الخميس، 28 مايو 2026

بين سجان عبدالناصر وقلم عرفات،،،

 جزء من إشكاليتنا هو هيمنة الشخصية على المؤسسة، بعد الانقلاب العسكري في مصر في بداية الخمسينيات، أدار عبدالناصر ومجموعته الدولة بذهنية مجموعة عانت من التهميش المجتمعي والسياسي، لذا مارست العقاب الجماعي باسم الإصلاح، الدولة ومؤسساتها تُدار وجودًا وعدمًا على رغبات الزعيم.

 

تلك الحدود التي فهمها الجميع، ولهذا عانى الكثير نتاج ذلك، تم تدشين العقاب الصارم، والسجون، وقمع الحريات، وإنشاء آلة إعلامية أدارها عباقرة لتمجيد الزعيم، نجحت في عملها لدرجة أن الناس لم ترَ الهزائم العسكرية من الزاوية التي يجب أن تُرى فيها، بل رأت انتصارًا ببقاء الزعيم، لتنتشر تلك الثقافة في دول أخرى؛ ثقافة القمع وسلب الحرية، و عبدالحميد السراج أحد أبرز رموز القبضة الأمنية في سوريا، كان من نفس المدرسة، وحين سجنه السوريون نتيجة ما فعل بهم، هرّبته المخابرات المصرية لينهي حياته مستشارًا للزعيم، تجربة جعلت كثيرًا من الدول تدخل في تيه سياسي واجتماعي واقتصادي استمر حتى يومنا هذا.

 

عام 1967 وبعد هزيمة مصر في ساعات، دخل الجيش الإسرائيلي إلى مخازن السلاح المصري لينقله إلى تل أبيب، هذا السلاح الذي تم شراؤه بالمال المصري بأعذار منها تحرير فلسطين، هو نفسه الذي وصل لاحقًا إلى الكتائب في الحرب الأهلية اللبنانية لتنفيذ مجازر ضد الفلسطينيين في لبنان، قُتل الفلسطيني بسلاح مدفوع الثمن من شعوب تعاضدهم في قضيتهم بصدق ويدعون لهم في صلواتهم خمس مرات في اليوم.

 

إذا أردنا القراءة من زاوية النتائج، فقد استلم عبدالناصر دولة كانت تُعرف بمصر والسودان بمساحة تقارب 3,516,221 كم²، لتكون الدولة السابعة بالمساحة وتتجاوز الهند، وترك مصر بمساحة 949,408 كم² بعد فقدان السودان وسيناء عقب هزيمة 1967، ومع ذلك بقي عند البعض منتصرًا لأنه لم يسقط.

 

 

مرورنا بقصة فلسطين تأخذنا إلى "الختيار" ياسر عرفات، الرجل الذي اختُزلت القضية الفلسطينية طويلًا في حضوره السياسي والرمزي؛ آمال التحرير واسترداد الأرض ارتبطت في أذهان كثيرين بشخص واحد: أبو عمار، الحق التاريخي من النهر إلى البحر، وكل فلسطين التاريخية، ارتبط في ذاكرة الناس بشكل كوفيته في نضال طويل استمر وسوف يستمر، أهداف القضية ومبادئها كثيرًا ما كانت تُقرأ من خلال مواقف عرفات نفسه، هنري كيسنجر، وزير خارجية أمريكا، ورغم قرار الإدارة بعدم التفاوض مع المنظمة، إلا انه كان يرى في بقاء المنظمة ممثلًا وحيدًا للشعب الفلسطيني مدخلًا لأي تسوية مستقبلية؛ وهو ما لم يفهمه كثيرون إلا بعد توقيع اتفاقية أوسلو، التي مثّلت عمليًا تنازلًا عن أكثر من 90٪ من الأرض الفلسطينية، أراد الختيار أن ينهي حياته كزعيم، حتى لو كان على أرض مساحتها أقل من أصغر بلدية في عالمنا العربي، ولهذا رفض المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد حضور ذلك الحفل رغم إلحاح الرئيس الأمريكي عليه، لانه اعتبر ذلك الحفل وأدًا لقضية عادلة.

 

الإدارة بذهنية الزعيم كانت من العوامل التي دفعت الحركة الفلسطينية إلى خيارات سياسية مكلفة في أكثر من محطة؛ من صدامها مع الدولة في الأردن، وأخطاء في التقدير في الحرب الأهلية اللبنانية، ثم الوقوف مع صدام في احتلال الكويت، وأخيرًا، وإن كنت لا أعلم إن كان هذا هو الأخير، التقاطع مع إيران رغم سياساتها العدائية تجاه دول الخليج.

 

وللعلم، فإن مذابح المخيمات الفلسطينية، ومجازر تل الزعتر، وصبرا وشاتيلا، كلها جرت ضمن بيئة إقليمية معقدة لعب فيها النظام السوري وإيران ووكلاؤهما أدوارًا رئيسية بالتورط بها، ولا ننسى ان حافظ الأسد دخل إلى لبنان بتفاهمات واضحة مع الإدارة الأمريكية لتصفية الوجود الفلسطيني وإنهاء استقلال قراره، أن قبور الضحايا والتي لا تبعد كثيرا عن المخيمات بقيت تفضح ارتباك كثيرين في التمييز بين الجلاد والضحية.

 

الحقيقة الجلية أن ما بين "سجان" عبدالناصر و"قلم" عرفات الكثير من الأحداث والألم، والقاسم المشترك هو تغييب المؤسسة وحضور ذهنية الزعيم، والمعضلة أن تلك الذهنية استمرّت في السقوط في المنحدر واسقطت معها الكثير ولاجيال، لأنها لم تسمع إلا أصواتًا تُطربها، وهي أصوات الهتاف والتصفيق.

 


الجمعة، 22 مايو 2026

من المثقف؟؟

 لا يوجد شخص يحتكر الثقافة أو الوعي، فكل إنسان في هذا الوجود يملك معرفة أو تجربة تميّزه في جانب ما، وقد يكون رأيه هو الأرجح حتى أمام كبار الأكاديميين.

 

موسى بن نصير حين أشرف على جبال البرانس شمال الأندلس، كان في تلك اللحظة يسيطر على ما يقارب ٥٪ من مساحة قارة أوروبا، وعلى وقع الحماس فكّر في التوغل داخل أوروبا وفتح القسطنطينية، وانضم إلى فكرته القادة وسط حماس الجيش المزهو بانتصاراته السريعة، ويُقال إن جندياً بسيطاً تقدّم إليه وحذّره من صعوبة الأمر واستحالته، وقال إن القائد سيدرك الحقيقة لاحقاً ويقول: ألم يكن منكم رجل رشيد؟، ثم ختم بقوله: أنا الرجل الرشيد يا أمير.

وبالفعل أدرك موسى تلك الحقيقة وعدل عن الفكرة، ولم ينقذ الجيش فقط بل حافظ على الإنجاز الذي تحقق.

 

تلك هي الثقافة التي تحتاجها الدول؛ فكرة من خارج الصندوق، وقراءة للواقع على ضوء تجارب الماضي، والأهم صوت خافت يزاحم الضجيج، لكنه يشبه طوق النجاة في بحر هائج، فلا ينجو إلا من يتمسّك به.

 

المودودي رحمه الله كان ينتقد الانتخابات على النسق الغربي، لأنه كان يرى أن المساواة المطلقة بين الأصوات قد تُغفل أثر الخبرة والتجربة، فلم يكن يرى أن القياس الذي يساوي بين شاب في مقتبل العمر وشيخ عركته التجارب هو قياس دقيق في كل الأحوال لذلك طرح فكرة النخب، وكان يقصد بها التخصصية والخبرة في المجالات التي تحتاج إلى تقدير دقيق للقرارات، ولهذا أسهب كثير من الباحثين والعلماء في دراسة هذه الأفكار وطرحها للنقاش والتحليل.

 

"أشيروا عليّ أيها الناس" لم يقلها رجل عادي، بل من يأتيه الوحي من السماء، ففي السيرة النبوية نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصغي إلى أصحابه، بل عدل عن رأيه لصالح آراء كانت أصلح؛ فغيّر موقع معركة بدر، وحفر الخندق حول المدينة، واستمع إلى الرأي السديد من السيدة أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها في الحديبية.

 

وعوداً على بدء، لا يوجد إنسان يحيط بكل شيء علماً أو فهماً، بل هناك أشخاص يملكون القدرة على تقديم رؤية أو ملاحظة قد تغيب عن غيرهم، فكل من يمشي على هذه الأرض يحمل تجربة لا يملكها الآخرون، وقد يرى ما لا يراه غيره، لذلك فإن نجاح الدول والإدارات لا يتحقق فقط بكثرة الخبراء، بل أيضاً بالقدرة على التقاط الأصوات المختلفة، والاستفادة منها في تحسين العمل أو تصويبه، وربما حتى التراجع عنه، فالنجاح الحقيقي يبدأ من الإيمان بحقيقة بسيطة: أنك لا تعلم دائماً من أين تأتي الفكرة الأصدق أو الرأي الأرجح.

 

 

 


الثلاثاء، 12 مايو 2026

لماذا فشل الإيرانيون في تطبيق النموذج الصيني،،،

 أرادت إيران الخروج من عزلتها عبر البحث عن منظومة اقتصادية تساهم في تنمية الداخل، وتشجع الاستثمار الخارجي على الدخول، مع المحافظة على النظام السياسي، ووصلت النخب الإيرانية إلى أن النموذج الصيني في التنمية هو الأكثر ملاءمة لظروف إيران وحاجتها الراهنة، وأخذ هذا الفكر يُتداول بدءًا من عام ٢٠٠١، لتصبح تلك القضية حديث النخب السياسية، وتأخذ بالنضج وتستقطب الكثير من المؤيدين.

 

وسبب انبهار الإيرانيين بالنموذج الصيني يعود إلى النجاح الباهر للاقتصاد الصيني، والأهم أنه يفصل بشكل شبه تام بين الجانب الاقتصادي والسياسي، حيث إن القيادة السياسية رغبت بتنمية من دون التأثير على الهيكل السياسي الإيراني الذي يغلب عليه المحافظون، لذا رغب الإيرانيون بصدق في بناء دولة قوية واقتصاد متطور من دون التضحية بالأركان الكبرى للنظام السياسي.

 

وازنت مراكز دراسة القرار، بعد تبلور الفكرة بين التجربتين الصينية والماليزية، ومالت إلى الصينية، ليبعث المرشد عام ٢٠٠٢ اثنين من مساعديه إلى الصين لدراسة التجربة، ولكن المرشد استمر في تحفظه، وترك الباب مواربًا أمام ذلك القرار، فلا فتح الباب بالكامل ولا أغلقه، ليصرح لاحقًا بأنه لا يفضل أي نموذج بعينه، وأكد الحاجة إلى تصميم نموذج يستلهم ظروف البلاد وحاجتها الخاصة، وينطلق من واقعها الفعلي وإمكانياتها.

 

وقبل أن نتحدث عن الخطوات العملية لتطبيق النموذج، ومآل التجربة، نذكر بعض التفصيل المختصر عن التجربة الصينية، والتي أوجدت نموذجًا سياسيًا اقتصاديًا فريدًا من نوعه مع المحافظة على الكيان السياسي.

 

يفصل النموذج الصيني كليًا بين الاقتصاد والسياسة، حيث حافظت النخبة الشيوعية على سلطتها، ولم تتأثر كثيرًا مع التحول إلى اقتصاد السوق، خلافًا لما هو مفترض في نظريات التنمية الغربية التقليدية، فهو يختلف بشكل جذري عن النموذج الكلاسيكي الأمريكي، ومؤسسات التمويل الدولية القائمة على ما يسمى بـالعلاج بالصدمة أو برامج التعديل الهيكلي، والتي أدت تطبيقاتها إلى فوضى اجتماعية وتذمر الطبقات محدودة الدخل، كما حدث في روسيا ومصر.

 

ويقوم النموذج الصيني على فكرة تحرير الاقتصاد بصورة تدريجية، وضمان توزيع متوازن للمنافع المادية يميل بدرجة أكبر للفقراء، والتركيز على الاكتفاء الذاتي وتوسيع قاعدة الإنتاج، واستخدام الاقتصاد كعامل لتعزيز الاستقرار والاستقلال الوطني، كما يرحب بالمساعدات الأجنبية على مستوى التمويل والتقنية، لكنه يرفض التأثير الثقافي والسياسي، والأهم أنه لا يتنازل عن السلطة العليا لقيادة الحزب والدولة.

 

وأدركت الصين أن التغير السياسي يأتي بموجات عالية من التوقعات والآمال غير الواقعية لدى الجمهور، لذا بدأت بالاقتصاد قبل أي تغيير في هيكلية السياسة، وكأنها تقول: دعونا نبدأ بتوفير مصادر العيش الكافية لعامة الناس حتى يستعدوا لممارسة حرياتهم المدنية انطلاقًا من أرضية مستقرة، إدراكًا منها أن ما تحتاجه المجتمعات النامية هو استئصال الفقر، وحكومة قادرة على مكافحة الفقر وتأمين الحد الأدنى من الأمن والخدمات العامة، وليس مجرد حكومة ديمقراطية، لذا عملت على إنشاء شبكة أمان لحماية الطبقات الضعيفة من القوى الشرسة للسوق الحرة.

 

والخطة إجمالًا مبنية على الحكمة الصينية: حين تعبر النهر تحسس الحجارة تحت قدميك قبل الخطوة التالية. لذا قُسمت سرعة التجربة بحسب الموقع الجغرافي، فالمناطق الساحلية التي تتمتع ببنية تحتية مؤهلة للتغير السريع حظيت ببرنامج تنمية مكثف، ووجهت إليها طلائع الاستثمار الأجنبي، وجرى تحويل اقتصادها بشكل شبه كلي إلى نظام السوق الحرة، أما الأرياف والمناطق الداخلية الأقل استعدادًا فقد أُعطيت جرعات أقل، وجرى التركيز بشكل متوازن على إنماء الاقتصاد، ومساعدة الشرائح الفقيرة على التكيف مع النظام الجديد من خلال دعم حكومي مباشر، وبهذه الاستراتيجية يبدأ البرنامج بمستويات صغيرة، وتُختبر التجربة ثم تُعمم النتائج.

 

إن ما يثير الانتباه لكل مراقب، رغم الصعوبات والتحفظات، هو النتائج المذهلة:
ارتفع الناتج الوطني بين عامي ١٩٧٩ و٢٠٠٣ من ٤٤٫٢ مليار دولار إلى ١٤٢٥٫٢ مليار دولار، بمعدل نمو سنوي بلغ ٩٪.
وما بين عامي ١٩٧٨ و٢٠٠٠ انخفض عدد الفقراء من ثلث السكان إلى نحو ٣٪.
وما بين عامي ١٩٩٠ و٢٠٠٠ انخفضت معدلات الفقر في الريف الصيني إلى نحو ٤٢٫٥٪.

 

ومن الآثار الجانبية الحسنة وغير المتوقعة، أنه رغم الفصل التام بين الاقتصاد والسياسة، انعكس الازدهار الاقتصادي على تعزيز النظام السياسي، وساعد على تعزيز الدور العالمي للصين، وأثبت الصينيون أن تحديث الاقتصاد ممكن من دون تغيير بنيوي في النظام السياسي.

 

وبالعودة إلى إيران وبعد دراسة عميقة، تم وضع الكثير من عناصر النموذج الصيني ضمن بنود استراتيجية التنمية بعيدة المدى، والتي سميت (الرؤية للعشرين عامًا المقبلة)، وتم إقرارها من مجلس تشخيص مصلحة النظام، وأقرها مرشد الجمهورية عام ٢٠٠٤، وكانت تعمل على انتقال تدريجي نحو اقتصاد السوق، وفتح الأبواب أمام الاستثمار الأجنبي، وتحسين العلاقات مع دول العالم، آخذةً في الاعتبار بعض التحولات البنيوية السياسية التي سوف تترتب على النمو الاقتصادي، وتنوع التعليم ووسائل الاتصال وتطورها، وكذلك دخول أجيال جديدة لم تعش تجربة الثورة الإسلامية ولم تتشرب من قيمها، لذا كانت الوثيقة، على المستوى النظري على الأقل، نسخة إيرانية من النموذج الصيني.

 

أما على أرض الواقع فقد اصطدمت تلك البنود بسياسات الحكومات، وواجه المستثمرون المحليون والأجانب عقبات قانونية وسياسية، كما ارتاب المحافظون الممسكون بمفاصل السلطة في إيران من تلك التجربة، ومن الاستثمار الخارجي بوصفه بوابة للدخول إلى إيران والتأثير فيها.

 

لقد اقتنع الإيرانيون بالتجربة الصينية نظريًا، لكنهم فشلوا في التطبيق، ففتح الأبواب للمستثمرين، وتحرير السوق، وإعطاء القطاع الخاص دورًا متقدمًا في الاقتصاد، ووضع قواعد مرنة لتنظيم السوق، وتعزيز الشفافية وحاكمية القانون، كل ذلك كانت له متطلبات سياسية وغير سياسية قد لا تكون مرغوبة لدى بعض مراكز القوة، لكنها كانت تحتاج إلى تعامل إيجابي وعقلاني، لأن مجرد رفضها أو التعامل معها بانفعال قد يؤثر في المسار التنموي نفسه.

 

فعمليات التحول الكبرى تحتاج إلى إرادة تغيير، واستعداد لتحمل تحديات التغير ومتطلباته، ومن دون تلك الإرادة والاستعداد فإن أفضل نموذج تنموي لن يحدث تغييرًا ذا معنى، لذا يمكن القول إن الإيرانيين كتبوا التجربة الصينية، وتعاهدوا على تطبيقها، ولكن الدولة العميقة المشربة بالتوجس والخوف أجهضت تلك التجربة، ودفنتها في محيط عميق، لتفقد إيران فرصة قد لا تعوض بسبب التداخل بين السياسة والاقتصاد، ويفشل الإيرانيون فيما نجح فيه الصينيون.

 

 

 

 

 

 


الأربعاء، 6 مايو 2026

القوميين العرب والتوهان السياسي،،،،

المنطقة العربية شهدت توهانًا سياسيًا واجتماعيًا، وعثرةً اقتصادية، وتأخرًا حضاريًا، ومن أحد أهم أسبابها فكرة القومية العربية؛ الفكرة التي ابتدعها المنتصرون في الحرب العالمية الأولى لقطع الرابطة بين تركيا وممتلكاتها في أوروبا وآسيا، لتقوم فكرة القومية بدل الدين الجامع للقوميات تمهيدا لتفتيت تركيا.

 

قد تتحمل الدولة العثمانية الكثير من المسؤولية عما وصلت إليه الأمور، ولكن ماذا حدث في الجانب العربي الذي التقط الفكرة لتستقل الدول وتحل القومية كمرجعية أيديولوجية لكثير من الدول؟

 

من تبنّى تلك الأفكار لديهم قاسم مشترك في كثير من الأمور؛ الإشكالية الاجتماعية عبر وجودهم في طبقات شعرت بالظلم والتهميش لسنوات، فضلًا عن عدم الحصول على مستوى تعليمي جيد، مما جعلهم يتوجهون إلى الهيئات العسكرية، ليصلوا بعد زمن إلى سدة الحكم وهم يحملون المجتمع وزر معاناتهم الماضية، بعضهم وصل إلى السلطة من دون أي خبرة حياتية، وهو في العشرينات من عمره، كما حصل مع القذافي، ليصبح كل الوطن بكل المقدرات لعبة يعبث بها.

 

لينقسم العرب إلى قسمين (جمهوريات وملكيات)، ولم تكن العلاقة بينهم برزخ لا يبغيان، بل عملت الجمهوريات بقيادة عبدالناصر على إسقاط الملكيات، والتي تم توصيفها في منابرهم بالدول الرجعية، ويصفون أنفسهم بالدول التقدمية، مصر كدولة ومقدرات تحملت الوزر الأكبر في محاولة تحقيق هذا الحلم الشخصي عبر استنزاف ثروتها.

 

الأردن والمغرب ودول الخليج نجت من تلك المحاولات، وإن حدث بسببها صدع مجتمعي، حيث تبنّى الكثير من كوادر المجتمع الفكرة القومية بشعاراتها الحالمة وظنّوها أنها الخلاص للوصول إلى النجوم، أما الدول التي تم فيها الانقلاب على الملكية، ومنها العراق واليمن وسوريا، فهي في دائرة من العنف وضعف في التنمية مستمرة حتى يومنا هذا، فضلًا عن الدخول في مشاريع كانت الشعوب فيها الخاسر الأكبر.

انتهت تلك المرحلة على واقع متوقع؛ الدول الملكية نجحت في التنمية، وأصبحت دولهم تتمتع باستقرار سياسي وتنمية إدارية، وثقة جعلت دولهم مكانًا للاستثمارات، والعلاقة بين الشعوب والسلطة أفضل بكثير من الدول القومية، ومن المفارقات أن دول الخليج أصبحت ملاذات لأسر وأموال زعماء القوميات بعد انهيار دولهم والانقلاب على أنظمتها.

 

أما عن المواقف السياسية فغريبة جدًا؛ أصحاب الفكر القومي، وأصحاب الفكر كما يقدمون أنفسهم، وقفوا في الكثير من القضايا موقفًا غريبًا، ففي غزو العراق للكويت وقفوا مع العراق في هذا العمل الهمجي، رغم إسهامات الكويت في دعم فكرة القومية، وكان العذر أن الحل يجب أن يكون عربيًا ولا مكان للأمريكان في تحرير الكويت، أما سوريا فهي الكاشف لبشاعة فكرهم وانحرافه؛ إذ أيدوا السلطة الحاكمة في مجازرها ودمويتها، وأخذوا يطرحون فكرة المؤامرة، وأن الثوار عملاء لإسقاط سوريا لموقفها ضد إسرائيل، وموضوع إسرائيل هو "المنشفة" التي تُمسح بها كل الخطايا، والمضحك قبولهم بكل ما يهدم القومية؛ فقد جلب بشار الفرس لقتل السوريين العرب، وجلب احتلالًا روسيًا لتحتل جزء من جغرافية العرب، واللافت أن الروس أظهروا صورة قطعت الطريق على كل المبررين، وهي إهانة الجندي الروسي لبشار، لتسقط الصورة برمتها على صورة الأطفال المحرَّرين من سجن صيدنايا بعد سقوط النظام، ولسان حال الطفل يقول: اللعنة على مبادئكم.

 

الخليج كمكوّن اقتصادي، هو أكبر داعم سواء للشعوب العربية أو الإسلامية وحتى غيرهم، وأكبر رافد مالي فُتحت من خلاله منازل الكثيرين عبر تحويلات شهرية بالمليارات تعبر من الخليج إلى العالم، وهو ليس بجهدهم بل بفضل من الله، في الحرب الأخيرة وقف القوميون وكثير من أصحاب الرأي مع إيران، الدولة التي تنتمي إلى القرون الوسطى في بشاعتها مع الداخل قبل الخارج، والتي لم ترسل سوى الاغتيالات والقنابل، ومن المحزن أن تشاهد من يصفق لإيران وهي تقصف شريان الخليج الاقتصادي، ويضعون تحليلات تنتمي إلى سردية أمريكا وقواعدها كتبرير للاعتداء، حتى إن المحلل الإيراني جعلوه بطلًا على غرار "روبن هود"، وفي عملي القانوني أدرك أن المتهم إذا قطع كل الخيوط بوضوح جريمته وإقراره، يضع المحامي في موقف يدرك معه أن كل مفردات الدنيا لن يقنع بها قاضٍ حازم يحق الحق بعيدًا عن العاطفة، ولا يمكن التعاطف معه، ولكن يذهب التعاطف إلى أسرته التي سوف تتحمل وزر جريمته.

 

ختامًا، الكثير من أصحاب الفكر اليساري والقومي، أبدوا آراءهم عبر المقالات والتحليلات بدعم إيران في معركتهم، والمفارقة المضحكة أن الكثير منهم يتنقل في المطارات وهو يحمل الجنسية الأوروبية أو الأمريكية، حيث يعيش هناك ويحمل جنسيتهم، وبعضهم الآخر مقيم في الخليج في دول – بالنسبة له – لا تنتمي لحضارة عريقة كالحضارة الإيرانية، بل دول قامت منشآتها الخرسانية على ضفاف بئر نفطي، والوجود فيها فقط لأن العيش فيها جميل؛ حيث يجد فيها عائدًا ماليًا، وتتوفر المستشفيات الراقية، والمدارس، ونظام قانوني يحفظ حقوقه، ولكن القلب مع إيران والقذافي وبشار وأبيه وصدام وعبدالناصر، وكل نجوم الاستبداد القومي، هذه مفارقة  طبيعية لان الإنسان بطبعه يميل لما يفيده وأسرته، لانه ببساطة لا يستطيع العيش إلا في الدول "الاستعمارية" أو دول الخليج "الرجعية"، اما الدولة التي يثني عليها آناء الليل وأثناء النهار لن يغامر احد ويقبل العيش فيها. وسلامتكم


الأحد، 3 مايو 2026

ولي فقيه وليس مرجعاً،،،،

سؤال: هل يُفترض أن يكون الولي الفقيه في إيران من المراجع؟

 

قبل أن أجيب، أذكر أن الولي الفقيه هو منصب مُورس لأول مرة عام ١٩٧٩، أما المرجعية فهي درجة علمية بدأت تقريبًا في القرن الرابع عشر.

 

ولكي يصبح الإنسان مرجعًا، يجب أن تكون له إسهامات فقهية وعلمية، ويشهد له بذلك عدد من العلماء، ليُمنح بعد ذلك هذه الدرجة، وفي عام ١٩٨٢ بعد الثورة الإيرانية، حُدِّدت الجهة التي تمنح درجة المرجعية، وهي "جمعية مدرّسي حوزة قم العلمية"، التي أُسِّست عام ١٩٦٣، وأصبحت لها سلطة قانونية في منح هذه الدرجة لمستحقيها، ضمن قوائم تُنشر بناءً على اجتهاداتهم العلمية.

 

حين تبوأ الخميني السلطة كولي فقيه، كُرِّس ذلك في الدستور، الذي صيغ على مقاس آية الله الخميني عام ١٩٧٩، وكان من المفترض أن ينتقل المنصب بعد وفاته إلى آية الله منتظري، وهنا لا توجد مشكلة لانطباق الشروط على الخليفة المتوقع، ولكن مع تدهور العلاقة بين الخميني ونائبه، برزت مشكلة دستورية كبيرة: كيف يمكن الجمع مرة أخرى للمرشح القادم بين المرجعية وولاية الفقيه؟ خاصة أن المراجع الأحياء آنذاك لم يكن من الممكن أن يتبوؤوا منصب ولاية الفقيه، إما لزهد أو لضعف.

 

قبل هذه المعضلة، لم يكن الناس يفرّقون بين المرجعية وولاية الفقيه، لاتحادهما في شخص آية الله الخميني، لكن الخميني نفسه أدرك صعوبة استمرار هذا الجمع مستقبلًا، وربما تبلورت لديه آنذاك فكرة تعيين خامنئي خليفة له، وهنا ظهرت المعضلة: كيف يصبح وليًّا فقيهًا وهو لا ينتمي إلى المراجع؟

 

لذا جاءت فكرة الفصل بين المرجعية وولاية الفقيه، واستباقًا لما هو متوقع، بذل رجال الدين المرتبطون بالدولة جهدًا لتبرير هذا الفصل، مؤكدين أن مواصفات الولي الفقيه لا تشترط أن يكون مرجعًا؛ لأنه مسؤول عن اتخاذ القرارات الاجتماعية والدينية والسياسية، وأن الفصل بين المنصبين لا يمس سلامة الحكم الإسلامي، وأن المرجعية يمكن أن تتعدد، أما ولاية الفقيه فلا تكون إلا لشخص واحد حماية من الفوضى.

 

وبعد جهد كبير، تمت التهيئة للتعديل الدستوري عام ١٩٨٩، وفُصل رسميًا بين الولي الفقيه والمرجع، ليصبح الطريق ممهّدًا لخامنئي — بعمر ٥٣ عامًا — لتولي منصب الولي الفقيه دون أن يكون مرجعًا، وذلك في ظل وجود مرجعين معترف بهما: آية الله الكلبايكاني (المتوفى عام ١٩٩٣)، وآية الله الأراكي (المتوفى عام ١٩٩٤)، وبعد وفاة الأخير، شعر خامنئي وفريقه أن الفرصة مواتية للجمع مرة أخرى بين المرجعية وولاية الفقيه، فنشرت جمعية مدرّسي حوزة قم العلمية قائمة جديدة بالمرشحين للمرجعية شملت اسم علي خامنئي.

 

وقد قابل عدد من نواب مجلس الشورى هذه الخطوة باحتجاج قوي، معتبرين أن خبرته السياسية المتراكمة لا ينبغي أن تصرف النظر عن ضآلة إسهاماته الفقهية، وبسبب الجدل الواسع، آثر خامنئي سحب اسمه من القائمة، وكانت له محاولة أخرى عام ١٩٩٧ لم يُكتب لها النجاح، وكذلك محاولة ثالثة عام ١٩٩٩ لم تُكلَّل بالنجاح، لكنه أبرم تسوية يُعد بموجبها مرجعًا خارج إيران، وهي خطوة لم تحظَ بإجماع، وإن استمرت حتى آخر يوم في حياته.

 

ما حدث من محاولات لخامنئي للحصول على درجة المرجعية، رغم كونه وليًا فقيهًا، وعدم تمكنه من ذلك، لهو مؤشر دليلًا على رصانة المؤسسة الدينية واستقلالها، لكن في المقابل فإن التعديل الدستوري عام ١٩٨٩ مهّد له الطريق لتولي منصب الولي الفقيه، كما مهّد الطريق لابنه مجتبى في عام ٢٠٢٦، وقد ظهرت أصوات معارضة، إلا أن ظروف الحرب لم تسمح بظهورها، حتى إن أحد كبار الشيعة وصف الأمر بأنه "سقيفة جديدة".

 

لذا، فإن كثيرًا من الملفات قد تظهر إلى السطح بعد عودة السكون في إيران، ومنها منصب الولي الفقيه، ولعل الأثر الأكبر لتعديل عام ١٩٨٩ هو إضعاف رأس السلطة الإيرانية، بسبب المفارقة بين منصب ولاية الفقيه — المستمد من كتب الفقه — وبين شاغله مع تخفيف الشروط الدينية عنه، وهو ما قد يفتح الباب على مصراعيه للصراع عليه.