المنطقة العربية شهدت توهانًا سياسيًا واجتماعيًا، وعثرةً اقتصادية، وتأخرًا حضاريًا، ومن أحد أهم أسبابها فكرة القومية العربية؛ الفكرة التي ابتدعها المنتصرون في الحرب العالمية الأولى لقطع الرابطة بين تركيا وممتلكاتها في أوروبا وآسيا، لتقوم فكرة القومية بدل الدين الجامع للقوميات تمهيدا لتفتيت تركيا.
قد تتحمل الدولة العثمانية الكثير من المسؤولية عما وصلت إليه الأمور، ولكن ماذا حدث في الجانب العربي الذي التقط الفكرة لتستقل الدول وتحل القومية كمرجعية أيديولوجية لكثير من الدول؟
من تبنّى تلك الأفكار لديهم قاسم مشترك في كثير من الأمور؛ الإشكالية الاجتماعية عبر وجودهم في طبقات شعرت بالظلم والتهميش لسنوات، فضلًا عن عدم الحصول على مستوى تعليمي جيد، مما جعلهم يتوجهون إلى الهيئات العسكرية، ليصلوا بعد زمن إلى سدة الحكم وهم يحملون المجتمع وزر معاناتهم الماضية، بعضهم وصل إلى السلطة من دون أي خبرة حياتية، وهو في العشرينات من عمره، كما حصل مع القذافي، ليصبح كل الوطن بكل المقدرات لعبة يعبث بها.
لينقسم العرب إلى قسمين (جمهوريات وملكيات)، ولم تكن العلاقة بينهم برزخ لا يبغيان، بل عملت الجمهوريات بقيادة عبدالناصر على إسقاط الملكيات، والتي تم توصيفها في منابرهم بالدول الرجعية، ويصفون أنفسهم بالدول التقدمية، مصر كدولة ومقدرات تحملت الوزر الأكبر في محاولة تحقيق هذا الحلم الشخصي عبر استنزاف ثروتها.
الأردن والمغرب ودول الخليج نجت من تلك المحاولات، وإن حدث بسببها صدع مجتمعي، حيث تبنّى الكثير من كوادر المجتمع الفكرة القومية بشعاراتها الحالمة وظنّوها أنها الخلاص للوصول إلى النجوم، أما الدول التي تم فيها الانقلاب على الملكية، ومنها العراق واليمن وسوريا، فهي في دائرة من العنف وضعف في التنمية مستمرة حتى يومنا هذا، فضلًا عن الدخول في مشاريع كانت الشعوب فيها الخاسر الأكبر.
انتهت تلك المرحلة على واقع متوقع؛ الدول الملكية نجحت في التنمية، وأصبحت دولهم تتمتع باستقرار سياسي وتنمية إدارية، وثقة جعلت دولهم مكانًا للاستثمارات، والعلاقة بين الشعوب والسلطة أفضل بكثير من الدول القومية، ومن المفارقات أن دول الخليج أصبحت ملاذات لأسر وأموال زعماء القوميات بعد انهيار دولهم والانقلاب على أنظمتها.
أما عن المواقف السياسية فغريبة جدًا؛ أصحاب الفكر القومي، وأصحاب الفكر كما يقدمون أنفسهم، وقفوا في الكثير من القضايا موقفًا غريبًا، ففي غزو العراق للكويت وقفوا مع العراق في هذا العمل الهمجي، رغم إسهامات الكويت في دعم فكرة القومية، وكان العذر أن الحل يجب أن يكون عربيًا ولا مكان للأمريكان في تحرير الكويت، أما سوريا فهي الكاشف لبشاعة فكرهم وانحرافه؛ إذ أيدوا السلطة الحاكمة في مجازرها ودمويتها، وأخذوا يطرحون فكرة المؤامرة، وأن الثوار عملاء لإسقاط سوريا لموقفها ضد إسرائيل، وموضوع إسرائيل هو "المنشفة" التي تُمسح بها كل الخطايا، والمضحك قبولهم بكل ما يهدم القومية؛ فقد جلب بشار الفرس لقتل السوريين العرب، وجلب احتلالًا روسيًا لتحتل جزء من جغرافية العرب، واللافت أن الروس أظهروا صورة قطعت الطريق على كل المبررين، وهي إهانة الجندي الروسي لبشار، لتسقط الصورة برمتها على صورة الأطفال المحرَّرين من سجن صيدنايا بعد سقوط النظام، ولسان حال الطفل يقول: اللعنة على مبادئكم.
الخليج كمكوّن اقتصادي، هو أكبر داعم سواء للشعوب العربية أو الإسلامية وحتى غيرهم، وأكبر رافد مالي فُتحت من خلاله منازل الكثيرين عبر تحويلات شهرية بالمليارات تعبر من الخليج إلى العالم، وهو ليس بجهدهم بل بفضل من الله، في الحرب الأخيرة وقف القوميون وكثير من أصحاب الرأي مع إيران، الدولة التي تنتمي إلى القرون الوسطى في بشاعتها مع الداخل قبل الخارج، والتي لم ترسل سوى الاغتيالات والقنابل، ومن المحزن أن تشاهد من يصفق لإيران وهي تقصف شريان الخليج الاقتصادي، ويضعون تحليلات تنتمي إلى سردية أمريكا وقواعدها كتبرير للاعتداء، حتى إن المحلل الإيراني جعلوه بطلًا على غرار "روبن هود"، وفي عملي القانوني أدرك أن المتهم إذا قطع كل الخيوط بوضوح جريمته وإقراره، يضع المحامي في موقف يدرك معه أن كل مفردات الدنيا لن يقنع بها قاضٍ حازم يحق الحق بعيدًا عن العاطفة، ولا يمكن التعاطف معه، ولكن يذهب التعاطف إلى أسرته التي سوف تتحمل وزر جريمته.
ختامًا، الكثير من أصحاب الفكر اليساري والقومي، أبدوا آراءهم عبر المقالات والتحليلات بدعم إيران في معركتهم، والمفارقة المضحكة أن الكثير منهم يتنقل في المطارات وهو يحمل الجنسية الأوروبية أو الأمريكية، حيث يعيش هناك ويحمل جنسيتهم، وبعضهم الآخر مقيم في الخليج في دول – بالنسبة له – لا تنتمي لحضارة عريقة كالحضارة الإيرانية، بل دول قامت منشآتها الخرسانية على ضفاف بئر نفطي، والوجود فيها فقط لأن العيش فيها جميل؛ حيث يجد فيها عائدًا ماليًا، وتتوفر المستشفيات الراقية، والمدارس، ونظام قانوني يحفظ حقوقه، ولكن القلب مع إيران والقذافي وبشار وأبيه وصدام وعبدالناصر، وكل نجوم الاستبداد القومي، هذه مفارقة طبيعية لان الإنسان بطبعه يميل لما يفيده وأسرته، لانه ببساطة لا يستطيع العيش إلا في الدول "الاستعمارية" أو دول الخليج "الرجعية"، اما الدولة التي يثني عليها آناء الليل وأثناء النهار لن يغامر احد ويقبل العيش فيها. وسلامتكم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق