من طهران 1979 إلى بغداد 2003
يقول المؤرخون إن بغداد اجتِيحت اثنتي عشرة مرة، بينما يذهب آخرون إلى أن عدد اجتياحاتها تجاوز العشرين، وحين كان أبو جعفر المنصور، الخليفة العباسي، يبني بغداد، لم يكن ليتخيل المصير الذي ينتظر المدينة التي شيدها حجرًا حجرًا، ففي كل مرة تسقط فيها بغداد، يظن الناس أنها النهاية، لكنها سرعان ما تنهض من جديد، وتستعيد مكانتها بين المدن، ذلك هو قدر بغداد؛ تتعثر، لكنها لا تنكسر، وتسقط، لكنها لا تلبث أن تنهض من جديد.
كان هناك مسلسلٌ شهير قديم، «صح النوم»، يمسك فيه حسني البورزان قلمه ليكتب: إذا أردنا أن نعرف ماذا في إيطاليا، يجب أن نعرف ماذا في البرازيل، ولعلني أستعير هذه الديباجة لأكتب: إذا أردنا أن نعرف ماذا في العراق، فعلينا أولًا أن نعرف ماذا جرى في إيران، ولكن ماذا حدث في إيران؟
لنجعل عام 1979 نقطة الانطلاق؛ ففي تلك السنة وقع حدثان استثنائيان، الأول، إلغاء النظام الملكي في إيران لأول مرة منذ ما يقارب ألفين وخمسمائة عام، والثاني، قيام نظام جمع لأول مرة منذ ظهور الإسلام بين السلطتين الدينية والسياسية في شخص واحد على المذهب الشيعي، هو الخميني، فقبل ذلك التاريخ كانت العلاقة بين السلطتين تقوم على صور مختلفة من التحالف أو التداخل، أما أن يتولى رجل دين قيادة الدولة بوصفه المرجعية الدينية والسياسية معًا، فقد كان تحولًا غير مسبوق في التجربة الإيرانية الحديثة، لان المدرسة الدينية الشيعية تنظر لكل حاكم انه مغتصب حق الإمام.
غير أن المتغير الأهم لم يكن في شكل النظام السياسي فحسب، بل في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، فالدولة بعقليتها الثورية، لم تعد ترى نفسها معبرة عن المجتمع وفئاته ومصالحه، وإنما سعت إلى إعادة تشكيله قسرًا، وإعادة صياغة مؤسساته وثقافته بما ينسجم مع فلسفة الثورة ورؤيتها، ومنذ تلك اللحظة لم تعد الدولة تعكس الواقع بقدر ما أصبحت تعمل على إعادة إنتاجه وفق تصورها الخاص.
ثم برز مبدأ آخر بالغ التأثير، تمثل في الاعتقاد بعالمية الثورة، وبناء السياسة الخارجية على هذا الأساس، فلم تعد الحدود تُقرأ بالمعنى التقليدي الذي يحكم العلاقات بين الدول، بل وفق تصور يتجاوز الحدود القانونية إلى حدود المشروع الأيديولوجي، فيما يسميه بعض الباحثين الحدود الشفافة، وبموجب هذا التصور، أصبح مجال النفوذ يمتد إلى حيث ترى القيادة الإيرانية أن مشروعها ومصالحها حاضرة، مع إضفاء بعد عقائدي يقوم على رعاية الجماعات الشيعية خارج الحدود تحت شعار "نصرة المستضعفين"، وهو الشعار الذي تكرر كثيرًا في الخطاب الرسمي الإيراني، وفي الوقت ذاته، أحيطت الثورة ورموزها بسياج من القداسة، فضاقت مساحة قبول الرأي المخالف، وأصبح الاعتراض يُنظر إليه، في كثير من الأحيان، بوصفه خروجًا على الثورة أو خيانة لها.
وفي ظل هذه المعطيات، أخذت إيران، وفق رؤية كثير من الباحثين، تتجه نحو نموذج الدولة المهيمنة؛ إذ أعادت تشكيل المجتمع، وأعادت توزيع مراكز القوة والنفوذ داخله، وهي نتيجة طبيعية لاستئثار النظام بمفاصل القرار السياسي والأمني.
وخلال سنواتها الأولى واجهت الثورة تحديات جسيمة، غير أن الحرب العراقية الإيرانية مثلت نقطة تحول مفصلية؛ إذ أسهمت في توحيد الداخل تحت شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، كما وفرت للنظام فرصة لترسيخ كوادره داخل مؤسسات الدولة، وتعزيز حضوره في مختلف مفاصلها.
وفي المقابل، شهدت إيران موجات هجرة واسعة شملت أعدادًا كبيرة من الكفاءات والعقول في تخصصات كانت الدولة بأمس الحاجة إليها، بينما فضّل النظام، بحسب كثير من الدراسات، إحلال كوادر أكثر انسجامًا مع مشروعه الفكري والسياسي، ولو جاء ذلك على حساب الكفاءة والخبرة الإدارية.
وبعد عام 2003، امتد أثر هذه التجربة إلى العراق، حيث برز نفوذ إيراني واسع داخل مؤسسات الدولة التي أُعيد بناؤها بعد سقوط النظام السابق، ووصلت شخصيات وقوى مقربة من طهران إلى مواقع مؤثرة في السلطة. ويرى كثير من المراقبين أن بعض المشاهد الرمزية، ومنها مشاركة كبار المسؤولين العراقيين في مراسم تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي، تعكس حجم النفوذ الإيراني داخل العراق، وهي مشاهد تستحق التوقف عندها وتحليل دلالاتها السياسية.
وأصبحت الإشكالية في العراق، من وجهة نظر كثير من الباحثين، أن الدولة أعيد تشكيلها بصورة أنتجت واقعًا رماديًا؛ فهناك مؤسسات رسمية من جهة، وفي المقابل قوى مسلحة تمتلك نفوذًا واسعًا من جهة أخرى، حتى بدا المشهد في أحيان كثيرة وكأن القرار السياسي والأمني موزع بين أكثر من مركز قوة.
ولم يقتصر أثر ذلك على الجانب السياسي، بل امتد إلى الإدارة والخدمات العامة أيضًا، حيث كشفت جولات بعض المسؤولين، ومنها زيارات وزير الصحة للمستشفيات، حجم التحديات التي تواجه مؤسسات الدولة، أما اجتماعيًا، فقد شهد العراق، هو الآخر، موجات هجرة واسعة للكفاءات والعقول، الأمر الذي ترك أثرًا واضحًا في قدرته على النهوض وإعادة البناء، في مشهد يذكّر بما عرفته إيران في سنواتها الأولى بعد الثورة.
وفي تقديري، اختارت النخب السياسية أن تربط مستقبل العراق بمسار المشروع الإيراني في لحظة يواجه فيها هذا المشروع تحديات داخلية وخارجية متزايدة، بينما ظل المواطن العراقي هو الطرف الذي يتحمل الكلفة الأكبر، في حين امتلك كثير من أصحاب القرار خيارات أخرى، ومستقبلًا آخر، خارج حدود البلاد.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل أُعيد بناء العراق بوصفه دولة وطنية مستقلة، أم بوصفه ساحة تتقاطع فيها مشاريع إقليمية متعددة؟
التاريخ يعلمنا أن الدول لا تستعير تجارب غيرها مجانًا، بل تستعير معها نجاحاتها وإخفاقاتها معًا، ولذلك فإن فهم العراق اليوم يقتضي قراءة التجربة الإيرانية، ليس لأن البلدين متطابقان، وإنما لأن مسارًا طويلًا من التأثير السياسي والأمني والفكري جعل بينهما خيوطًا يصعب تجاهلها.
أدار العراق ظهره لخيارات كثيرة، واختار ساسته أن يُركبوا الشعب العراقي حافلةً إيرانية تهبط منحدرًا يقودها سائق معصوب العينين، أما هم، فقد حجزوا لأنفسهم مقاعد النجاة في أوروبا، واشتروا العقارات، وأمّنوا مستقبل أبنائهم، بينما تُرك العراقي البسيط وحيدًا ليدفع ثمن رحلة لم يكن يومًا من اختار وجهتها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق