السبت، 24 مايو 2025

ثروة من دون تخطيط، هي ليست قصة الشاه بل قصص من التاريخ تتكرر وسوف تتكرر،،

 في ديسمبر ١٩٧٣، ارتفع سعر البترول بقيادة الإمبراطور الإيراني محمد رضا بهلوي، مما أدى إلى تدفق الأموال إلى إيران، لكن ما هي النتائج الفعلية لهذه الثروة؟

تأثيرات الثروة النفطية على إيران – بين الطموح والفشل

في ديسمبر من عام ١٩٧٣ جرى اجتماع أوبك في طهران، وحضره إمبراطور إيران محمد رضا بهلوي، الذي كان قد وصل آنذاك إلى درجة الغرور من شدة ثقته بنفسه.. بعد نهاية الاجتماع المغلق في قصر نيافران، كانت عدسات الإعلام موجهة إلى الإمبراطور الإيراني ليصدم العالم برفع سعر البترول من ٥ دولارات للبرميل إلى ما يقارب الـ ١٢ دولارا، ويقول بصوت مسموع: على الغرب أن يعي أن ثروته المبنية على النفط الرخيص انتهى زمنها.

نتيجةَ هذا الارتفاع في سعر النفط تدفق المال على البلاد، فانهالت العقود على دول المنطقة، وقد كتبت إحدى المجلات المتخصصة في الاقتصاد: إننا نشهد أكبر حالة انتقال ثروة في التاريخ، ووضعت مجلة التايم صورة الشاهنشاه بزيه العسكري الأنيق مرفقة بالتعليق “إمبراطور النفط”. وهذا القرار دفع ثمنه العالم أجمع، ويكفي أن نعلم أن الولايات المتحدة الأمريكية ارتفعت فاتورتها من النفط الأجنبي من ٣ مليارات  لتصبح ٢٤ مليارا.. لكننا الآن لا نريد أن نتحدث عن تأثيره على الخارج، بل أن نتساءل: ماذا فعلت تلك الثروة بإيران؟

الإمبراطور المنتشي بنجاحه وبإخضاع الغرب لإرادته، أخذ يفكر في الأموال التي تدخل خزينة دولته؛ فإيران التي لم تعرف المليار الأول إلا في عام ١٩٧٠، أصبح مدخولها بعد أربع سنوات ما يقارب الـ ١٨ مليارا، ليقول الشاهنشاه لوزير بلاطه بكل تيه: لا سقف لدينا في المال.

أخذت الأفكار والمشاريع  تمر في ذهن الشاه على وقع حركة الأموال التي تكدست في البنوك، واجتمع الشاه مع الفريق الحكومي في منطقة رامسر؛ وفي واحدة من أجمل الإطلالات على سهول إيران الخضراء دشن الإمبراطور خطة للإنفاق، وصفها أحدهم بـ”الطوفان”، حيث تقرر تخصيص مبلغ ٦٩ مليار لخطة تطوير إيران، التي سميت “الخطة الخامسة”، وحلم الشاه أن تنقله إلى اقتصاد يضعه ضمن العشر الأوائل على مستوى العالم.. لكن غاب عن حساباته عدة أمور، منها ضعف القدرات الفنية للإيرانيين، وعدم وجود كادر إداري مؤهل من الوزراء، والافتقار إلى فريق حكومي له تجربة تساعد على تحقيق ذلك الطموح الكبير.

طموح الشاه العمراني تزامن مع طموح عسكري، فأخذ ينفق بسخاء لشراء أحدث الأسلحة وتطوير جيشه، وصار الوسطاء والسماسرة يتوافدون على قصره، بعد أن تعززت مطامعه ليصير شرطي المنطقة وتتحقق له السيطرة بسهولة على الكيانات الضعيفة في الخليج.

لكن.. كان هناك بون شاسع بين الخطة وبين الواقع والتطبيق، بل إنها تسببت بتناقضات يصعب حلها، ومعاناة للدولة الإيرانية ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا؛ فكثرة عدد المشاريع لم تترافق مع بنية تحتية تساهم في نجاحها، وشبكة المواصلات متأخرة ولم يجر إصلاحها، والاختناقات المرورية كانت سمة شوارع طهران؛ ولهذا فإن التعامل مع الواقع تسبب في هدر مالي كبير.

نقص العمالة الماهرة المحلية كان من المشكلات المهمة أيضا، فالخطة التنموية قُدّر لها أنها تحتاج إلى ٧٢١ ألف عامل، وإحضار وتجهيز تلك العمالة الكبيرة يحتاج إلى وقت، والكوادر المحلية لم تستطع تغطية ما فيها من نقص، فضلاً عن أن الهجرة من الريف إلى طهران سببت أزمة سكن، وتشكّل ضغط شديد على الخدمات التي لم تكن مهيّأة لهذا العدد الكبير من الناس، حتى إن موظفة أمريكية حضرت للسفارة للبحث عن مكان تنام فيه، بعد نومها ليلتين في حاوية المكانس في فندق هلتون لأنها لم تجد مكانا تلجأ إليه، فقد استقطبت مشاريع الشاه الطموحة بامتيازاتها المالية ٥٠ ألف أمريكي.

الضغط على الموانئ والشوارع والطرق السريعة والمطارات تفاقم بسبب طفرة المشاريع، وأصبح تفريغ الناقلات التي تصل إلى الموانيء يحتاج ٢٥٠ يوما، ١٠٪؜ من المعدات والبضائع المتراكمة لم تعد صالحه بسبب الصدأ، والبضائع الفاسدة أُلقيت في البحر، فدفعت الحكومة ملياري دولار لتعويض شركات الشحن لما تسببت به من التأخير.. لم يكن هناك شاحنات كافية للنقل، ولتدارك هذا الأمر اشترت الحكومة ٤٠٠٠ شاحنة، والمفارقة أنها لم تجد سائقين، فقد كانت القطاعات العسكرية الغارقة بالمال تستحوذ على كل الكوادر، فهناك خطة تنموية عمرانية يرافقها طموح عسكري كبير، والجميع يريد أن ينفذ إرادة العاهل من دون أي تنسيق.

مشروع المفاعل النووي الذي تكفلت ألمانيا ببنائه مقابل مبلغ كبير جدا من الميزانية لم يكن بالإمكان إكماله، والغريب في الأمر أن تعثر المشروع كان لعدم تمكّن الحكومة من توفير العدد المطلوب (٢٠٠٠) من النجارين والبنائين!. كذلك لم تجد الحكومة شركات تقوم بالأعمال المكملة لإيصال الخدمة عبر شبكات وألياف إلى القرى والمدن، فتحويل إيران إلى ورشة عمل جعل الجميع ينشغل، بشكل يصعب معه إيجاد من يسد النقص الحاصل في اليد العاملة، في ظل فوضى عمل غير مسبوقة.

الإنفاق كبير، ولكن النتيجة فشل وشلل وانهيار لتلك المشاريع! ليخرج الشاه إلى شعبه في صحيفة كيهان، وبدل أن يبحث عن علاج للمشكلة أخذ يلقي باللائمة على الشعب في الأزمة المالية، وطلب منهم ربط الأحزمة؛ ثم قدم وصفا سيئا للواقع وتهديدا صريحا للشعب حين قال: أصبحت إيران عاصمة للبلادة والكسل، أريد أن أقودكم إلى الحضارة الكبرى بالقوة إن استدعى الأمر، وأي شخص يخالف هذا الأمر عليه أن يحزم حقائبه ويرحل، ولسوف نمسكهم من أذيالهم ونرميهم بعيداً كالفئران.

ما حدث هو الحصاد الطبيعي لخطة اختمرت ونُفّذت من دون أي دراسة، وتعرضت لظروف صعبة، ولعل أهم شيء لم يتوقعه الشاه حالة الركود العالمي وضعف الطلب على النفط، بينما تشكل العائدات النفطية ٨٥٪؜ من مداخيل إيران، ما جعل اقتصاده يتهاوى ويخرج عن السيطرة، وتندلع الشرارة لثورة اجتثت الجميع.

أخيرا، حزم الشاه حقائبه ورحل، لتنتهي الحقبة البهلوية إلى صورة بالغة التراجيديا!. إمبراطور عليل مع زوجته يجلسان على كراسي الانتظار في المطارات للحصول على إذن للدخول إلى دول ترفضهما.. نهاية غريبة لرجل كان حلم كثير من الرؤساء ومديري الشركات الحصول على دقائق من وقته.

ولقصص التاريخ بقية.

ورقة من احداث لبنان

 حين تقدم المصلحة الخاصة والطائفة على الدولة، تكون النتيجة ما سوف نقرؤه في هذا المقال!.

عام 1968، تلقت السلطة اللبنانية معلومات استخباراتية عن هجوم إسرائيلي وشيك سوف يستهدف مطار بيروت، فأعلن قائد الجيش، إميل بستاني، حالة الطوارئ، وشدد على حماية أمن مطار بيروت.
وفي إحدى الليالي تلقى مكتب الأمن في المطار اتصالا من برج المراقبة، يبلغه عن هبوط قوات إسرائيلية على المدرج، وبدوره اتصل مسؤول المكتب بالعميد الركن إسكندر غانم، قائد موقع بيروت في الجيش اللبناني، الذي لم يتخذ أي إجراء؛ بينما كانت القوة الإسرائيلية تتحرك بهدوء في المطار، وتقوم بتدمير 13 طائرة مدنية تتبع لأسطول “ميدل إيست”، بل كانت هي الأسطول كله في ذلك الوقت، وتخريب واجهة المطار. أصوات الانفجارات سمعها أهل بيروت، فاتصل قائد الجيش بإسكندر غانم، الذي أخبره أن الجيش يتحرك ولكنه لا يستطيع الوصول لأن طريق المطار مقطوع، ذلك العذر الذي يقال عنه أقبح من ذنب. ثم غادرت القوة الإسرائيلية دون أن تتعرض لأي محاولة صد!.

أثار ذلك الأمر كثيرا من التساؤلات حول هذه الغارة الغريبة، فشُكلت على إثر ذلك لجنة برلمانية للتحقيق مع إسكندر غانم، وتبين لهم أنه أعطى إجازات لكثيرين في القيادات العسكرية مخالفا أمر الطوارئ، وأثبتت اللجنة عبر تحقيقات طويلة إدانته في عدة تصرفات، في تهاونه بأمر الطوارئ، وكذلك تقاعسه عن التعامل مع الحدث، وعدم اتخاذه أي إجراء لمجابهة ذلك الاعتداء الإسرائيلي.
رئيس لبنان آنذاك، شارل الحلو، طلب ملف التحقيق قبل اتخاذهم أي قرار ليطلع عليه، وهو أمر بدا غريبا من الرئيس؛ وكان ما قام به الرئيس هو إبقاء الملف لديه في مكتبه دون إعادته إلى اللجنة البرلمانية لإكمال إجراءاتها، وهدفه من ذلك وصول إسكندر غانم إلى السن القانوني للتقاعد، وكان سيصل إليه بعد عدة أشهر، وهذا يمنع عنه أي إجراء تأديبي حسب القانون؛ وذلك ما كان، وأفلت به من العقاب.

أثار الأمر احتجاجا كبيرا، وخاصة من نواب
المعارضة، وتصدر أمر الاحتجاج النائب سليمان فرنجية، الذي قال بقوة: إن الرئيس غطَّى على فضيحة كبيرة لا يمكن احتواؤها.
عام 1970، أصبح سليمان فرنجية رئيسا للبنان، وهو الذي كان قد تصدر تلك المعارضة، ولم يكن على وفاق مع قائد الجيش جان نجيم، الذي استمر بالمحافظة على حياد الجيش وعدم توريطه في الصراعات الداخلية. حاول سليمان مع وجود إشارات لحدوث حرب أهليه مستقبَلاً، استباق الأمر وتجيير الجيش “القوة الأكبر” لصالحه وصالح طائفته.

عام 1971 حدث أمر غريب، فبعد إقلاع الطائرة المروحية التي تقل قائد الجيش من القصر الجمهوري عقب نهاية لقائه مع الرئيس فرنجية، سقطت الطائرة ليلقى جان نجيم حتفه، وليبحث فرنجية بعدها عن شخص لهذه المهمة حسب مواصفات معينة ليستخدمه لمصلحته، فوجد ضالته في إسكندر غانم!. استدعاه من التقاعد، حيث كان يعمل مستشارا لدى الملحق العسكري الأمريكي في السفارة الأمريكية في بيروت، وقام بترقيته الى رتبة عماد؛ وحتى يأخذ الأمر شرعية أكثر أخذ موافقة رئيس الحكومة صائب سلام.. تم تعيينه مع دون أي اكتراث بفضيحته السابقة، ففرنجية يحتاج شخصا بمواصفات معينة لمهمات قادمة.
عمل إسكندر غانم فور تعيينه جاهداً لإحلال كثير من الكوادر المارونية في الجيش، واستبعاد كوادر الطوائف الأخرى، واستبعد كذلك الداعين لاستقلال الجيش.

عام 1972، جاء 30 من الكوماندوز الإسرائيلي، وكأنهم في رحلة استجمامية، عبر قوارب مطاطية، فوصلوا إلى شاطئ بيروت على مرأى ومسمع المواطنين الذي كانوا يستجمون على الشاطئ؛ قطعوا الطريق إلى الشارع واستقلوا سيارات استأجرها عملاء لهم كانوا ينتظرونهم قرب البحر.. ثلاث ساعات قضاها الكوماندوز يتجولون بكل هدوء في العاصمة بيروت، قتلوا فيها كثيراً من كوادر القيادات الفلسطينية واللبنانية، منهم الأديب الفلسطيني غسان كنفاني، وكانوا وهم ينفذون عملياتهم يمرون أمام مراكز الدرك وثكنات الجيش!. والمضحك أنهم عالجوا اختناقا مروريا في أحد الشوارع حتى لا يعيق مرورهم. بعد تنفيذ مهمتهم غادر الإسرائيليون بهدوء بقواربهم التي كانت تنتظرهم دون اعتراض أحد.

النقاش الذي حدث بعد تلك الغارة كان يوضح أن لبنان كان يعيش بداية اللادولة!. صائب سلام، رئيس الوزراء ووزير الداخلية، حين تلقى الاتصال عن العملية قال للمتصل إنها من اختصاص الجيش لا قوى الأمن، وقام بالاتصال بقائد الجيش إسكندر غانم، الذي قابل الاتصال ببرود؛ وبعد ساعتين اتصل به مرة أخرى ليسأله: ماذا فعلت لمواجهة الغارة؟ فيجيب غانم بكل سخرية: أي غارة؟.

حين سئل إسكندر غانم عن سبب عدم تحركه، برر ذلك بأن الدستور لا يسمح لرئيس الوزراء أن يصدر أوامر لقائد الجيش، فالأوامر التي توجه لقائد الجيش من اختصاص رئيس الجمهورية فقط.
مشهد أغرب من الخيال يبين بوضوح الحالة اللبنانية بكل تعقيداتها.. على مرأى من الجميع تحدث غارة إسرائيلية، ويتجول أفرادها المعدودون على الأصابع في المدينة باطمئنان، ويقتلون بكل هدوء من يريدون؛ ورجال القيادة في الدولة يتحدثون عن اختصاص قانوني لمواجهة أولئك الغزاة الأجانب؛ فلا صائب سلام حرك قواه الأمنية، ولا إسكندر غانم حرك قطاعات الجيش.

كثيرون طالبوا الرئيس سليمان فرنجية بعد ذلك بإقالة إسكندر غانم، لكنه رفض؛ الأمر الذي جعل صائب سلام يقدم استقالته، ليستمر إسكندر غانم في منصبه حتى عام ١٩٧٥. ولكن لا تظنوا أنه غادر المشهد بعد ذلك.. بل إنه ترقى إلى منصب وزير الدفاع!.

هذه صفحة قليلة الأسطر من تاريخ لبنان، تبين معضلة لبنان، التي ما يزال يدفع ثمنها حتى يومنا هذا.

عرب صبيح (قصة من التاريخ)،،،،

 في عام 1940، كانت فلسطين ميدان صراع كبير في ظل محاولة زرع الكيان الصهيوني، والرعاية الكبيرة لذلك المشروع من قبل دول كثيرة، وعلى رأسها بريطانيا.

انتشرت المستوطنات اليهودية بشكل لافت للنظر، ما خلق صراعاً كبيراً بينهم وبين السكان الأصليين، وانحاز البريطانيون كثيراً ناحية هؤلاء القادمين الجدد لتثبيت وجودهم، وسنُّوا من أجل ذلك الكثير من القوانين والقرارات الإدارية، وهناك حادثة تبيّن كيف تعامل هؤلاء القادمون من كل أصقاع الأرض مع السكان الأصليين..

في أحد الأيام، وُجد سبعة يهود مقتولين عند باب إحدى المستوطنات؛ ومن دون أي تحقيقات وُجّهت التهمة لأقرب تجمع عربي، وصادف أنه مجموعة مسالمة وغير مسلحة تُسمى “عرب صبيح”.. أخذ اليهود يحشدون الحشود، ويطلبون المدد من العصابات الصهيونية المجاورة؛ أما “عرب صبيح”، فبسبب عدم استعدادهم القتالي، لعدم توفر السلاح لديهم، وكثرة الحشود القادمة عليهم، أخلوا قريتهم، وبقي في القرية أربعة أشخاص؛ رجلان كانا كفيفين وكبار سن تجاوزت أعمارهم الثمانين، وتصعب عليهم الحركة، وامرأتان مع أطفالهما.. المجموع كان ٢٦ من الشيوخ والنساء والأطفال.

دخلت الحشود القرية بهدف الانتقام، جمعوا الجمع القليل وقتلوهم وقطعوهم إرباً إرباً، ووضعوهم في حاويات عند مدخل التجمع!. بعد هدوء الأوضاع، عاد أهل القرية ليجدوا هذا المنظر البشع، دُفن القتلى في مشهد حزين وفي قبور جماعية، الأمر الذي دعا كثيرين من عرب صبيح إلى الهجرة بين سوريا والأردن ولبنان، أما من بقي فقد امتهن التهريب، بحكم أن القرى العربية تم تقطيع أوصالها لتكون تلك الحرفة مصدر رزق لهم.

دخلت القرية بؤرة الأحداث مرة أخرى حين فُقدت مجموعة من قطع الأسلحة من إحدى المخازن العسكرية الإسرائيلية القريبة من عرب صبيح بعد تأسيس كيانهم بداية الخمسينيات، وجّه الحاكم العسكري التهمة إلى عرب صبيح لا لسبب إلا امتهانهم التهريب، ليتم حصار تلك القرية حصاراً خانقاً استمر مدة ستة أشهر، مُنع فيها عن أهلها الطعام والشراب.. وحينما بدأ البعض يتساقط بسبب الجوع والعطش، وشارفت القرية على الهلاك، اجتمعوا للبحث عن خلاص من تلك الإشكالية المستعصية، فابتكروا فكرة لم تخطر على بال أحد!.

ذهبوا إلى الكنيسة الوحيدة الموجودة في القرية ليخبروا قسيسها رغبتَهم في اعتناق المسيحية، وطلبوا منه تثقيفهم بتعاليم دينهم الجديد.. فرح القسيس بذلك الإنجاز، وقام بنقل الخبر لكنيسة الناصرة لأنها الكنيسة المسؤولة عن هذا الأمر، لترسل ذلك النبأ إلى الفاتيكان، ثم تتغير قواعد اللعبة على المحاصرين؛ فقد أصبحت صحف العالم تتحدث عن الشعب المسيحي المحاصر، والذي يشرف على الهلاك.

لم يكن الضغط إعلامياً فقط بل رافقه ضغط سياسي على دولة الكيان من الكثير من الدول، ما اضطر الحاكم العسكري ليفك الحصار عن عرب صبيح، ودخل إليهم الكثير من المساعدات؛ ولم يكن دخول عرب صبيح المسيحية عن اقتناع، ولكن وفق مقولة “داوها بالتي كانت هي الداء”.. بفطرتهم البسيطة عرفوا المزاج العام للعالم المنافق.

العالم المنافق، والذي يحاضر فيه الناس آناء الليل وأطراف النهار عن الإنسانية وحقوقها، تتغير المعادلة فيه كليةً حسب نوع دين الضحية!. تُرك عرب صبيح لمصيرهم مع قاتل يتوحش بهم، ويمنع عنهم الطعام والشراب ويبيدهم، ولكن حين أعلنوا مسيحيتهم تغير المشهد.. أظهر الجميع إنسانيته.

القصة تكررت كثيراً ولكن في الجزء الأول من معاناة عرب صبيح؛ دُمرت أفغانستان على رؤوس ساكنيها، وقبلها الشيشان، والبوسنة والهرسك، وبغداد ومدن سورية، والكثير من الحواضر العربية.. ونشهد اليوم صوراً من غزة، تتقطع قلوبنا من بشاعتها، كل ذلك لم يكن ليحدث لو لم يكن السكان مسلمين. ما بين عرب صبيح وأفغانستان والشيشان والبوسنة والهرسك وغزة ودمشق وبغداد، والكثير من حواضر العالم الإسلامي، هناك فجوة زمنية، ولكن مع تطابق تام في المصير الحزين لشعوبها المسلمة.

أنهي وأقول: رحم الله شهداء تلك المرحلة في الحرب العبثية التي أبيحت فيها دماء المسلمين.. وتتكرر القصة.

الأحد، 11 مايو 2025

قصة الاعتراف الأمريكي بدولة اسرائيل بعد 11 دقيقة

  

في سنة 1945، بعد وفاة الرئيس التاريخيّ لأمريكا روزفلت، تولّى نائبه ترومان مقاليد السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية، وبذلك أكمل مدة سلفه حتى موعد نهاية مدته عام 1948، في تلك الفترة، برزت شخصية على جانب كبير من الأهمية، وهو المحامي (كلارك كليفورد) الذي استعان به الرئيس كمستشار للشؤون الداخلية، وفي حقيقة الأمر الغرض من وجوده هو النجاح في الانتخابات القادمة، لذا هو يرى أن مفتاح دخول البيت الأبيض هو الناخب اليهودي، الذي صوّت بنسبة 90% لصالح نجاح سلفه، لهذا أخذ كليفورد من الرئيس ملف فلسطين والعلاقات اليهودية، وهذا يتعارض مع حدود عمله.

 

المستشار نبّه الرئيس من خطورة وضع اليهود والعرب في كفتي ميزان بالتساوي، فلا يجب الالتفات إلى العرب، ومرّر فكرة يتبناها الرئيس في خطاباته، وهي أن العرب هم المعتدون، ويجب عليه السماح للرعايا الأمريكيين بالتطوع للقتال في فلسطين، أما ما كان يخيف الرئيس في مصالحه مع العرب، فقد طمأنه كليفورد بأن حاجة العرب للمال أكبر من حاجتهم للبترول، وأنهم سيصبحون موضع سخرية العالم إذا تملّكهم الخوف من تهديدات  "حفنة من قبائل الصحراء".

 

التقى الرئيس بالزعيم التاريخيّ اليهودي (حاييم وايزمان)، في لقاء سرّي اضطرّ معه وايزمان إلى دخول البيت الأبيض من الباب الخلفي، ليحصل في ختام اللقاء على وعد بالاعتراف بدولة إسرائيل حال إعلانها، هذا الوعد بمثابة مقايضة مصالح؛ الوصول للرئاسة نظير الاعتراف بدولتهم الجديدة.

 

ذلك الجهد الكبير من فريق الرئيس بعيدًا عن علم وزارة الخارجية، التي تنتهج سياسة بعيدة عن المصالح اليهودية، فكرة الدولة اليهودية لم تكن في أجندتهم، حيث كرّسوا جهودهم لمشروع الوصاية الدولية على فلسطين، والعمل على إيجاد حل للقضية من خلال ذلك المشروع، وكل ذلك بعلم الرئيس، تلك الأحداث تتزامن مع سيطرة العصابات الصهيونية على الكثير من الأراضي في فلسطين.

 

(جورج مارشال) وزير الخارجية، شخصية مميزة في التاريخ الأمريكي، وحقق انتصارًا حاسمًا في الحرب العالمية الثانية، شخصية قوية جدًا ويعتدّ بنفسه كثيرًا، والرئيس يكنّ له احترامًا كبيرًا ويتحاشى الاصطدام به لأهمية وجوده ضمن الإدارة الأمريكية، وجهة نظر مارشال ضد إعلان الدولة اليهودية، ويرى وجوب إيجاد حل للمسألة قبل ذلك، وتبنّى فكرة الوصاية الدولية، وهو في عمله على تواصل مع الرئيس في كل خطواته.

 

تحرّك اليهود بقوة بعد أن بقي على نهاية الانتداب البريطاني وإعلان الدولة أقل من أسبوعين، كما يُقال: "رموا كل أوراق اللعبة للوصول لهدفهم"، العائق الوحيد في سبيل الاعتراف الأمريكي هو (مارشال) وفريق عمله في وزارة الخارجية.

 

ترومان، المثقل بوعد قطعه لليهود بالاعتراف بدولتهم، وحين داهمه الوقت، طلب مقابلة وزير خارجيته مارشال مع وكيل الوزارة (روبرت لافيت)، في هذا الاجتماع المهم جدًا، طلب من مستشاره كليفورد إعداد مرافعة مؤثّرة لأهمية الاعتراف بإسرائيل، وطلب أن تكون بدقة متناهية وبحجج دامغة وكأنها أمام المحكمة العليا.

 

عُقد ذلك الاجتماع الهام، وتحدّث وكيل الخارجية عن سوء تصرّف الوكالة اليهودية، وأنهم يتميّزون بالعنجهية، ويعلقون آمالهم على انتصاراتهم العسكرية دون ترك مجال للتفاوض، وافق الوزير مع وكيله على هذا الطرح، رغم صعوبة المهمة بذلك الانطباع،  طلب الرئيس من كليفورد أن يتحدث، فذكر أهمية الاعتراف بإسرائيل وضرورة الالتزام القانوني بإتمام وعد بلفور بعد ضعف بريطانيا، وأنها دولة مهمة لأنها كيان ديمقراطي، لن يصل إليه أعداؤهم العرب يومًا، وبعد مرافعة طويلة، طرح الفكرة التي قام من أجلها ذلك الاجتماع، وهي إعداد بيان للرئيس يعلن عزمه الاعتراف بدولة إسرائيل حال إعلانها.

 

كان وجه مارشال خلال الحديث يزداد احمرارًا من الغضب، ثم وجّه حديثه للرئيس قائلاً: “السيد الرئيس، كنتَ أنتَ دعوت إلى هذا الاجتماع للبحث في قضية بالغة التعقيد والأهمية تتعلق بالسياسة الخارجية، ولا أعلم لماذا كليفورد معنا هنا، فهو مستشار للشؤون الداخلية، والقضية تتعلق بالشؤون الخارجية.”

فقال ترومان، إنقاذًا للموقف من هذه الملاحظة الذكية: “إنه موجود بطلبي أنا.” لكن مارشال قاطعه قائلًا: “أخشى أن يكون هذا الموقف في السياسة الخارجية لدعم موقف داخلي!”، وكان بذلك يلمّح إلى الانتخابات.

 

تدخّل وكيل الوزارة ليتحدث بوضوح أن الاعتراف بإسرائيل قبل إيجاد حل للقضية الفلسطينية ضرر كبير على منظومة الأمم المتحدة وسمعة الولايات المتحدة، فقال مارشال بحدّة: سيادة الرئيس، إذا ذهبتَ لما يريده كليفورد، فإن صوتي في الانتخابات القادمة سيكون ضدك!

ليكون ذلك أول تحدٍّ للرئيس من وزير خارجيته، وتلويحًا بالاستقالة، تحول الاجتماع إلى وجوم، ليفهم كليفورد، المحامي الذكي، من نظرة رئيسه، ضرورة إيجاد مخرج سريع، فأعلن كليفورد سحب المقترح لبيان الاعتراف تلطيفًا للأجواء.

 

انتهى الاجتماع، ليقول كليفورد للرئيس: لا تخشَ، سنجد حلًّا آخر. فردّ عليه الرئيس بحسم: ابحث عن حلول، مع أخذك في الاعتبار أنني لا أستطيع الاستغناء عن مارشال.

 

سُئل الرئيس في مؤتمره الصحفي عمّا ينوي فعله إن تم إعلان دولة إسرائيل، فأجاب بجملة حمّالة أوجه: “سأمشي على الجسر إن وصلت إليه.”

 

في 14 مايو، أُعلن أن دولة إسرائيل سوف تُعلن غدًا في الساعة السادسة مساءً بتوقيت واشنطن، كثّف فريق الرئيس الاتصال بمسؤولي الخارجية، ليصلوا مع مارشال إلى اتفاق: ليس مطلوبًا منه تأييد بيان الرئيس، ولكن عليه ألا يعارضه علنًا، فاتفقوا على ذلك، وبذلك الاتفاق انتهت معارضة مارشال.

 

إعلان اعتراف الرئيس كان مناقضًا جدًا للسياسة التي يعمل عليها وفد الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، لدرجة أن المندوب الدائم حين سمع بخبر الاعتراف خرج وذهب إلى منزله، وهدّد الأعضاء بالاستقالة، حتى الدول لم تصدق الفجوة الكبيرة بين عمل الوفد الأمريكي والاعتراف، الأمر الذي دفع كوبا إلى إعلان انسحابها من الأمم المتحدة نتيجة هذا العبث.

 

أُعلن أن الرئيس سوف يعترف بالدولة الجديدة بعد 15 دقيقة من إعلانها، وبسبب الاستعجال الكبير، لم يسأل أحد من الفريق عن اسمها، فتم كتابة الاسم "الدولة اليهودية"، وحين كان البيان في طريقه للرئيس لقراءته، تم إعلامهم أن الدولة أُعلنت باسم "إسرائيل"، فلم يكن لديهم متسع من الوقت، فتم المسح بالقلم على “الدولة اليهودية”، وكتابة الاسم المعلن: “إسرائيل” بخط اليد.

 

اعترف الرئيس ترومان لأغراض انتخابية بدولة إسرائيل، ضاربًا عرض الحائط بتحفّظات أهم أعضاء فريق عمله، ليكون الإعلان بعد 11 دقيقة وليس 15 دقيقة كما كان مقررًا، أخطر ما في ذلك الاعتراف أنه لم يضع حدودًا للدولة الناشئة، ليكتب بن غوريون في مذكراته:

 

“لنأخذ إعلان استقلال أمريكا مثلاً، فهو لا يذكر حدودًا أرضية، ونحن كذلك غير مضطرين لتحديد حدود دولتنا.”

 

هو يقول: "باقية وتتمدد"، وهذا ما حدث في قادم الأيام.