ثنائية القوة العسكرية والحكم الرشيد، أو بتعبير أدق: القوة المنضبطة بالقيم، هي في تقديري أحد المفاتيح المهمة لفهم ذلك الامتداد التاريخي المذهل الذي بلغته الدولة الإسلامية؛ من تخوم الصين شرقًا إلى مشارف أوروبا غربًا، فالتاريخ عرف جيوشًا شديدة البأس، وإمبراطوريات ضخمة امتلكت من الرجال والسلاح والمال أضعاف ما امتلكه المسلمون الأوائل، ومع ذلك انهارت دولها وتبددت آثارها، لذلك لعل السؤال الأهم ليس: كيف انتصر المسلمون؟ بل كيف استطاع المنتصر القادم من جزيرة العرب أن يحوّل انتصاره العسكري إلى دولة وحضارة، وأن تنخرط الشعوب التي دخلت تحت حكمه، بعد أجيال، في بناء تلك الحضارة والدفاع عنها؟
لم يكن دخول المسلمين إلى الشام، على سبيل المثال، مجرد انتقال عسكري من سلطة إلى أخرى؛ فقد كانت تلك الشعوب تنظر إلى هؤلاء العرب القادمين من الحجاز نظرة ثاقبة، تفحص سلوكهم قبل أقوالهم، وتقارن بين الحاكم الجديد وما عرفته من أنظمة وحضارات سابقة، ولعل من أكثر ما يلفت النظر في المجتمع الإسلامي الأول غياب الهالة المصطنعة حول القيادة، وبساطة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وهي خصلة وجدت جذورها في طبيعة المجتمع العربي، ثم هذبها الإسلام ورسخها.
ويختصر مشهد شهير هذه الفكرة كلها؛ يأتي الرجل الغريب يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيتأمل وجوه الجالسين فلا يجد ما يميز النبي عن أصحابه، فيسأل ببساطة: أيكم محمد؟، قد تبدو العبارة قصيرة، لكنها تختزل انقلابًا هائلًا في مفهوم السلطة: نبي ينزل عليه الوحي من السماء، ومع ذلك يحتاج الغريب إلى أن يسأل أصحابه: أيكم محمد؟
وتظهر الفكرة ذاتها بصورة أخرى في الشام، حين واجه المسلمون احتمالًا جديًا بعدم قدرتهم على حماية دمشق أمام حشود الروم، فرد القائد أبوعبيدة بن الجراح إلى أهلها ما أُخذ منهم من الجزية؛ لأن الالتزام الذي أُخذ المال في مقابله لم تعد القدرة على الوفاء به مضمونة، وبصرف النظر عن التفاصيل التي تختلف فيها الروايات التاريخية، فإن المعنى الذي تنقله الحادثة بالغ الأهمية: إذا عجزت السلطة عن الوفاء بالتزامها، فلا تستحق المقابل الذي أخذته عنه، إنه منطق تعاقدي واضح بمقاييس عصره، يربط الحق بالواجب، والسلطة بالمسؤولية.
ومن هنا يمكن فهم جانب من رسوخ الإسلام في بلاد الشام وغيرها، فالسيف يستطيع أن يفتح الأرض، لكنه لا يستطيع وحده أن يفتح قلوب أهلها؛ وما تصنعه القوة في سنوات قد تبدده المظالم في أيام، أما القيم فهي التي تمنح الانتصار العسكري قابلية التحول إلى دولة، والدولة قابلية التحول إلى حضارة، ولهذا لم يكن انتشار الإسلام بين شعوب البلاد المفتوحة حدثًا فوريًا أعقب الفتح، بل عملية تاريخية ممتدة، دخلت خلالها شعوب مختلفة في الإسلام تدريجيًا، ثم أصبحت لاحقًا جزءًا أصيلًا من الحضارة الإسلامية، بل ومن صُنّاعها وحماتها.
ولعل وصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه لجنده تقدم نموذجًا بالغ الدلالة على محاولة ضبط القوة بالأخلاق:
لا تقتلوا امرأةً، ولا صبيًّا، ولا كبيرًا هَرِمًا، ولا تقطعوا شجرًا مثمرًا، ولا تخربوا عامرًا، ولا تعقروا شاةً ولا بعيرًا إلا لمأكلة، ولا تحرقوا نخلًا ولا تغرقوه، ولا تَغُلُّوا، ولا تجبنوا، وستمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له.
هذه الوصايا، على اختلاف ألفاظ الروايات التي نقلتها، جديرة بأن تُكتب على جدران المؤسسات الدولية المعنية بالحرب والسلام؛ ففيها مبادئ أخلاقية تلتقي في جوهرها مع جانب مما يعرفه عالمنا اليوم بقواعد القانون الدولي الإنساني: التمييز بين المقاتل وغير المقاتل، وحماية النساء والأطفال وكبار السن، وعدم الاعتداء على دور العبادة، وحماية الممتلكات والبيئة والعمران من التدمير الذي لا تقتضيه ضرورة القتال.
والأكثر إثارة للتأمل أن هذه الوصايا قيلت في القرن السابع الميلادي، في عالم كانت الحرب فيه أكثر قسوة، وكان المنتصر في كثير من الأحيان يرى الأرض ومن عليها جزءًا من غنيمته، ومع ذلك وُضع للسيف قيد، وللقوة حدود، وللانتصار أخلاق، وهنا تكمن المسافة الهائلة بين امتلاك القوة وبين استحقاقها.
فحين ننظر إلى العرب قبل الإسلام، نجد قبائل متفرقة تتنازعها العصبيات، وتستهلك جانبًا كبيرًا من طاقتها في صراعات داخلية، ثم نجد بعد فترة تاريخية قصيرة جيوشًا تتحرك في مساحات شاسعة وهي تحمل معها تصورًا للدولة، والعهد، والمال العام، وحقوق غير المقاتلين، وضوابط للحرب، وبين الصورتين تحول فكري وأخلاقي هائل لا يكفي تفسيره بمجرد تطور المهارات العسكرية.
ولهذا وقف كثير من المؤرخين والباحثين طويلًا أمام سرعة الفتوحات الإسلامية، محاولين تفسيرها بعوامل متعددة: ضعف الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية بعد حروبهما الطويلة، والتفوق في الحركة والتنظيم العسكري، والظروف الاقتصادية والاجتماعية في البلاد المفتوحة، فضلًا عن الدافع الديني الذي منح المسلمين الأوائل تماسكًا وثقة وغاية تتجاوز المكاسب المادية، وربما لا يستطيع عامل واحد منفردًا أن يفسر تلك الظاهرة التاريخية بكل تعقيداتها.
لكن السؤال الذي أراه أكثر إثارة ليس: كيف وصل المسلمون إلى هذه الرقعة الجغرافية المترامية؟ بل: كيف أصبحت شعوب البلاد المفتوحة، بعد مرور الزمن، جزءًا من الدولة الجديدة، ثم أصبح أبناؤها علماءها وقادتها وجنودها ووزراءها، وصنّاع جانب كبير من حضارتها؟، هنا تحديدًا يجب التمييز بين فتح الأرض وبناء الحضارة.
والمقارنة بالمغول تكشف جانبًا من هذه الفكرة، فقد امتلك المغول آلة عسكرية هائلة اجتاحت في زمن قصير مساحات شاسعة من العالم، وأسقطت دولًا وحضارات، ودخلت بغداد نفسها في واحدة من أقسى لحظات تاريخها، لكن القوة العسكرية وحدها لم تستطع أن تمنحهم منظومة حضارية بديلة متماسكة؛ بل إن قطاعات واسعة من المغول، وبعض دولهم وقادتهم، دخلت لاحقًا في الإسلام واندمجت في حضارته، وكأن التاريخ يقول مرة أخرى: يمكن للقوة أن تهزم دولة، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تهزم فكرة، وهذا الدرس لا يتعلق بالماضي وحده.
فالشيوعية، والقومية، والليبرالية، وغيرها من الأفكار والمشروعات الكبرى التي عرفها التاريخ الحديث، لا يكفي للحكم عليها مقدار ما امتلكته دولها من جيوش واقتصاد وسلاح، قد تمتلك الدولة ترسانة هائلة، لكنها إذا فقدت توأم القوة الضروري ــ القيم والمبادئ والحكم الرشيد ــ فإن قوتها قد تتحول من أداة لحماية الدولة إلى عبء عليها، وقد تستطيع إخضاع الإنسان، لكنها تعجز عن كسبه، فالقوة تستطيع أن تفرض الصمت، لكنها لا تستطيع أن تفرض الاقتناع.
وقراءة التاريخ جميلة جدًا حين ننظر إليه بمجهر الجواهرجي؛ فهناك تفاصيل صغيرة إذا كبّرتها رأيت من خلالها عصرًا كاملًا، وهناك أحداث ضخمة لا ينبغي أن تأخذك ضوضاؤها عن معانيها العميقة.
ومن تلك اللحظات التي تستحق أن نتوقف عندها طويلًا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر رضي الله عنه من مكة، مطاردَين في طرق وعرة ومهالك، وقريش تبذل جهدها للوصول إليهما وقتلهم، حتى دخلا يثرب وسط احتفاء أهلها، لم يكن المشهد، في ظاهره، أكثر من رجلين نجوا من مطاردة ووصلوا إلى قرية صغيرة في جزيرة العرب، لكنه في ميزان التاريخ كان شيئًا أكبر بكثير.
في تلك اللحظة بدأ العرب ينتقلون من ضيق القبيلة إلى رحابة الدولة، ومن رابطة الدم وحدها إلى رابطة الفكرة، ومن مجتمع تحكمه موازين القبائل إلى مجتمع يحاول أن يؤسس للعهد والقانون والمسؤولية، وكان الإسلام للمسلمين عقيدة، لكن قيم العدل والوفاء وصيانة الدماء والحقوق كان يفترض أن تمتد آثارها إلى الجميع ومسلمهم وكافرهم وذميهم.
وحين استقبل أهل المدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن في مداركهم المحدودة آنذاك أن هذه المدينة الصغيرة ستصبح نقطة انطلاق لتحول تاريخي هائل، وأن هذا الدين سيصل بعد عقود قليلة إلى أمم وحضارات لم يسمع أكثر أهل يثرب بأسمائها، وأن أبناء تلك الشعوب أنفسهم سيصبحون يومًا من كبار علماء الإسلام وقادته وحملة حضارته.
ولعل هذه هي المفارقة الأجمل في ذلك التاريخ كله:
بدأ المشهد برجلين مطاردَين في الصحراء، وانتهى بعد سنوات قليلة بدولة تقف على أبواب إمبراطوريات العالم، وبين المشهدين لم يكن هناك سيف فقط؛ كانت هناك فكرة، وقيم، ونظام جديد للإنسان والدولة.
فالدرس الذي تركه ذلك التاريخ ليس أن القوة لا ضرورة لها؛ فالدول التي لا تستطيع حماية نفسها وقيمها قد لا تعيش طويلًا، وليس الدرس كذلك أن الأخلاق وحدها تكفي في عالم المصالح والصراعات، إنما الدرس في التوازن الدقيق بينهما: قوة تحمي القيم، وقيم تضبط القوة، وحكم رشيد يمنع كليهما من الانحراف.
وهذه، في تقديري، إحدى أعظم الرسائل التي يمكن أن نقرأها في تجربة المسلمين الأوائل.
اللهم صلِّ وسلم على نبي الرحمة محمد، وعلى أصحابه أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة، وعلى من حملوا رسالة العدل والإحسان من بعدهم.