لا يوجد شخص يحتكر الثقافة أو الوعي، فكل إنسان في هذا الوجود يملك معرفة أو تجربة تميّزه في جانب ما، وقد يكون رأيه هو الأرجح حتى أمام كبار الأكاديميين.
موسى بن نصير حين أشرف على جبال البرانس شمال الأندلس، كان في تلك اللحظة يسيطر على ما يقارب ٥٪ من مساحة قارة أوروبا، وعلى وقع الحماس فكّر في التوغل داخل أوروبا وفتح القسطنطينية، وانضم إلى فكرته القادة وسط حماس الجيش المزهو بانتصاراته السريعة، ويُقال إن جندياً بسيطاً تقدّم إليه وحذّره من صعوبة الأمر واستحالته، وقال إن القائد سيدرك الحقيقة لاحقاً ويقول: ألم يكن منكم رجل رشيد؟، ثم ختم بقوله: أنا الرجل الرشيد يا أمير.
وبالفعل أدرك موسى تلك الحقيقة وعدل عن الفكرة، ولم ينقذ الجيش فقط بل حافظ على الإنجاز الذي تحقق.
تلك هي الثقافة التي تحتاجها الدول؛ فكرة من خارج الصندوق، وقراءة للواقع على ضوء تجارب الماضي، والأهم صوت خافت يزاحم الضجيج، لكنه يشبه طوق النجاة في بحر هائج، فلا ينجو إلا من يتمسّك به.
المودودي رحمه الله كان ينتقد الانتخابات على النسق الغربي، لأنه كان يرى أن المساواة المطلقة بين الأصوات قد تُغفل أثر الخبرة والتجربة، فلم يكن يرى أن القياس الذي يساوي بين شاب في مقتبل العمر وشيخ عركته التجارب هو قياس دقيق في كل الأحوال لذلك طرح فكرة النخب، وكان يقصد بها التخصصية والخبرة في المجالات التي تحتاج إلى تقدير دقيق للقرارات، ولهذا أسهب كثير من الباحثين والعلماء في دراسة هذه الأفكار وطرحها للنقاش والتحليل.
"أشيروا عليّ أيها الناس" لم يقلها رجل عادي، بل من يأتيه الوحي من السماء، ففي السيرة النبوية نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصغي إلى أصحابه، بل عدل عن رأيه لصالح آراء كانت أصلح؛ فغيّر موقع معركة بدر، وحفر الخندق حول المدينة، واستمع إلى الرأي السديد من السيدة أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها في الحديبية.
وعوداً على بدء، لا يوجد إنسان يحيط بكل شيء علماً أو فهماً، بل هناك أشخاص يملكون القدرة على تقديم رؤية أو ملاحظة قد تغيب عن غيرهم، فكل من يمشي على هذه الأرض يحمل تجربة لا يملكها الآخرون، وقد يرى ما لا يراه غيره، لذلك فإن نجاح الدول والإدارات لا يتحقق فقط بكثرة الخبراء، بل أيضاً بالقدرة على التقاط الأصوات المختلفة، والاستفادة منها في تحسين العمل أو تصويبه، وربما حتى التراجع عنه، فالنجاح الحقيقي يبدأ من الإيمان بحقيقة بسيطة: أنك لا تعلم دائماً من أين تأتي الفكرة الأصدق أو الرأي الأرجح.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق