الأحد، 23 أغسطس 2026

ثنائية القوة العسكرية والحكم الرشيد،،،

 ثنائية القوة العسكرية والحكم الرشيد، أو بتعبير أدق: القوة المنضبطة بالقيم، هي في تقديري أحد المفاتيح المهمة لفهم ذلك الامتداد التاريخي المذهل الذي بلغته الدولة الإسلامية؛ من تخوم الصين شرقًا إلى مشارف أوروبا غربًا، فالتاريخ عرف جيوشًا شديدة البأس، وإمبراطوريات ضخمة امتلكت من الرجال والسلاح والمال أضعاف ما امتلكه المسلمون الأوائل، ومع ذلك انهارت دولها وتبددت آثارها، لذلك لعل السؤال الأهم ليس: كيف انتصر المسلمون؟ بل كيف استطاع المنتصر القادم من جزيرة العرب أن يحوّل انتصاره العسكري إلى دولة وحضارة، وأن تنخرط الشعوب التي دخلت تحت حكمه، بعد أجيال، في بناء تلك الحضارة والدفاع عنها؟

 

لم يكن دخول المسلمين إلى الشام، على سبيل المثال، مجرد انتقال عسكري من سلطة إلى أخرى؛ فقد كانت تلك الشعوب تنظر إلى هؤلاء العرب القادمين من الحجاز نظرة ثاقبة، تفحص سلوكهم قبل أقوالهم، وتقارن بين الحاكم الجديد وما عرفته من أنظمة وحضارات سابقة، ولعل من أكثر ما يلفت النظر في المجتمع الإسلامي الأول غياب الهالة المصطنعة حول القيادة، وبساطة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وهي خصلة وجدت جذورها في طبيعة المجتمع العربي، ثم هذبها الإسلام ورسخها.

 

ويختصر مشهد شهير هذه الفكرة كلها؛ يأتي الرجل الغريب يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيتأمل وجوه الجالسين فلا يجد ما يميز النبي عن أصحابه، فيسأل ببساطة: أيكم محمد؟، قد تبدو العبارة قصيرة، لكنها تختزل انقلابًا هائلًا في مفهوم السلطة: نبي ينزل عليه الوحي من السماء، ومع ذلك يحتاج الغريب إلى أن يسأل أصحابه: أيكم محمد؟

 

وتظهر الفكرة ذاتها بصورة أخرى في الشام، حين واجه المسلمون احتمالًا جديًا بعدم قدرتهم على حماية دمشق أمام حشود الروم، فرد القائد أبوعبيدة بن الجراح إلى أهلها ما أُخذ منهم من الجزية؛ لأن الالتزام الذي أُخذ المال في مقابله لم تعد القدرة على الوفاء به مضمونة، وبصرف النظر عن التفاصيل التي تختلف فيها الروايات التاريخية، فإن المعنى الذي تنقله الحادثة بالغ الأهمية: إذا عجزت السلطة عن الوفاء بالتزامها، فلا تستحق المقابل الذي أخذته عنه، إنه منطق تعاقدي واضح بمقاييس عصره، يربط الحق بالواجب، والسلطة بالمسؤولية.

 

ومن هنا يمكن فهم جانب من رسوخ الإسلام في بلاد الشام وغيرها، فالسيف يستطيع أن يفتح الأرض، لكنه لا يستطيع وحده أن يفتح قلوب أهلها؛ وما تصنعه القوة في سنوات قد تبدده المظالم في أيام، أما القيم فهي التي تمنح الانتصار العسكري قابلية التحول إلى دولة، والدولة قابلية التحول إلى حضارة، ولهذا لم يكن انتشار الإسلام بين شعوب البلاد المفتوحة حدثًا فوريًا أعقب الفتح، بل عملية تاريخية ممتدة، دخلت خلالها شعوب مختلفة في الإسلام تدريجيًا، ثم أصبحت لاحقًا جزءًا أصيلًا من الحضارة الإسلامية، بل ومن صُنّاعها وحماتها.

 

ولعل وصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه لجنده تقدم نموذجًا بالغ الدلالة على محاولة ضبط القوة بالأخلاق:

لا تقتلوا امرأةً، ولا صبيًّا، ولا كبيرًا هَرِمًا، ولا تقطعوا شجرًا مثمرًا، ولا تخربوا عامرًا، ولا تعقروا شاةً ولا بعيرًا إلا لمأكلة، ولا تحرقوا نخلًا ولا تغرقوه، ولا تَغُلُّوا، ولا تجبنوا، وستمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له.

 

هذه الوصايا، على اختلاف ألفاظ الروايات التي نقلتها، جديرة بأن تُكتب على جدران المؤسسات الدولية المعنية بالحرب والسلام؛ ففيها مبادئ أخلاقية تلتقي في جوهرها مع جانب مما يعرفه عالمنا اليوم بقواعد القانون الدولي الإنساني: التمييز بين المقاتل وغير المقاتل، وحماية النساء والأطفال وكبار السن، وعدم الاعتداء على دور العبادة، وحماية الممتلكات والبيئة والعمران من التدمير الذي لا تقتضيه ضرورة القتال.

 

والأكثر إثارة للتأمل أن هذه الوصايا قيلت في القرن السابع الميلادي، في عالم كانت الحرب فيه أكثر قسوة، وكان المنتصر في كثير من الأحيان يرى الأرض ومن عليها جزءًا من غنيمته، ومع ذلك وُضع للسيف قيد، وللقوة حدود، وللانتصار أخلاق، وهنا تكمن المسافة الهائلة بين امتلاك القوة وبين استحقاقها.

 

فحين ننظر إلى العرب قبل الإسلام، نجد قبائل متفرقة تتنازعها العصبيات، وتستهلك جانبًا كبيرًا من طاقتها في صراعات داخلية، ثم نجد بعد فترة تاريخية قصيرة جيوشًا تتحرك في مساحات شاسعة وهي تحمل معها تصورًا للدولة، والعهد، والمال العام، وحقوق غير المقاتلين، وضوابط للحرب، وبين الصورتين تحول فكري وأخلاقي هائل لا يكفي تفسيره بمجرد تطور المهارات العسكرية.

 

ولهذا وقف كثير من المؤرخين والباحثين طويلًا أمام سرعة الفتوحات الإسلامية، محاولين تفسيرها بعوامل متعددة: ضعف الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية بعد حروبهما الطويلة، والتفوق في الحركة والتنظيم العسكري، والظروف الاقتصادية والاجتماعية في البلاد المفتوحة، فضلًا عن الدافع الديني الذي منح المسلمين الأوائل تماسكًا وثقة وغاية تتجاوز المكاسب المادية، وربما لا يستطيع عامل واحد منفردًا أن يفسر تلك الظاهرة التاريخية بكل تعقيداتها.

 

لكن السؤال الذي أراه أكثر إثارة ليس: كيف وصل المسلمون إلى هذه الرقعة الجغرافية المترامية؟ بل: كيف أصبحت شعوب البلاد المفتوحة، بعد مرور الزمن، جزءًا من الدولة الجديدة، ثم أصبح أبناؤها علماءها وقادتها وجنودها ووزراءها، وصنّاع جانب كبير من حضارتها؟، هنا تحديدًا يجب التمييز بين فتح الأرض وبناء الحضارة.

 

والمقارنة بالمغول تكشف جانبًا من هذه الفكرة، فقد امتلك المغول آلة عسكرية هائلة اجتاحت في زمن قصير مساحات شاسعة من العالم، وأسقطت دولًا وحضارات، ودخلت بغداد نفسها  في واحدة من أقسى لحظات تاريخها، لكن القوة العسكرية وحدها لم تستطع أن تمنحهم منظومة حضارية بديلة متماسكة؛ بل إن قطاعات واسعة من المغول، وبعض دولهم وقادتهم، دخلت لاحقًا في الإسلام واندمجت في حضارته، وكأن التاريخ يقول مرة أخرى: يمكن للقوة أن تهزم دولة، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تهزم فكرة، وهذا الدرس لا يتعلق بالماضي وحده.

 

فالشيوعية، والقومية، والليبرالية، وغيرها من الأفكار والمشروعات الكبرى التي عرفها التاريخ الحديث، لا يكفي للحكم عليها مقدار ما امتلكته دولها من جيوش واقتصاد وسلاح، قد تمتلك الدولة ترسانة هائلة، لكنها إذا فقدت توأم القوة الضروري ــ القيم والمبادئ والحكم الرشيد ــ فإن قوتها قد تتحول من أداة لحماية الدولة إلى عبء عليها، وقد تستطيع إخضاع الإنسان، لكنها تعجز عن كسبه، فالقوة تستطيع أن تفرض الصمت، لكنها لا تستطيع أن تفرض الاقتناع.

 

وقراءة التاريخ جميلة جدًا حين ننظر إليه بمجهر الجواهرجي؛ فهناك تفاصيل صغيرة إذا كبّرتها رأيت من خلالها عصرًا كاملًا، وهناك أحداث ضخمة لا ينبغي أن تأخذك ضوضاؤها عن معانيها العميقة.

 

ومن تلك اللحظات التي تستحق أن نتوقف عندها طويلًا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر رضي الله عنه من مكة، مطاردَين في طرق وعرة ومهالك، وقريش تبذل جهدها للوصول إليهما وقتلهم، حتى دخلا يثرب وسط احتفاء أهلها، لم يكن المشهد، في ظاهره، أكثر من رجلين نجوا من مطاردة ووصلوا إلى قرية صغيرة في جزيرة العرب، لكنه في ميزان التاريخ كان شيئًا أكبر بكثير.

 

في تلك اللحظة بدأ العرب ينتقلون من ضيق القبيلة إلى رحابة الدولة، ومن رابطة الدم وحدها إلى رابطة الفكرة، ومن مجتمع تحكمه موازين القبائل إلى مجتمع يحاول أن يؤسس للعهد والقانون والمسؤولية، وكان الإسلام للمسلمين عقيدة، لكن قيم العدل والوفاء وصيانة الدماء والحقوق كان يفترض أن تمتد آثارها إلى الجميع ومسلمهم وكافرهم وذميهم.

 

وحين استقبل أهل المدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن في مداركهم المحدودة آنذاك أن هذه المدينة الصغيرة ستصبح نقطة انطلاق لتحول تاريخي هائل، وأن هذا الدين سيصل بعد عقود قليلة إلى أمم وحضارات لم يسمع أكثر أهل يثرب بأسمائها، وأن أبناء تلك الشعوب أنفسهم سيصبحون يومًا من كبار علماء الإسلام وقادته وحملة حضارته.

 

ولعل هذه هي المفارقة الأجمل في ذلك التاريخ كله:

بدأ المشهد برجلين مطاردَين في الصحراء، وانتهى بعد سنوات قليلة بدولة تقف على أبواب إمبراطوريات العالم، وبين المشهدين لم يكن هناك سيف فقط؛ كانت هناك فكرة، وقيم، ونظام جديد للإنسان والدولة.


فالدرس الذي تركه ذلك التاريخ ليس أن القوة لا ضرورة لها؛ فالدول التي لا تستطيع حماية نفسها وقيمها قد لا تعيش طويلًا، وليس الدرس كذلك أن الأخلاق وحدها تكفي في عالم المصالح والصراعات، إنما الدرس في التوازن الدقيق بينهما: قوة تحمي القيم، وقيم تضبط القوة، وحكم رشيد يمنع كليهما من الانحراف.

 

وهذه، في تقديري، إحدى أعظم الرسائل التي يمكن أن نقرأها في تجربة المسلمين الأوائل.

 

اللهم صلِّ وسلم على نبي الرحمة محمد، وعلى أصحابه أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة، وعلى من حملوا رسالة العدل والإحسان من بعدهم.

 


الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

خواطر خليجي،،،،

  تتعرض دول الخليج اليوم لواحد من أكبر التحديات منذ نشأة دولها الحديثة؛ تحدٍّ سياسي واقتصادي في المقام الأول، لكنه لا يلبث أن يمتد ليصبح اجتماعيًا، ويمس بصورة مباشرة مستقبل الدولة والمجتمع معًا، ولهذا أعتقد أننا في هذه المرحلة تحديدًا، أحوج ما نكون إلى فكر استراتيجي خليجي جمعي، ينطلق من مصالح عليا واضحة لا يجوز أن تضيع وسط تقلبات الأحداث، فالمصير الواحد ليس شعارًا نردده في المناسبات، بل حقيقة تفرضها الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد، ويجب أن يستوعبها الجميع.

 

في سنواتي الدراسية الأولى، ونحن أطفال، كان المدرسون، الذين كان يغلب على كثير منهم الفكر القومي، يحدثوننا بحماسة عن المقاطعة النفطية العربية عام 1973، وكنا نطرب لسماع أحداث تلك المرحلة، وننظر إليها بوصفها لحظة قوة عربية استثنائية.

 

ولكن بعد مرور السنين، والاطلاع على قدر أكبر من المعلومات والوثائق، يصبح من المشروع إعادة قراءة ذلك القرار بعيدًا عن عاطفة اللحظة، ولا أشكك هنا في صدق نيات متخذي القرار أو إخلاصهم لقضاياهم، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل كان القرار جزءًا من استراتيجية متكاملة تحسب الفعل ورد الفعل وما بعد رد الفعل؟

 

كانت دول الخليج آنذاك في بدايات تشكلها الحديث؛ بعضها لم يمض على استقلاله سوى سنوات قليلة، بإمكانات عسكرية محدودة، وأعداد سكانية بسيطة، ومؤسسات دولة لا تزال في طور البناء، وفي المقابل كانت تقف أمام دول كبرى خرجت من حرب عالمية قُتل فيها عشرات الملايين، وتمتلك جيوشًا وأجهزة استخبارات ومراكز تخطيط استراتيجي تراكمت خبراتها عبر عقود طويلة، وهنا تظهر خطورة الفارق بين امتلاك ورقة القوة وامتلاك القدرة على حماية نتائج استخدامها.

 

ولننتقل من حقول النفط في الخليج إلى البيت الأبيض، حيث اجتمع الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون مع هنري كيسنجر، وشاه إيران، ووزير الخارجية الإيراني أردشير زاهدي، وجرى الحديث عن مشروع للسيطرة على حقول النفط في الخليج، تتولى فيه إيران الجانب البري من العملية، غير أن ذلك المشروع وُئد بعد تسربه ونشر تفاصيل عنه في مجلة عسكرية، وانتهت المرحلة لاحقًا إلى تعهد دول الخليج بعدم استخدام النفط كسلاح سياسي.

 

وبغض النظر عن تفاصيل ذلك المشروع والذي ورد في كتاب ملوك النفط ل أندرو سكوت كوبر، فإن مجرد التفكير فيه يكشف حقيقة مهمة: حين تستخدم الدول الصغيرة أوراقها الاستراتيجية في مواجهة القوى الكبرى، فإن عليها أن تحسب ليس فقط قيمة الورقة التي تمتلكها، وإنما قدرة الطرف الآخر على الرد عليها.


ويقال إن كل تجربة مريرة دُفع ثمنها تتحول، إذا أُحسن فهمها إلى خبرة، وقد أدرك قادة المنطقة تدريجيًا أن الحماس وحده لا يدير الدول، وأن السياسة تختلف كثيرًا عن الطبائع الإنسانية؛ فما يُعد وفاءً وشهامة في العلاقات الشخصية قد لا يكون كذلك في العلاقات الدولية، والأهم أن ملعب الكبار ملعب شديد الخطورة، والدخول إليه بلا أدوات كافية قد تكون كلفته باهظة.

 

ولعل تجربة ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية تقدم مثالًا آخر على خطورة إدارة الملفات الكبرى بالعاطفة وحدها، دفعت دول الخليج، باسم سمو القضية الفلسطينية وعدالتها، مساعدات هائلة، لكن جانبًا من تلك الأموال والجهود ذهب إلى مسارات ما زلنا، كجيل جديد، نواجه بعض نتائجها حتى اليوم، ولم تكن المشكلة في عدالة القضية، فهي قضية شعب وحقوق وأرض، وإنما في اختزال المؤسسة أحيانًا في ذهنية الشخص، وربط الدعم بالأفراد أكثر من ربطه بالمؤسسات القادرة على البقاء والمحاسبة.

 

فمنظمة التحرير ساهمت في تدريب كوادر إيرانية أصبحت لاحقًا جزءًا من البيئة التي خرج منها الحرس الثوري الإيراني، وتهيئتهم للمرحلة التي أعقبت وصول الثورة إلى السلطة، كما دخلت المنظمة في مغامرات وتحالفات سياسية تجاوز بعضها حدود القضية الفلسطينية نفسها.

 

ولعل من أكثر المشاهد إثارة للتأمل ما جرى عند خروج ياسر عرفات وقوات منظمة التحرير من بيروت، حين سُلّم جزء من سلاحها إلى ميليشيا لتساهم بخروجها باسم حزب الله، وهنا تكمن المفارقة التاريخية: أموال وأسلحة وإمكانات خليجية قُدمت في الأصل لخدمة قضية عربية، انتهى جزء من آثارها، عبر سلسلة طويلة من التحولات، إلى قوى وتنظيمات دخلت لاحقًا في صراعات مست شرايين الاقتصاد والأمن في دول الخليج نفسها.

 

والمشكلة هنا ليست في تقديم المساعدة، ولا في الوقوف إلى جانب القضايا العادلة، وإنما في غياب السؤال الاستراتيجي: ماذا سيصبح هذا الذي ندعمه بعد عشرين أو ثلاثين عامًا؟ ومن سيملكه؟ ولأي غرض سيُستخدم؟.

 

وتكررت التجربة، بصور مختلفة، مع دول ومنظمات وشخصيات كثيرة؛ لنكتشف بعد سنوات أننا لم ندعم دائمًا مؤسسات، بل دعمنا أفرادًا ارتبطت بهم المؤسسات، ومنظومات أدمنت الفساد وتقاسم المكاسب أكثر مما اهتمت ببناء كيانات قادرة على الحياة، وهنا أصل إلى الفكر القومي الذي كان حاضرًا بقوة في الوعي السياسي العربي لعقود طويلة.

 

المشكلة ليست في الانتماء القومي في ذاته، ولا في الإيمان بوحدة المصير العربي، وإنما في ذلك الجانب من الفكر القومي الذي جعل القضية أكبر من الدولة، والشعار أعلى من المصلحة، والزعيم أهم من المؤسسة، وحين يقترب هذا النوع من التفكير من مفاصل صناعة القرار، تصبح العاطفة أحيانًا أسرع من الحساب، ويصبح الحماس بديلًا عن قراءة النتائج.

 

والمفارقة أن بعض أصحاب هذا الخطاب كانوا يشجعون التجارب التي وصفوها بـ"التقدمية"، وينظرون إلى دول الخليج باعتبارها أنظمة "رجعية"، بينما اختار كثير منهم على المستوى الشخصي العيش في ظل هذه الدول نفسها؛ حيث الحياة الآمنة، والمدارس الجيدة، والمستشفيات، وفرص العمل، والأهم منظومة الدولة والقانون التي تحمي الفرد وحقوقه، وهذا التناقض بين الخطاب والممارسة يستحق التأمل؛ لأن الأفكار لا تُختبر بما يقوله أصحابها عنها فقط، وإنما بالمكان الذي يختارون أن يعيشوا فيه، وبالنظام الذي يأتمنونه على أبنائهم وأموالهم ومستقبلهم.

 

وعودًا على بدء، دول الخليج اليوم ليست بحاجة إلى الانسحاب من السياسة؛ فهذا أمر لا تسمح به الجغرافيا أصلًا، نحن في منطقة تقع في قلب واحد من أهم مفاصل العالم، بين قوى إقليمية كبرى، وعلى ضفاف أهم شرايين الطاقة والتجارة الدولية، ولذلك فإن الابتعاد الكامل عن الملفات السياسية ليس ممكنًا، وربما ليس مطلوبًا، لكن المطلوب هو معرفة حدود القوة، واختيار الملعب الذي نملك فيه عناصر التفوق.

 

دول الخليج، بحكم تركيبتها السكانية والجغرافية، لم تُبنَ لكي تخوض حروب الآخرين أو تحمل مشاريع أيديولوجية عابرة للحدود، وبعض دولها يشكل المواطنون فيها أقلية من مجموع السكان، وهي حقيقة تجعل الاستقرار الداخلي والتنمية والأمن الاقتصادي أولويات استراتيجية لا تحتمل المغامرة.

 

وفي المقابل، تمتلك دول الخليج أدوات قوة استثنائية: الاقتصاد، والطاقة، والاستثمار، والصناديق السيادية، والموقع الجغرافي، والوساطة، والعمل الإنساني، والتنمية، والتعليم، والعلاقات الدولية الواسعة، وهذه ليست أدوات أقل شأنًا من القوة العسكرية؛ بل ربما تكون، إذا أُحسن استخدامها، أكثر بقاءً وأبعد أثرًا.

 

ولهذا لا أرى أن الخيار الاستراتيجي للخليج هو اعتزال السياسة، وإنما الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة المصلحة؛ ومن تمويل الأشخاص إلى بناء المؤسسات؛ ومن الانحياز العاطفي إلى الحساب الاستراتيجي؛ ومن الدخول في ملاعب الآخرين إلى صناعة ملعبنا الذي نتفوق فيه.

 

فالعمل الخيري والتنموي، على سبيل المثال، ليس مجرد مساعدة إنسانية، بل قوة ناعمة تستطيع أن تصنع احترامًا ونفوذًا وتغييرًا اجتماعيًا قد تترتب عليه، مع الزمن، نتائج سياسية أعمق من تلك التي تصنعها المدافع، لقد دفعت منطقتنا أثمانًا كثيرة، وربما آن الأوان أن تتحول تلك الأثمان إلى خبرة متراكمة.

 

فالسياسة لا تُدار بحسن النيات وحده، ولا بعدالة القضية وحدها، ولا بصوت الجماهير مهما ارتفع، وإنما تُدار بسؤال بسيط في صياغته، بالغ الصعوبة في الإجابة عنه:

ماذا سيحدث بعد ذلك؟

ومشكلة الخليج في بعض تجارب الماضي لم تكن في قلة المال، ولا في غياب النية الحسنة، وإنما في أننا لم نسأل دائمًا: ماذا سيصبح هذا الذي ندعمه بعد عشرين أو ثلاثين عامًا؟


أما اليوم، فالمصير الخليجي الواحد يفرض علينا أن يكون الأمن والاستقرار والسيادة والازدهار مصالح عليا ثابتة، وأن تبقى الوسائل والتحالفات والمواقف قابلة للتغيير وفق هذه المصالح، فلا صداقة دائمة في السياسة، ولا عداوة دائمة، ولكن هناك مصلحة خليجية دائمة؛ وكل قضية، وكل حليف، وكل مشروع، ينبغي أن يُقاس بقدر اقترابه من هذه المصلحة أو ابتعاده عنها.


وليس المطلوب أن ندخل ملعب الكبار بقواعدهم وأسلحتهم، بل أن نجعلهم يدخلون ملعبنا الذي نملك فيه عناصر القوة.


فالاستراتيجية في النهاية ليست أن ترى ما أمامك، بل أن ترى ما بعد الأفق.

 

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم،،،


الأحد، 9 أغسطس 2026

محسن رضائي

 محسن رضائي، الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي، حرصت على اختيار هذه الصورة تحديدًا لأمر سأعود إليه لاحقًا، ولكن قبل الحديث عن الرجل، أود أن أتوقف بإيجاز شديد عند المجلس نفسه.

 

المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني هو أعلى هيئة مختصة بتنسيق وصياغة سياسات الأمن القومي والدفاع في إيران، يرأسه رئيس الجمهورية، ويضم كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين والأمنيين، وقد نص عليه الدستور الإيراني لأهمية موقعه ووظيفته، غير أن قراراته لا تصبح نافذة إلا بعد تصديق المرشد الأعلى، الذي تبقى له الكلمة الأخيرة في القضايا الاستراتيجية للدولة.

 

وهنا تظهر واحدة من أكبر معضلات منصب رئيس الجمهورية في إيران؛ فمهما اتسعت صلاحياته ظاهريًا، فإن معظم الطرق السياسية والدستورية في الملفات الكبرى تنتهي عند المرشد، وهكذا يستطيع صوت واحد أن يعطّل جهود مؤسسات شارك ملايين الإيرانيين في انتخاب بعضها، حتى لو امتدت تلك الجهود سنوات، وهذا يعيدني إلى مقولة منسوبة إلى أحد السياسيين الإيرانيين، لخّص بها مفارقة الثورة والنظام بقوله: أسقطنا شاهًا ونصّبنا إلهًا.

 

نعود إلى محسن رضائي، حين كنت أتابع التعليقات على تعيينه، استوقفتني مقارنة عقدها أحدهم بينه وبين علي لاريجاني، والحقيقة أنني أختلف معها؛ فلاريجاني ينتمي، في تقديري، إلى فئة أكثر هدوءًا في الفكر والطرح والحركة السياسية، أما رضائي فينتمي إلى مدرسة يغلب عليها الاندفاع والحماس والثقة المفرطة بالقدرة العسكرية.

 

ورضائي أحد أبرز القادة العسكريين الإيرانيين في الحرب العراقية-الإيرانية، وكان قائدًا للعملية التي أدّت إلى احتلال الفاو، وفي سياق الحديث عن الموقف العسكري الإيراني هناك، نُقل عنه أنه أجاب حسن روحاني، الذي أصبح لاحقًا رئيسًا للجمهورية، عندما سأله عن متانة الموقف الإيراني في الفاو، بأن السيطرة محكمة إلى درجة لا يمكن زعزعتها إلا بقنبلة ذرية.

 

لكن الفاو عادت إلى القوات العراقية بعد ستة وعشرين شهرًا، في عملية عسكرية لم تستغرق سوى نحو ست وثلاثين ساعة، والفارق بين الثقة الأولى والنتيجة الأخيرة يكشف جانبًا مهمًا من طريقة التفكير التي طبعت بعض تقديرات القيادة العسكرية الإيرانية في تلك المرحلة.


ولهذا اتسم كثير من أفكار رضائي بالحماس المفرط والابتعاد أحيانًا عن الحسابات الواقعية، فقد طرح على الخميني تصورات لحرب طويلة الأمد واستراتيجية تقوم على توسيع التعبئة والحرب الشعبية، ووصلت بعض المقترحات إلى درجة دفعت الخميني لرفضها بسبب عدم واقعيتها، وقد رأى منتقدو تلك التصورات أن تطبيقها كان سيضع إيران أمام استنزاف مالي وبشري أشد مما تعرضت له بالفعل.

 

والمفارقة أن رضائي نفسه عاد في مراحل لاحقة لينتقد بعض القرارات التي كان من المدافعين عنها، فبعد استعادة خرمشهر عام 1982، دار داخل إيران نقاش بالغ الأهمية: هل تتوقف الحرب بعدما استعادت إيران أراضيها، أم تستمر القوات الإيرانية داخل الأراضي العراقية بحثًا عن نصر أكبر؟


كان رضائي من أبرز أصوات الاستمرار، وكانت الحجة أن النصر أصبح في متناول اليد، لكن الحرب استمرت ست سنوات أخرى، ودفع البلدان ثمنًا بشريًا واقتصاديًا هائلًا، وبعد سنوات، أقر رضائي بأن دخول القوات الإيرانية إلى الأراضي العراقية بعد تحرير خرمشهر كان خطأً، ولكنه لم يعتذر على الأقل للضحايا البشرية.


وهنا تكمن المفارقة: الاعتراف بالخطأ بعد عقود سهل، لكن القرارات الكبرى لا تُقاس فقط بشجاعة الاعتراف بها، بل بحجم الأثمان التي دفعتها الشعوب نتيجة اتخاذها.

 

من هنا أرى أن تعيين محسن رضائي يحمل رسالة، لكنها رسالة أُرسلت في الزمن الخطأ، العالم الذي صنع صورة رضائي العسكرية في ثمانينيات القرن الماضي لم يعد موجودًا، نحن اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيّرة، والحرب السيبرانية، والأقمار الصناعية، والضربات الدقيقة، وتحليل البيانات، وميدان المعركة الحديث لا يبحث فقط عن الرجل الشجاع، بل عن العقل الذي يفكر قبل أن يطلق النار، ويحسب الاحتمالات قبل أن يحرك الجيوش، ويفهم التكنولوجيا قبل أن يرفع الشعارات.

وهنا أعود إلى الصورة التي بدأت بها.


حين يظهر رضائي بملامحه المكفهرة ونظرته الغاضبة، ربما تكون الصورة مقصودة لإرسال رسالة قوة وهيبة، لكن زمن الحروب الحديثة لم يعد يخاف الوجوه العابسة، فقد يستطيع جندي صغير يجلس في قاعدة نائية على بعد آلاف الكيلومترات، وبينما يحاول إشعال سيجارته، أن يضغط زرًا صغيرًا يغيّر مسار معركة كاملة، وينهي وجود شخص مثل رضائي للابد، القوة اليوم ليست في ملامح الوجه، بل في العقل الذي يقف خلف الشاشة.

 

لذلك أرى أن تعيين محسن رضائي محاولة يائسة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وتأكيدًا جديدًا أن جزءًا من القيادة الإيرانية لا يزال يبحث عن حلول المستقبل في رجال الماضي وأدواته، فالعالم الذي صنع رضائي قائدًا عسكريًا في ثمانينيات القرن الماضي تغيّر، وموازين القوة التي عرفها تغيّرت، وحتى مفهوم الحرب نفسه تغيّر؛ لكن الذي لم يتغير، فيما يبدو، هو العقل الذي يصرّ على استدعاء التجربة ذاتها وانتظار نتائج مختلفة.


ومحسن رضائي، في النهاية، ليس مجرد رجل عاد إلى الواجهة، بل صورة لمرحلة كاملة من تاريخ إيران، والمشكلة ليست في أن يعود رجل من الماضي، بل في أن تعتقد دولة أن أدوات الماضي ما زالت قادرة على صناعة مستقبلها.


وهنا تكمن مأساة إيران: شعب يتقدم في الزمن، وقيادة تحاول أن تعيده إلى الوراء.