قرأت مقالًا بعنوان «التغريبة الفلسطينية الجديدة في تايلاند» نُشر عام 2018، وأصابني حزن شديد بعد قراءته، وأود هنا أن أضع أهم النقاط التي وردت فيه، والذي يحكي قصة أسرة فلسطينية هاجرت من فلسطين إلى سوريا، ثم اضطرتها احداث الثورة السورية إلى الهجرة إلى تايلاند ضمن 600 لاجئ.
الأم الفلسطينية، التي رُمز لها بـ(س.أ)، قالت بحزن وأسى: «نعيش خوفًا وقلقًا وتوترًا وضغطًا وعدم استقرار، يعني ببساطة نعيش اللا حياة، هربنا من ويلات الحرب في سوريا لنعيش ويلات تايلاند، خرجنا مثل كل أم وأب يخافان على أولادهما، فالقلق والخوف والترقب سمات يومنا، وأن تعيش من دون أمان حياة كالموت».
وتقول (س.أ): «قبل خمس سنوات خرجنا إلى تايلاند مع عائلتي الكبيرة عن طريق مكتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وعندما انتهت مدة التأشيرة (3 أشهر) بدأت السلطات التايلاندية حملة شرسة لمكافحة وجود اللاجئين بحجة أنهم مهاجرون غير شرعيين، وقامت باحتجاز من يُقبض عليهم في سجون قاسية».
وتضيف الأم الفلسطينية (س.أ): «صرنا نتنقل من مكان إلى آخر، بعضنا اختبأ في غرفة عند أحد الأصدقاء، وبعضنا صار يقضي يومه في المولات، وآخرون أغلقوا على أنفسهم الأبواب وأصبحوا كالأموات وهم أحياء كي لا يسمعهم أحد، فصارت شرطة السياحة تلاحقنا داخل المولات وفي الشوارع وباللباس المدني».
وبعد القبض على الكثيرين أصبحت عائلات بلا معيل؛ أب وأم تجاوزا الستين من العمر بينما أبناؤهما في السجن، وعائلات مكونة من زوجة وأطفال بينما الأب المعيل مسجون، وأطفال يعيشون وحدهم بينما أمهم بعيدة وأبوهم خلف القضبان. تخيل أن يُقبض عليك وتُوضع في سيارة السجن كمجرم أو إرهابي أمام أطفالك.
وتقول (س.أ): «سُجنت مدة سنة وعدة أشهر مع عائلتي الكبيرة وأربعة أطفال، بينهم طفلة بعمر سنة ونصف وطفلة رضيعة عمرها شهران»، لتضيف بحزن شديد: «ابنتي وُلدت مريضة، وقد أصابها في السجن ضيق في التنفس وكادت أن تذهب من بين يدي، ناهيك عن جرثومة أصابت عينها، وبسببها أجريت لها جراحة في عينيها الاثنتين».
وتتابع: «أولادنا صاروا بحاجة إلى علاج لكثرة الخوف والرعب من الأبواب المغلقة ومن الأصوات، حتى أصوات سيارات الإسعاف، حلمنا الوحيد أن نرى البسمة مرسومة على وجوههم من جديد، وأن نسمع صوت ضحكاتهم، نريدهم أن يعودوا أطفالًا يقفزون حولنا، ونريد أن نرى الحقيبة المدرسية على ظهورهم».
وسيدة أخرى، رُمز لها بـ(ر.ع)، تقول: «في سوريا زادت آلامنا بفراق أحد أبنائنا، فقررنا أن نغادر البلد، وبعنا كل ممتلكاتنا وشددنا الرحيل إلى تايلاند. وبعد انتهاء صلاحية الفيزا بدأت مسيرة جديدة من العذاب، فكنا نهرب، وكبرت عائلتي وأصبح لدينا أطفال صغار يعانون ما نعانيه، بل ويخافون أكثر».
وتتابع (ر.ع): «لا نستطيع الخروج من المنزل لجلب الطعام والدواء واحتياجات أطفالنا، فقد داهموا البيوت وأخذوا من كان فيها، ولاحقوا واعتقلوا العشرات من الشباب والشيوخ والنساء والأطفال، وتشردت عائلات وسُجن معيلوها، وزادت الصعوبة حين أمرت الحكومة بعدم تأجير البيوت لمن لا يحمل إقامة».
لكن الهرب لم يحمِ هذه العائلة طويلًا، إذ اعتُقل أفرادها وبينهم أطفال صغار، أكبرهم ثلاث سنوات وأصغرهم ثلاثة أشهر، ولم تستطع العائلة الخروج من السجن إلا بعد جهود كبيرة بذلتها جمعيات إسلامية في تايلاند. وتقول: «في السجن كنا نحتاج إلى حليب الأطفال وحفاظاتهم، لكننا كنا نحتاج إلى الأمان قبل أي شيء».
وتضيف: «ابني، البالغ من العمر خمسة عشر عامًا، لم يعد عندي أمل بشيء، جئت به إلى تايلاند وعمره عشر سنوات وكلي أمل أن يتم لجوؤنا إلى بلد آمن ليبدأ فيه دراسة جديدة ومستقبلًا أفضل، أما اليوم فقد أصبح عمره خمسة عشر عامًا وحياته متوقفة تمامًا؛ لا مدرسة، ولا أصدقاء، ولا جيران، ولا حتى أبسط حقوقه في الأمان».
ولتختتم (ر.ع) مأساتها متسائلة بقلب موجوع: «أذنبنا فقط لأننا فلسطينيون سُلبت أرضنا وتشردنا؟ بينما يعيش المحتل آمنًا في بلادنا، عشنا خمس سنوات في تايلاند كلها خوف ورعب وقلق وهروب من مكان إلى آخر، وعدم استقرار وحياة مع وقف التنفيذ. من المسؤول عن ضياع هذه السنين، وإلى أين المصير؟».
هذه واحدة من القصص الحزينة التي أحببت أن أطلعكم عليها، وهناك مئات القصص المشابهة من التغريبة الفلسطينية، وكذلك السورية. لقد أصبح البحث عن الأمان الهدف الوحيد لأناس تقطعت بهم السبل، وتركوا أوطانهم وأموالهم بحثًا عن حياة آمنة.
ولعل أكثر ما يؤلم في هذه الحكايات أن التغريبة الفلسطينية لم تعد حدثًا تاريخيًا ارتبط بعام 1948، بل تحولت إلى حالة ممتدة تتوارثها الأجيال؛ جيلٌ خرج من فلسطين إلى بلدٍ عربي ظنّ أنه سيكون محطة استقرار، ثم وجد نفسه مضطرًا إلى الرحيل مرة أخرى بحثًا عن مكان يمنحه الحد الأدنى من الأمان والكرامة. إنها رحلة طويلة من الانتظار والاقتلاع، يتبدل فيها المكان، لكن يبقى الخوف واللجوء والحنين رفقاء دائمين.
وفي خضم كل ذلك، يظل السؤال الذي تطرحه هذه القصص مؤلمًا: كم جيلاً آخر سيولد ويكبر بعيدًا عن وطنه، وهو لا يعرف من فلسطين إلا اسمها وصورًا قديمة وروايات يرويها الآباء والأجداد؟ إن مأساة اللاجئ لا تُقاس فقط بفقدان البيت والأرض، بل أيضًا بالسنوات التي تُسرق من عمر الأطفال، وبالأحلام التي تُؤجل، وبالإحساس القاسي بأن الحياة نفسها أصبحت مؤجلة إلى إشعار آخر.
اللهم ارحم ضعفاء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فليس لهم إلا أنت.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق