جزء من إشكاليتنا هو هيمنة الشخصية على المؤسسة، بعد الانقلاب العسكري في مصر في بداية الخمسينيات، أدار عبدالناصر ومجموعته الدولة بذهنية مجموعة عانت من التهميش المجتمعي والسياسي، لذا مارست العقاب الجماعي باسم الإصلاح، الدولة ومؤسساتها تُدار وجودًا وعدمًا على رغبات الزعيم.
تلك الحدود التي فهمها الجميع، ولهذا عانى الكثير نتاج ذلك، تم تدشين العقاب الصارم، والسجون، وقمع الحريات، وإنشاء آلة إعلامية أدارها عباقرة لتمجيد الزعيم، نجحت في عملها لدرجة أن الناس لم ترَ الهزائم العسكرية من الزاوية التي يجب أن تُرى فيها، بل رأت انتصارًا ببقاء الزعيم، لتنتشر تلك الثقافة في دول أخرى؛ ثقافة القمع وسلب الحرية، و عبدالحميد السراج أحد أبرز رموز القبضة الأمنية في سوريا، كان من نفس المدرسة، وحين سجنه السوريون نتيجة ما فعل بهم، هرّبته المخابرات المصرية لينهي حياته مستشارًا للزعيم، تجربة جعلت كثيرًا من الدول تدخل في تيه سياسي واجتماعي واقتصادي استمر حتى يومنا هذا.
عام 1967 وبعد هزيمة مصر في ساعات، دخل الجيش الإسرائيلي إلى مخازن السلاح المصري لينقله إلى تل أبيب، هذا السلاح الذي تم شراؤه بالمال المصري بأعذار منها تحرير فلسطين، هو نفسه الذي وصل لاحقًا إلى الكتائب في الحرب الأهلية اللبنانية لتنفيذ مجازر ضد الفلسطينيين في لبنان، قُتل الفلسطيني بسلاح مدفوع الثمن من شعوب تعاضدهم في قضيتهم بصدق ويدعون لهم في صلواتهم خمس مرات في اليوم.
إذا أردنا القراءة من زاوية النتائج، فقد استلم عبدالناصر دولة كانت تُعرف بمصر والسودان بمساحة تقارب 3,516,221 كم²، لتكون الدولة السابعة بالمساحة وتتجاوز الهند، وترك مصر بمساحة 949,408 كم² بعد فقدان السودان وسيناء عقب هزيمة 1967، ومع ذلك بقي عند البعض منتصرًا لأنه لم يسقط.
مرورنا بقصة فلسطين تأخذنا إلى "الختيار" ياسر عرفات، الرجل الذي اختُزلت القضية الفلسطينية طويلًا في حضوره السياسي والرمزي؛ آمال التحرير واسترداد الأرض ارتبطت في أذهان كثيرين بشخص واحد: أبو عمار، الحق التاريخي من النهر إلى البحر، وكل فلسطين التاريخية، ارتبط في ذاكرة الناس بشكل كوفيته في نضال طويل استمر وسوف يستمر، أهداف القضية ومبادئها كثيرًا ما كانت تُقرأ من خلال مواقف عرفات نفسه، هنري كيسنجر، وزير خارجية أمريكا، ورغم قرار الإدارة بعدم التفاوض مع المنظمة، إلا انه كان يرى في بقاء المنظمة ممثلًا وحيدًا للشعب الفلسطيني مدخلًا لأي تسوية مستقبلية؛ وهو ما لم يفهمه كثيرون إلا بعد توقيع اتفاقية أوسلو، التي مثّلت عمليًا تنازلًا عن أكثر من 90٪ من الأرض الفلسطينية، أراد الختيار أن ينهي حياته كزعيم، حتى لو كان على أرض مساحتها أقل من أصغر بلدية في عالمنا العربي، ولهذا رفض المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد حضور ذلك الحفل رغم إلحاح الرئيس الأمريكي عليه، لانه اعتبر ذلك الحفل وأدًا لقضية عادلة.
الإدارة بذهنية الزعيم كانت من العوامل التي دفعت الحركة الفلسطينية إلى خيارات سياسية مكلفة في أكثر من محطة؛ من صدامها مع الدولة في الأردن، وأخطاء في التقدير في الحرب الأهلية اللبنانية، ثم الوقوف مع صدام في احتلال الكويت، وأخيرًا، وإن كنت لا أعلم إن كان هذا هو الأخير، التقاطع مع إيران رغم سياساتها العدائية تجاه دول الخليج.
وللعلم، فإن مذابح المخيمات الفلسطينية، ومجازر تل الزعتر، وصبرا وشاتيلا، كلها جرت ضمن بيئة إقليمية معقدة لعب فيها النظام السوري وإيران ووكلاؤهما أدوارًا رئيسية بالتورط بها، ولا ننسى ان حافظ الأسد دخل إلى لبنان بتفاهمات واضحة مع الإدارة الأمريكية لتصفية الوجود الفلسطيني وإنهاء استقلال قراره، أن قبور الضحايا والتي لا تبعد كثيرا عن المخيمات بقيت تفضح ارتباك كثيرين في التمييز بين الجلاد والضحية.
الحقيقة الجلية أن ما بين "سجان" عبدالناصر و"قلم" عرفات الكثير من الأحداث والألم، والقاسم المشترك هو تغييب المؤسسة وحضور ذهنية الزعيم، والمعضلة أن تلك الذهنية استمرّت في السقوط في المنحدر واسقطت معها الكثير ولاجيال، لأنها لم تسمع إلا أصواتًا تُطربها، وهي أصوات الهتاف والتصفيق.