).
2_(بلاد
العم سام) تلك الدولة التي تكونت بعد هجرة مجموعة من البشر من القارة العجوز
المترهلة(اوربا) بحثا عن فرص وحياة افضل وهروبا من الواقع المؤلم والحروب، وابادوا
في سبيل تحقيق هدفهم الكثير من سكانها الاصلين وافنوهم الي أنهم وجدوا أن هناك
الكثير من الطرق قد تغني عن رصاصة البندقية واراقة الدماء الا وهو (سلاح النبيذ)
فباع الهنود (المدمنون) الهكتارات من الاراضي بثمن بخس عباره عن عده صناديق من
النبيذ تفرد المدمن برايه وضاعت الارض وتكونت بعد 200 سنة من تجميع شتات
المهاجرين الي اكبر قوه تتحكم في اقتصاد وسياسه وحتي نمط حياة البشر تملكوا الارض
والسماء والبحار ومن احفاد هؤلاء المهاجرين ولد الجندي الذين وضع العلم الامريكي
علي تمثال صدام في عاصمه الرشيد.
3_ (بلاد
العم سام) لا تختلف كثيرا عن ديره الخال (بطيحان) في كثير من الامور
ولكن تتميز بشيئين تنعدم للأسف في ديرة الخوال الا وهي (العدالة والمساواة)
كلمتين من حروف بسيطة ولكن المفهوم والمعني الذي ينجم عن التقاء هذه الحروف هو
الحد الفاصل بين الحضارة والتخلف والهوية الحقيقية التي تحدد انتماءك أما الي عالم
التميز والرقي أو الاستمرار من ضمن منظومه المجتمع المتخلف.
4_ذات وجه
ملائكي وبوجه امريكي تقليدي ببشرة ممزوجة بالحمرة وشعر اشقر يميل الي اللون
الاصفر كانت تلك النادلة التي احضرت لي قائمة الطعام اخذت تشرح لي عن المقبلات ونصحتني بــ(HOMES) وترجمتها بالتأكيد معروفه لدي الجميع ومن منا لا يعرف
الحمص وقالت (انها وجبة رائعة انتشرت لدينا وهي مرغوبة جدا جربوها وانا واثقة
بانكم لن تندموا) بتلك الثقة المفرطة والعبارة المنمقة التي خرجت من رحم اشهر
مطعم امريكي تقليدي للبيتزا وجهت حديثها لي مع زميلي عن ميزه الـ(HOMES) او الحمص
بلغتنا الدارجة ولم تكن تعلم هذه الفاتنة ان الشجرة العائلية الكريمة للحمص،
وتفرعاته وتزاوجه علي النهج الكاثوليكي _المحرم طلاقه_ بقرينه ورفيق دربه (الفول)
هذه الاسرة الجميلة يعرفها كل من يقطن حيث وجه انتمائي في الشرق الاوسط
البعيد، سرحت برهة بعد أن اخذت الطلب واستحضرت في ذهني فكره ان العلاقة بيننا
والغرب لم تكن في يوم من الايام طرديه بل كانت من جانب واحد (استقبال كل شيء من
دون ارسال اي شيء) ولكن هذا مؤشر بان هناك تغير كبير في الصراع الثقافي لا يمكن الاستهانة
به حينما اقتحمنا عرين اسدهم بوجبه من وجباتنا بسلاحنا الغذائي الرهيب (الحمص)
الذي عكس المؤشر لأول مره في العلاقة بيننا وبينهم، التف (الحمص) خلف طرق وخطوط
امداد جيوش الهامبرغر والبيتزا والاطعمة الامريكية التقليدية اعتقد انه انتصار
معنوي بسيط ولكن سيمهد الي نجاحات اخري فوز رمزي وتافه ولكن بالتأكيد سيجر الي تأثيرات
ثقافية أخري ستسمي أخيرا انتصار جوله الحمص الامر ربما يكون به نوع من
الطرافة ولكن بالتأكيد بحاجة الي اعادة برمجة وتهيئة عدادات اذهاننا الثقافية.
5_(صلاه
الجمعة) اديتها في كثير من المدن
والاصقاع اثناء مصادفة تواجدي في اي مكان ولكن لم اشعر بلذتها الروحية بهذه
الشفافية الا في (بوسطن) تواجد اوجه كثيره من اماكن مختلفة صوت الاذان بصوت الرائع
(عامر) والقادم من مدينة الرسول ذلك الصوت حينما يخترق اذن متعطشة لسماع صوت اجمل
نداء كغائب اشتاقت امه الولهة لعودته، صوت فتح محبس دمعي ليتدفق دمعها فهذا الصوت
ذكرنا بأحباب لم نألف علي فراقهم، وأرض لم نعتاد على الابتعاد عنها، تبادل
الاحاديث بعد الصلاة تلك الألفة بين الجميع وعدم التكلف، وتعرفت الي اناس لم تسمع
اذني بدولهم ولم تقع عيني علي موقع خارطة مواقع اوطانهم، لم يكن الامر هو
ممارسة اعتيادية لأهم شعيرة من شعائرنا
الدينية بقدر ما هو الشعور بالزهو والفخر لانتمائك الي مجموعه من كافة طبقات
وجنسيات ومهن المجتمع مهاجرون وطلبه وكل لغايته رغم كل ما قيل فلازالت امريكا
تتفوق علي الجميع في النضج الحضاري في احترام وتقدير الديانات الأخرى.
6_(free
man) هذا هو اسم الشارع الذي يقع عليه مسكني وعلي مرمي حجر من نافذتي يقع منزل
ولد فيه شخصية من أهم شخصيات المجتمع الامريكي (جون كندي) من منا لا يعرفه، مدرستي
بوسطونية اصيلة تفتخر بأصولها الايرلندية وانها تنتمي للمهاجرين الاوائل حينما
اخبرتنا عن (جون كندي) لم اغفل عن مظاهر الفخر الذي يتقطر من عينها بانتماء هذا
الرجل الي مدينتها، كم هو جميل أن يفخر بك حيك الصغير موصولا بمدينتك الاكبر
انتهاء الي مجتمع متعدد الاعراق والاجناس نجاح لا يتكرر كل يوم نعم هناك لحظه
تتدخل يد الحظ لتدفعك وتوصلك الي النجاح وتصبح من مجرد رقم في هوية وطنية الي رمز
يعني الشي الكثير الي ملايين البشر والاعراق،رمز يجعل موته وحياته يقلب مؤشرات كل شيء
حوله.
هناك عظماء يخلقوا ظروفهم ونجاحهم بحفر صخور الصعاب بأظافر
ضعيفة مترهلة ولكن ذات معنويات تفوق الحديد
فهذا المنزل شهد صرخة حياة مولود جديد لأسرة صغيره وشهدت حديقته عبث هذا
الطفل بتدمير أغصان الشجر المتدلي بمتناول يديه ومن يعلم فربما وفي فرط انسجامه
بلهوه، جلس ابويه علي اريكه بعيده يرتشفان القهوة واخذا يتحدثان عن مستقبل صغيرهم،
وبنوا في مخيلتهم صورة لصغيرهم بهيئة دكتور أو ربما مهندسا ورسموا مستقبل باهر
لطفل عبثي شقي تمنوا أن يمسك يوما ما أبنهم مشرط الجراحين او اقلام المهندسين ولم
يدر في ذهنهم ان هذا الطفل العابث بأصابعه الصغيرة بتراب الحديقة ستتحكم هذه
الانامل بلازار التي يمكن ان تحرق العالم وبالتأكيد أن للأماني خططها ولكن للأقدار
الكلمة الاولي والأخيرة.
انتقل بعد 43
سنه من منزله المتواضع في (بروكلاين) في
بوسطن إلي منزل اكبر وأجمل في مكان بعيد المنزل الاشهر في العالم ويطلق عليه اسم
(البيت الابيض) وقفت علي اطلال منزله القديم كان مهجورا والعلم الامريكي متدلي منه
فهو ليس المنزل الصغير للأسرة البسيطة او ملعب طفوله الطفل العابث الشقي بل منزل
فخامه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية "السابق"
(تمت)
خليفه ال محمود
الوقت الساعة الثالثة و37 دقيقه
ستار باكس
(شارع كومنولث ستريت)
بتاريخ التاسع عشر من فبراير
اليوم الاثنين
الجميع منهمك بالقراءة وكتبت ما كتبت علي
نكهه قهوه لا استسيغها
الله يذكر محمد الطويل ومحراب وعمر بالخير
بوسطن_ الولايات المتحدة الأمريكية