السبت، 31 أكتوبر 2026

ما بين غزة وتعز حضر المتجاهل.. حين تتغير الجريمة بتغير الجلاد،،،

 ما بين غزة وتعز حضر المتجاهل.. حين تتغير الجريمة بتغير الجلاد،،،

 

في إعلامنا الحديث ابتُلينا بصدارة المتجاهل، وهو شخص يعرف الحقيقة بجلاء، ولكنه يحاول إبعادها عن المشاهد، وتقديم فرضية أخرى لا تنتمي إلى الحقيقة، مستغلًا قدراته اللفظية والتعبيرية في السيطرة على أذهان المتابعين، والمتجاهل لا يستغل جهل المتلقي وحده، وإنما يستثمر العاطفة والانتماء السياسي والمذهبي للالتفاف على الحقيقة، فهو لا يحتاج إلى إقناع المشاهد بالكذب، بقدر حاجته إلى منعه من رؤية الحقيقة كاملة.

 

سوف نعود إلى المتجاهل، ولكن أريد قبل ذلك أن أضع مقارنة صغيرة بين غزة وتعز، ولن تكون في الجغرافيا أو التاريخ، وإنما في الحالة؛ فكلتا المدينتين تعرضتا لحصار وحشي حرم المدنيين من مقومات الحياة، وعانى سكانهما من ويلات الحرب، ولم تسلم المنظومة المدنية من آثار الصراع العسكري، ورغم اختلاف السياق التاريخي والسياسي والقانوني بين الحالتين، فإن معاناة المدنيين لا تتغير قيمتها بتغير الجغرافيا أو هوية المتسبب فيها، لذا حين تبكي حصار غزة، ثم تبحث عن المبررات لحصار تعز، فأنت لا تدافع عن مبدأ، وإنما تنتقي ضحاياك وفق هوية الجلاد، أو بتعبير آخر، فإن الجريمة لم تتغير، وإنما جاء الجلاد هذه المرة على هوى النفس.

 

الفكرة التي ساهمت في تحويل سوريا إلى ركام، والعراق إلى شبه دولة، والتي عرفتها المنطقة في صفحات دامية من تاريخها، وكذلك من التفجيرات التي استهدفت المقاهي في الثمانينيات في الكويت إلى محاولات اغتيال شخصيات خليجية واختطاف الطائرات، وتخزين المتفجرات بين المدنيين في لبنان، تقوم في جوهرها على توظيف العنف لتحقيق غايات سياسية دون الاكتراث بالدماء، وإن اختلفت التنظيمات والمسؤوليات التاريخية عن تلك الأحداث، وهي الفكرة التي نجد بعض ملامحها اليوم حاضرة في حصار تعز، ولا تختلف في منطق ترويع المدنيين عن الأساليب التي استخدمتها التنظيمات الصهيونية المسلحة لتهجير الفلسطينيين من مدنهم وقراهم، وما شهدته غزة أخيرًا من تدمير وتهجير، قد تختلف الرايات والشعارات، ولكن معاناة الضحية لا تختلف، ولا تصبح الجريمة أقل بشاعة حين يرتكبها من نتفق معه.

 

نعود إلى المتجاهل، ذلك الذي يملك عينين، ولكنه اختار أن يرى بإحداهما فقط، يتحدث عن أطفال غزة، ويسهب في وصف آلامهم، ثم حين ينتقل المشهد إلى أطفال تعز، تتغير مفرداته، ويختفي قاموس الإنسانية، وتبدأ رحلة البحث عن المبررات، ليس لأن الجريمة تغيرت، وإنما لأن مرتكبها تغير، وهنا تكمن المعضلة؛ حين لا يكون الموقف من الجريمة قائمًا على بشاعتها، وإنما على هوية من ارتكبها.

 

ولعل أخطر ما يفعله المتجاهل أنه لا ينكر الوقائع بالضرورة، وإنما يعيد ترتيبها، فيضخم ما يخدم روايته، ويخفي ما يناقضها، ويمنح المشاهد جزءًا من الحقيقة ليقوده إلى نتيجة بعيدة عنها، وهنا تتحول البلاغة من وسيلة لإيضاح الحقيقة إلى ستار يحجبها، ويتحول الإعلامي من ناقل للمعرفة إلى صانع لقناعات تقوم على ما اختار إظهاره وما تعمد إخفاءه.

 

ليس مطلوبًا من الإنسان أن يحب الجميع، ولا أن تتطابق مواقفه السياسية مع الآخرين، ولكن المطلوب ألا تتغير قيمة الدم في ضميره بتغير هوية من سفكه، وألا يصبح الطفل ضحية تستحق البكاء في مدينة، ورقمًا لا يستحق الالتفات في مدينة أخرى، فالإنسانية ليست موقفًا سياسيًا نختاره حين يوافق مصالحنا، ثم نتخلى عنه حين تتعارض قيمها مع انتماءاتنا.

 

شاهدنا المتجاهل بوضوح حين بكى نصرالله، ولمّح إلى أن استبداد الأسد يمكن تبريره تحت عباءة المقاومة، ثم بعد التحرير حاول ركوب الموجة، فبكى ضحايا صيدنايا وسوريا بالمنديل نفسه الذي لم تجف دموعه حين بكى نصرالله، أحيانًا يجد المتجاهل نفسه مضطرًا إلى مجاراة موجة الحق حفاظًا على رصيده أمام الجمهور، فلا يستطيع تجاهل الحقيقة حين تصبح أكثر وضوحًا من أن تُحجب، ولكنه يستعيد براعته حين تتاح له فرصة تلميع السجّان على حساب الضحية، وتقديم الجلاد في ثوب صاحب القضية.


سوف يأتي زمن يقرأ فيه أبناؤنا تاريخ هذه المرحلة، فيتعجبون كيف استطاع بعضهم أن يبكي أطفال غزة، ثم يجد ألف مبرر لمن حاصر أطفال تعز، وكيف أصبحت الإنسانية ثوبًا يلبسه البعض أمام الكاميرات، ثم يخلعه حين تتعارض قيمها مع مصالحه وانتماءاته.

 

التاريخ لا يحتفظ طويلًا ببلاغة المتحدثين، ولكنه يحتفظ بمواقفهم، وحين تنقشع غيوم الدعاية، لن يكون السؤال ماذا قالوا، وإنما ماذا كانوا يعرفون، ولماذا اختاروا تجاهله.

 

فالمشكلة ليست فيمن لا يعرف الحقيقة، وإنما فيمن يعرفها، ثم يستخدم علمه وبلاغته لإخفائها.


الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026

ايران وقانون الثوب وحركة الأفعى:


 لبس ثوبًا أكبر من جسمه، مثل شائع في الخليج يقال عن الشخص الذي يتقمص دورًا أكبر من قدراته، والثوب الذي يظن صاحبه أنه يضفي عليه جمالًا وهيبة، قد يتحول، إذا تجاوز مقاسه، إلى عبء يتعثر به كلما حاول السير.

 

ولعل هذا المثل يصلح مدخلًا لقراءة جانب مهم من التجربة الإيرانية؛ فالمسألة في تقديري، لم تبدأ مع الثورة الإسلامية عام 1979، بل تمتد جذورها إلى العهد الشاهنشاهي، حين ارتفع طموح الشاه محمد رضا بهلوي إلى بناء قوة عسكرية تجعل إيران في مصاف القوى الكبرى، وسعى إلى امتلاك جيش يصنف ضمن أقوى جيوش العالم.

 

كانت المشكلة أن بناء القوة العسكرية لا يكتمل بتكديس السلاح، بل يحتاج إلى مشروع سياسي واقتصادي واجتماعي قادر على التكلفة، غير أن الشاه مضى في مشروعه العسكري، وامتلأت مخازن إيران بأحدث الأسلحة، وكأن بناء القوة يمكن أن يبدأ من قمة الهرم قبل تثبيت قاعدته، وكانت المفارقة أن الدولة التي امتلكت ترسانة ضخمة لم تستطع تلك الترسانة أن تحمي نظامها عندما انفجرت أزمته من الداخل.

 

جاءت الثورة الإيرانية وكفرت تقريبًا بكل ما ارتبط بالملكية؛ أسقطت الشاه، وغيرت هوية الدولة ورموزها وخطابها وتحالفاتها، لكنها احتفظت من العهد السابق بأمر بالغ الأهمية: الحلم الذي يتجاوز حدود إيران، كان الشاه يبحث عن مكانة إقليمية لإيران، أما الثورة فقد أضافت إلى طموح الدولة بعدًا أيديولوجيًا ودينيًا، وأصبح مفهوم ولاية الفقيه جزءًا من البناء الدستوري والسياسي للجمهورية الجديدة، وهكذا لم يعد النفوذ الخارجي مجرد أداة من أدوات السياسة التقليدية للدولة، بل ارتبط كذلك برؤية الثورة لنفسها ولدورها خارج حدودها.

 

ومن هنا بدأت إيران تدريجيًا في بناء شبكة نفوذ إقليمية، وكان الحرس الثوري، ولا سيما في نشاطه الخارجي، إحدى الأدوات الرئيسية لهذا المشروع، وإيران التي خرجت من ثورة عام 1979 ثم دخلت بعد عام واحد حربًا مدمرة مع العراق هددت أمنها ونظامها الجديد، أصبحت بعد عقود لاعبًا حاضرًا رئيسيًا في بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، من خلال حلفاء محليين وقوى سياسية وتنظيمات مسلحة ارتبط بعضها بها بدرجات متفاوتة.

وبمرور الوقت، بدا المشروع الإيراني كأفعى طويلة التفت حول عدد من عواصم المنطقة؛ رأسها في طهران، بينما امتدت أذرع نفوذها عبر أكثر من ساحة عربية، حتى أصبحت قادرة، من خلال حلفائها وأذرعها، على غرس نابها في أكثر من ملف متى أرادت الضغط أو إيصال رسالة، ولم يعد أمن إيران، وفق هذه الرؤية، يبدأ عند حدودها الجغرافية، بل أصبح جزء منه يصنع بعيدًا عنها، في بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء.

 

وقد كان ذلك، من زاوية النفوذ السياسي، توسعًا كبيرًا لمشروع بدأ في ظروف شديدة الصعوبة بعد الثورة والحرب العراقية الإيرانية، لكن صورة الأفعى نفسها تحمل المفارقة؛ فكلما طال جسدها واتسعت المساحات التي تلتف حولها، ازدادت المساحات التي ينبغي عليها حمايتها، وأصبحت إصابة أي جزء منها قادرة على إرباك بقية الجسد.

 

وهنا يطرح السؤال نفسه: هل كل مساحة تستطيع الدولة الوصول إليها تستطيع الاحتفاظ بها؟

في تقديري، عند هذه النقطة بدأت إيران ترتدي الثوب الأكبر من جسدها، فالنفوذ لا يكفي أن تصنعه؛ عليك أن تموله وتحميه وتحافظ على حلفائه، وأن تتحمل كلفته السياسية والعسكرية والاقتصادية، وكلما اتسعت رقعة المشروع، أصبحت المحافظة عليه أكثر صعوبة، لأنك لم تعد تتعامل مع خصم واحد أو ساحة واحدة، وإنما مع مصالح دول وقوى كبرى وحسابات مجتمعات محلية قد تتغير في لحظة.

 

وكانت سوريا واحدة من أهم الاختبارات لهذا المشروع، دخلت إيران بثقلها دفاعًا عن نظام بشار الأسد وحماية مشروعها، ثم دعت روسيا للدخول عسكريًا إلى الساحة السورية عام 2015، والتقت مصالح الطرفين عند هدف مشترك هو حماية النظام السوري، رغم اختلاف حساباتهما ومصالحهما بعيدة المدى.

 

وهنا تظهر إحدى مشكلات المشاريع التوسعية: قد تستدعي شريكًا قويًا لمساعدتك في حماية ما بنيته، لكن دخول هذا الشريك يعني أنه أصبح صاحب مصلحة ونفوذ وقرار في المساحة نفسها، ومن يفتح الباب للأسد لا يستطيع بعد ذلك أن يحدد له مساحة الغرفة التي يجلس فيها.

 

ولذلك لم تعد سوريا ساحة تستطيع إيران أن ترسم حدود الحركة فيها وحدها، بل أصبحت ميدانًا تتقاطع فيه المصالح الإيرانية والروسية والتركية والإسرائيلية والأمريكية، فضلًا عن القوى السورية نفسها، وكلما ازدحم اللاعبون، تقلصت قدرة أي طرف على رسم المشهد منفردًا.

وهنا نعود إلى أصل الحكاية!!!

من الشاه إلى الجمهورية الإسلامية تغيرت الرايات والشعارات والتحالفات، وسقط نظام وقام آخر يناقضه في كثير من الأسس، لكن بقيت معضلة تستحق التأمل: الطموح إلى بناء دور إقليمي أكبر من قدرة الداخل على حمل تكاليفه.

 

أراد الشاه أن يجعل إيران قوة عسكرية كبرى قبل أن يكتمل بناؤها السياسي والاجتماعي، ثم جاءت الثورة فوسعت الحلم؛ فلم يعد السؤال عن قوة إيران داخل حدودها فقط، وإنما عن قدرتها على بناء نفوذ يمتد عبر الإقليم والمحافظة عليه.

وهنا تلتقي صورتا المقال: الثوب والأفعى.

فالأفعى التي تمد جسدها بعيدًا تحتاج إلى حماية كل جزء منه، والثوب الذي يكبر عن صاحبه يحتاج منه إلى جهد أكبر حتى لا يتعثر بأطرافه، وفي الحالتين تبقى المشكلة واحدة: المسافة بين ما تريد الدولة أن تكونه، وما تسمح لها قدراتها الحقيقية بأن تكونه.

 

والمشكلة في الثوب الكبير أنه قد يبدو جميلًا ومهيبًا حين يقف صاحبه أمام المرآة، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يحاول السير به؛ عندها فقط تظهر المسافة بين حجم الثوب وحجم الجسد، وبين حجم الطموح وحجم القدرة.

 

ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم في قراءة التجربة الإيرانية: إلى أين استطاعت إيران أن تصل؟

فقد وصلت بالفعل إلى مساحات بعيدة، وصنعت نفوذًا إقليميًا واسعًا.

السؤال الأصعب هو: كم دفعت حتى تصل، وكم تستطيع أن تدفع حتى تبقى؟

 

خليفة ال محمود، محام ومدون سياسي،،،


السبت، 10 أكتوبر 2026

المساواة بين الجاني والضحية

 توقفت كثيرا عند مقطع للدكتور عزمي بشارة، ليس لما حمله من معلومات تاريخية، وإنما للطريقة التي اختيرت بها بعض صفحات التاريخ، وأسقطت صفحات أخرى لا تقل عنها أهمية، لتخرج لنا سردية مجتزأة عن طبيعة الصراع الإيراني الخليجي، وكأن التاريخ لا يملك إلا وجها واحدا، وأن المسؤولية تقع على طرف، بينما يقف الطرف الآخر في موقع الضحية.

 

بنى المتحدث فكرته على عدة ركائز؛ أن العداء بين إيران ودول الخليج متبادل، وأن دولا عربية وجهت وسائل إعلام ناطقة بالفارسية إلى الداخل الإيراني، وقدمت دعما سياسيا لمنظمة مجاهدي خلق، مستشهدا بحضور بعض المسؤولين العرب مؤتمراتها في باريس، ثم انتقل إلى الحرب العراقية الإيرانية، التي يرى أنها تركت عقدة نفسية وتاريخية عميقة في العقل السياسي الإيراني، ولا تزال آثارها حاضرة لدى الجيل الذي يصنع القرار في طهران.

 

ولم ينكر المتحدث الأطماع الإيرانية أو تدخلاتها في الدول العربية، بل انتقد اعتمادها على الميليشيات المسلحة خارج حدودها، لكنه استدرك بعبارة لافتة: دعنا نضع فكرة المقاومة جانبا قليلا، وكأن وصف جماعة مسلحة بأنها مقاومة قد يمنحها استثناء من القواعد التي تحكم سيادة الدول، وهي مسألة سأعود إليها لاحقا.

 

ومن مجموع هذه الركائز خرجت سردية تقدم إيران باعتبارها ضحية لسياسات الآخرين، وأن ما أصبحت عليه من قوة عسكرية وأمنية عابرة للحدود لم يكن إلا نتيجة طبيعية لما تعرضت له، وكأننا نحن من صنع ذلك الوحش الذي أصبحنا اليوم نعاني من أنيابه.

 

وهنا أجد نفسي أمام سؤال لا يمكن تجاوزه: هل كانت إيران مجرد دولة تدافع عن نفسها، أم أنها حملت منذ اللحظة الأولى لانتصار ثورتها مشروعا سياسيا وعقائديا يتجاوز حدودها الجغرافية، ويرى في الدول المحيطة بها امتدادا لساحة الثورة؟

 

سأتوقف عند ما أسماه المتحدث «العقدة»، وهي الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت ثماني سنوات، من عام 1980 حتى عام 1988، لأستعيد بعض الصفحات التي غابت عن حديثه، لا بقصد تبرئة العراق من مسؤولية قراره العسكري، ولا إنكار أن العراق بدأ الغزو الشامل للأراضي الإيرانية في سبتمبر 1980، وإنما لبيان أن اختزال جذور الصراع في العداء الخليجي لإيران لا يقدم صورة أمينة للتاريخ، فالعلاقات العراقية الإيرانية مرت بأطوار حاسمة، وكان التوتر بين الدولتين أقدم من الثورة الإيرانية، غير أن انتصار الثورة أضاف إلى الخلافات الحدودية والسياسية بعدا عقائديا بالغ الخطورة.

 

ولعل من الشواهد التي تستحق الوقوف عندها طبيعة الخطاب السياسي الذي ساد تلك المرحلة، وفي أول مراسلة بين القيادة العراقية والخميني لتهنئته بنجاح الثورة، أنه ختم رده بعبارة (والسلام على من اتبع الهدى)، وهي ليست مجرد تحية دبلوماسية عابرة، بل عبارة ذات أصل قرآني وردت في خطاب موسى وهارون إلى فرعون، واستعملها الرسول صلى الله عليه وسلم في رسالته إلى هرقل عظيم الروم، داعيا إياه إلى الإسلام.

 

وهي صيغة ارتبطت في أشهر استعمالاتها التاريخية بمخاطبة غير المسلمين، وإن كان استعمالها لا يعني بالضرورة تكفير المخاطب، إلا أن توظيفها في مراسلات بين قيادتين لدولتين مسلمتين، يفتح بابا مهما لفهم طبيعة الخطاب العقائدي الذي طغى على الخلاف السياسي بينهما، فالخطابات بين الدول لا تصاغ اعتباطا، والكلمات فيها تحمل من المعاني ما قد تعجز عنه صفحات من التصريحات السياسية.

 

ثم نأتي إلى أمر أكثر أهمية، وهو الدستور الإيراني نفسه، الذي لا يمكن قراءة السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية بمعزل عنه، فقد حمل الدستور منذ نشأته تصورا يتجاوز الحدود الوطنية، وتحدثت مقدمته عن استمرار الثورة في الداخل والخارج، وعن تمهيد الطريق لتشكيل أمة عالمية واحدة، كما نصت المادة الثالثة على دعم المستضعفين، وأكدت المادة 154 مساندة النضالات المشروعة للمستضعفين في مواجهة المستكبرين.

 

وهنا تكمن التأكيد بين النص والممارسة؛ فحين تحمل دولة مشروعا ثوريا ذا رسالة عابرة للحدود، يصبح السؤال عن حدود هذه الرسالة، وعن مدى احترامها لسيادة الدول الأخرى، سؤالا مشروعا لا يمكن وصفه بالعداء.

 

أما ولاية الفقيه، فقد منحت المرشد موقعا دينيا وسياسيا يتجاوز في أثره المعنوي حدود الدولة الإيرانية لدى المؤمنين بهذه النظرية، وإن كان من غير الدقة القول إن الدستور ألغى الحدود السياسية بين الدول الإسلامية، ولكن هذا التمييز لا ينفي أن الخطاب الثوري الإيراني حمل طموحا أمميا اصطدم في مراحله الأولى بمفهوم الدولة الوطنية وسيادتها، ولم تكن هذه الأفكار مجرد نصوص دستورية أو تنظيرات فقهية، وإنما وجدت صداها في الخطاب السياسي لبعض قادة الثورة الإيرانية.

 

ومن التصريحات المنسوبة إلى أبي الحسن بني صدر أول رئيس جمهورية لايران خلال الحرب العراقية الإيرانية وبعد التوغل في الأراضي العراقية، دعوته إلى الزحف على بغداد، انطلاقا من تصور يرى أن الأمة الإسلامية واحدة، وأن الحدود السياسية لا ينبغي أن تفصل بين أبنائها، وأن الخميني ليس قائدا للإيرانيين وحدهم، وإنما مرجعية لجميع المسلمين، بمن فيهم الشعب العراقي.

 

إن دلالة هذا التصريح تتجاوز مجرد الخصومة بين دولتين؛ إذ تكشف عن تصور سياسي تصبح فيه الحدود الجغرافية أقل شأنا أمام المشروع العقائدي، وتغدو سيادة الدولة الوطنية قابلة للتجاوز باسم وحدة الأمة.

 

وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن لدولة مجاورة أن تطمئن إلى مشروع سياسي يرى في حدودها مجرد خطوط لا ينبغي أن تحول دون امتداد الثورة إليها؟


ولم يبق الخلاف بين العراق وإيران حبيس النصوص الدستورية أو المناظرات العقائدية، بل انتقل إلى الشارع والخطاب السياسي، وتصاعدت المظاهرات والاحتجاجات أمام البعثات الدبلوماسية، وتبادل الطرفان الاتهامات بالتدخل في الشؤون الداخلية والتحريض على إسقاط النظام، وذلك قبيل اندلاع الحرب بينهما.

 

وكان وصف حزب البعث بالكفر يتردد في الخطاب الثوري الإيراني، مع الدعوة إلى إسقاطه، بينما كان النظام العراقي يقدم نفسه مدافعا عن السيادة العربية في مواجهة مشروع تصدير الثورة.

 

ولم تكن اتفاقية الجزائر لعام 1975 بعيدة عن هذا الصراع، فقد شكلت إحدى أهم نقاط الخلاف بين الدولتين، ولا سيما ما تعلق بحدود شط العرب، غير أن الخلاف على الاتفاقية لا يجوز فصله عن طبيعة الصراع السياسي الذي نشأ بعد الثورة، كما لا يجوز اتخاذه وحده تفسيرا لجميع الأحداث التي قادت إلى الحرب.


ثم جاءت سلسلة من أعمال العنف والاغتيالات ومحاولات التفجير، ومن أبرزها محاولة اغتيال طارق عزيز في الجامعة المستنصرية في أبريل 1980، والتي اتهمت السلطات العراقية حزب الدعوة الإسلامية بالوقوف وراءها، وحملت إيران مسؤولية دعم خصوم النظام، وهي اتهامات ينبغي التمييز فيها بين ما أعلنته بغداد آنذاك وما ثبت تاريخيا من أدلة.

 

وكانت تلك الأحداث جزءا من مناخ شديد التوتر، اختلطت فيه الخصومة السياسية بالصراع المذهبي، وتداخلت فيه الحسابات الأمنية مع الطموحات الثورية، ثم جاءت الحرب، وهنا لا بد من التفريق بين أمرين: المسؤولية عن إشعال الحرب الشاملة، والمسؤولية عن صناعة المناخ الذي سبقها.

 

فالعراق بدأ هجومه الواسع على إيران في 22 سبتمبر 1980، وهذه حقيقة تاريخية لا يصح تجاوزها، ولكن ذلك لا يعني أن العلاقات قبل هذا التاريخ كانت مستقرة، أو أن الطرف الإيراني لم يكن جزءا من التصعيد السياسي والعسكري الذي سبق اندلاعها.

 

فقد شهدت المناطق الحدودية اشتباكات وقصفا متبادلا خلال الأيام الأولى من سبتمبر، ومن بينها أحداث الرابع من سبتمبر 1980، التي تذكر الرواية العراقية أنها شملت قصف مناطق خانقين ومندلي ونفط خانة وزرباطية، وهذه الوقائع تحتاج إلى قراءة الوثائق العسكرية والدبلوماسية للطرفين، لا الاكتفاء برواية واحدة، حتى لا نقع في الخطأ نفسه الذي ننتقده.

 

لكن المحطة التي أراها أكثر دلالة على طبيعة المشروع السياسي الإيراني لم تكن بداية الحرب وحدها، وإنما ما حدث بعد أن استعادت إيران أراضيها التي احتلتها القوات العراقية عام 1982، فقد أصبح السؤال آنذاك: لماذا تستمر الحرب بعد زوال الجزء الأكبر من الاحتلال العراقي؟

 

لقد انتقلت القوات الإيرانية إلى داخل الأراضي العراقية، وأصبح إسقاط نظام صدام حسين من الأهداف المعلنة للقيادة الإيرانية، واستمرت الحرب ست سنوات أخرى، استنزفت خلالها أرواح مئات الآلاف من البشر وموارد دولتين، وانتهت عام 1988 دون أن تحقق إيران هدف إسقاط النظام العراقي.

 

وهذه المرحلة لا يمكن تفسيرها باعتبارها مجرد رد فعل على عدوان وقع عام 1980، دون مناقشة القرار السياسي الإيراني بالاستمرار في الحرب بعد استعادة معظم أراضيها، وطبيعة الأهداف التي سعت القيادة الإيرانية إلى تحقيقها.

 

وهنا تتكشف المفارقة؛ فإذا كانت إيران قد خاضت الحرب دفاعا عن أرضها في بدايتها، فإن استمرارها بعد عام 1982 يفرض علينا أن نبحث في العلاقة بين الدفاع عن الوطن والسعي إلى تغيير النظام السياسي في دولة أخرى.

 

ولذلك فإن تقديم إيران اليوم باعتبارها ضحية صنعتها سياسات الخليج، يتجاهل جانبا أصيلا من تاريخ الجمهورية الإسلامية، وهو أن مشروعها الإقليمي لم يولد من رحم العداء الخليجي وحده، وإنما كان جزءا من التصور السياسي والعقائدي الذي صاحب الثورة منذ نشأتها.

 

ثم أعود إلى العبارة التي استوقفتني في حديث عزمي بشارة، حين انتقل إلى مناقشة الميليشيات المسلحة التي أنشأتها إيران أو دعمتها خارج حدودها، فقال: (دعنا نضع فكرة المقاومة جانبا قليلا)، ثم مضى في انتقاد اعتماد إيران على الميليشيات في الدول الأخرى.

 

وهذه العبارة، وإن بدت عابرة، تحمل دلالة تستحق التأمل؛ فكأن وصف جماعة مسلحة بأنها "مقاومة" يمنحها استثناء من القواعد التي تحكم سيادة الدول، ويجعل وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة أمرا يمكن تبريره متى ارتدى ثوب المقاومة.

 

وهنا تكمن الإشكالية؛ فالمقاومة لها مشروعيتها في سياقها وضوابطها، ولكنها ليست صكا مفتوحا يبيح إنشاء جيوش موازية، أو مصادرة قرار الدولة، أو تحويل أراضيها إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية.

 

والسؤال الذي يفرض نفسه: من يملك حق منح صفة المقاومة؟ وهل يكفي أن ترفع جماعة السلاح تحت هذا الشعار حتى تصبح فوق المساءلة، ويغدو تدخل دولة أجنبية في شؤون دولة أخرى أمرا مقبولا؟

 

إن خطورة هذه العبارة أنها توحي، ولو من غير قصد، بأن الاعتراض ليس على وجود الميليشيات في ذاته، وإنما على تلك التي لا يمكن إدراجها تحت عنوان المقاومة، وكأن هذا العنوان وحده قادر على تحويل ما يمس سيادة الدول إلى فعل مشروع.

 

ومن هنا تبدو المفارقة في حديثه؛ فهو يدعو إلى احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ثم يستثني من النقاش، ولو مؤقتا، عنوانا استخدم في تبرير وجود جماعات مسلحة خارج سلطة الدولة.


فكيف يمكن بناء الثقة بين الدول، إذا كانت السيادة مبدأ لا يقبل التجزئة في موضع، ويصبح قابلا للاستثناء في موضع آخر؟

 

ولا يعني ذلك أن السياسات الخليجية كانت دائما صائبة، أو أن العراق لم يرتكب أخطاء جسيمة، أو أن إيران لم تتعرض لعدوان حقيقي، ولكن الإنصاف التاريخي لا يتحقق بإدانة طرف وتبرئة الآخر، وإنما بوضع الوقائع جميعها على الطاولة، حتى تلك التي لا تخدم النتيجة التي نريد الوصول إليها.

 

إن أخطر ما في السرديات المجتزأة تقول جزءا من الحقيقة، ثم تحجب الجزء الذي يغير معناها.

 

فالتاريخ ليس مرآة نضع أمامها الوجه الذي نحب، ونخفي خلفها الوجه الذي لا نريد أن يراه الآخرون، ومن أراد أن يفسر لنا لماذا أصبحت إيران على ما هي عليه اليوم، فعليه أن يبدأ من داخل المشروع الإيراني نفسه، قبل أن يبحث عن المسؤولين عنه خارج حدوده.

 

فليس من الإنصاف أن نحمل الخليج مسؤولية كل ما أصبحت عليه إيران، كما ليس من الإنصاف أن نعفي الخليج من أخطائه، ولكن بين الأمرين مسافة واسعة، لا يجوز أن نردمها بسردية تنتقي من التاريخ ما تشاء، ثم تقدم ما بقي باعتباره الحقيقة كاملة.

 

فالتاريخ لا يقرأ بنصف ذاكرة، والسيادة لا تحمى بنصف مبدأ، والمقاومة لا ينبغي أن تتحول من وسيلة لتحرير الأرض إلى عنوان يبرر مصادرة الأوطان.