لبس ثوبًا أكبر من جسمه، مثل شائع في الخليج يقال عن الشخص الذي يتقمص دورًا أكبر من قدراته، والثوب الذي يظن صاحبه أنه يضفي عليه جمالًا وهيبة، قد يتحول، إذا تجاوز مقاسه، إلى عبء يتعثر به كلما حاول السير.
ولعل هذا المثل يصلح مدخلًا لقراءة جانب مهم من التجربة الإيرانية؛ فالمسألة في تقديري، لم تبدأ مع الثورة الإسلامية عام 1979، بل تمتد جذورها إلى العهد الشاهنشاهي، حين ارتفع طموح الشاه محمد رضا بهلوي إلى بناء قوة عسكرية تجعل إيران في مصاف القوى الكبرى، وسعى إلى امتلاك جيش يصنف ضمن أقوى جيوش العالم.
كانت المشكلة أن بناء القوة العسكرية لا يكتمل بتكديس السلاح، بل يحتاج إلى مشروع سياسي واقتصادي واجتماعي قادر على التكلفة، غير أن الشاه مضى في مشروعه العسكري، وامتلأت مخازن إيران بأحدث الأسلحة، وكأن بناء القوة يمكن أن يبدأ من قمة الهرم قبل تثبيت قاعدته، وكانت المفارقة أن الدولة التي امتلكت ترسانة ضخمة لم تستطع تلك الترسانة أن تحمي نظامها عندما انفجرت أزمته من الداخل.
جاءت الثورة الإيرانية وكفرت تقريبًا بكل ما ارتبط بالملكية؛ أسقطت الشاه، وغيرت هوية الدولة ورموزها وخطابها وتحالفاتها، لكنها احتفظت من العهد السابق بأمر بالغ الأهمية: الحلم الذي يتجاوز حدود إيران، كان الشاه يبحث عن مكانة إقليمية لإيران، أما الثورة فقد أضافت إلى طموح الدولة بعدًا أيديولوجيًا ودينيًا، وأصبح مفهوم ولاية الفقيه جزءًا من البناء الدستوري والسياسي للجمهورية الجديدة، وهكذا لم يعد النفوذ الخارجي مجرد أداة من أدوات السياسة التقليدية للدولة، بل ارتبط كذلك برؤية الثورة لنفسها ولدورها خارج حدودها.
ومن هنا بدأت إيران تدريجيًا في بناء شبكة نفوذ إقليمية، وكان الحرس الثوري، ولا سيما في نشاطه الخارجي، إحدى الأدوات الرئيسية لهذا المشروع، وإيران التي خرجت من ثورة عام 1979 ثم دخلت بعد عام واحد حربًا مدمرة مع العراق هددت أمنها ونظامها الجديد، أصبحت بعد عقود لاعبًا حاضرًا رئيسيًا في بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، من خلال حلفاء محليين وقوى سياسية وتنظيمات مسلحة ارتبط بعضها بها بدرجات متفاوتة.
وبمرور الوقت، بدا المشروع الإيراني كأفعى طويلة التفت حول عدد من عواصم المنطقة؛ رأسها في طهران، بينما امتدت أذرع نفوذها عبر أكثر من ساحة عربية، حتى أصبحت قادرة، من خلال حلفائها وأذرعها، على غرس نابها في أكثر من ملف متى أرادت الضغط أو إيصال رسالة، ولم يعد أمن إيران، وفق هذه الرؤية، يبدأ عند حدودها الجغرافية، بل أصبح جزء منه يصنع بعيدًا عنها، في بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء.
وقد كان ذلك، من زاوية النفوذ السياسي، توسعًا كبيرًا لمشروع بدأ في ظروف شديدة الصعوبة بعد الثورة والحرب العراقية الإيرانية، لكن صورة الأفعى نفسها تحمل المفارقة؛ فكلما طال جسدها واتسعت المساحات التي تلتف حولها، ازدادت المساحات التي ينبغي عليها حمايتها، وأصبحت إصابة أي جزء منها قادرة على إرباك بقية الجسد.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل كل مساحة تستطيع الدولة الوصول إليها تستطيع الاحتفاظ بها؟
في تقديري، عند هذه النقطة بدأت إيران ترتدي الثوب الأكبر من جسدها، فالنفوذ لا يكفي أن تصنعه؛ عليك أن تموله وتحميه وتحافظ على حلفائه، وأن تتحمل كلفته السياسية والعسكرية والاقتصادية، وكلما اتسعت رقعة المشروع، أصبحت المحافظة عليه أكثر صعوبة، لأنك لم تعد تتعامل مع خصم واحد أو ساحة واحدة، وإنما مع مصالح دول وقوى كبرى وحسابات مجتمعات محلية قد تتغير في لحظة.
وكانت سوريا واحدة من أهم الاختبارات لهذا المشروع، دخلت إيران بثقلها دفاعًا عن نظام بشار الأسد وحماية مشروعها، ثم دعت روسيا للدخول عسكريًا إلى الساحة السورية عام 2015، والتقت مصالح الطرفين عند هدف مشترك هو حماية النظام السوري، رغم اختلاف حساباتهما ومصالحهما بعيدة المدى.
وهنا تظهر إحدى مشكلات المشاريع التوسعية: قد تستدعي شريكًا قويًا لمساعدتك في حماية ما بنيته، لكن دخول هذا الشريك يعني أنه أصبح صاحب مصلحة ونفوذ وقرار في المساحة نفسها، ومن يفتح الباب للأسد لا يستطيع بعد ذلك أن يحدد له مساحة الغرفة التي يجلس فيها.
ولذلك لم تعد سوريا ساحة تستطيع إيران أن ترسم حدود الحركة فيها وحدها، بل أصبحت ميدانًا تتقاطع فيه المصالح الإيرانية والروسية والتركية والإسرائيلية والأمريكية، فضلًا عن القوى السورية نفسها، وكلما ازدحم اللاعبون، تقلصت قدرة أي طرف على رسم المشهد منفردًا.
وهنا نعود إلى أصل الحكاية!!!
من الشاه إلى الجمهورية الإسلامية تغيرت الرايات والشعارات والتحالفات، وسقط نظام وقام آخر يناقضه في كثير من الأسس، لكن بقيت معضلة تستحق التأمل: الطموح إلى بناء دور إقليمي أكبر من قدرة الداخل على حمل تكاليفه.
أراد الشاه أن يجعل إيران قوة عسكرية كبرى قبل أن يكتمل بناؤها السياسي والاجتماعي، ثم جاءت الثورة فوسعت الحلم؛ فلم يعد السؤال عن قوة إيران داخل حدودها فقط، وإنما عن قدرتها على بناء نفوذ يمتد عبر الإقليم والمحافظة عليه.
وهنا تلتقي صورتا المقال: الثوب والأفعى.
فالأفعى التي تمد جسدها بعيدًا تحتاج إلى حماية كل جزء منه، والثوب الذي يكبر عن صاحبه يحتاج منه إلى جهد أكبر حتى لا يتعثر بأطرافه، وفي الحالتين تبقى المشكلة واحدة: المسافة بين ما تريد الدولة أن تكونه، وما تسمح لها قدراتها الحقيقية بأن تكونه.
والمشكلة في الثوب الكبير أنه قد يبدو جميلًا ومهيبًا حين يقف صاحبه أمام المرآة، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يحاول السير به؛ عندها فقط تظهر المسافة بين حجم الثوب وحجم الجسد، وبين حجم الطموح وحجم القدرة.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم في قراءة التجربة الإيرانية: إلى أين استطاعت إيران أن تصل؟
فقد وصلت بالفعل إلى مساحات بعيدة، وصنعت نفوذًا إقليميًا واسعًا.
السؤال الأصعب هو: كم دفعت حتى تصل، وكم تستطيع أن تدفع حتى تبقى؟
خليفة ال محمود، محام ومدون سياسي،،،
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق