الخميس، 26 مارس 2026

بين الواقع والأماني، وحتمية هزيمة إيران، مقالي:

 لعل من أهم الأمور التي يجب أن تسترعي انتباهنا في معارك اليوم هي "كلفة الانتصار". هناك مصطلح في علم السياسة يُسمّى (الانتصار البيروسي)، وهو يُنسب إلى الملك بيروس، الذي انتصر على الرومان بخسائر فادحة، ليقول لقادته: نصرٌ آخر كهذا وسنكون قد انتهينا.

 

لنبقَ في التاريخ قليلًا؛ خالد بن الوليد في معركة مؤتة وقف على مشهد بالغ الصعوبة، قاد جيشًا خسر للتو ثلاثة من قادته، وعدد الجيش الألفين لا يمكن مقارنته بجيش أعدائه البالغ عددهم 200 ألف، والصعوبة الأكبر أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرهم بالمعركة ولم يأمرهم بأمرٍ آخر.

 

في تلك المعركة، كان مفهوم الانتصار يتمحور حول الشهادة والفناء، لكن هذا القائد الفذ نظر إلى الانتصار من زاوية أخرى، وهي إنقاذ هذا الجيش بما يحويه من أبطال ذخرًا لمعركة أخرى تكون فيها الجيوش متكافئة، لذلك بنى خطته على انسحابٍ بمثابة نصرٍ كبير، حيث أوهم أعداءه بقدوم مدد، لينسحب دون أن يتعقبوه فيبيدوا جيشه.

 

والجميل في القصة هو الفكر الجمعي المشرب بالعاطفة في المدينة؛ إذ خرج الناس غاضبين وتلقّوا الجيش في الطرقات، وقالوا لهم: يا فرّار، وهي أسوأ صفة يتلقاها الشجاع البطل، لكن النبي صلى الله عليه وسلم نفى هذا الوصف، وقال: بل هم الكرّار، شخصٌ واحد يعادل رأي أهل المدينة، بل سكان الأرض جميعًا؛ لأنه صفوة خلق الله ورسول الله للبشر كافة.

 

"كلفة الانتصار" هي التي حثّت خالدًا على الانسحاب وإنقاذ الجيش، وقيمة الروح هي التي جعلت صفوة الخلق يصفهم بالكرّار، ويثني على قرار قائدهم، ويضفي عليه صفة "سيف الله المسلول".

 

نفس تلك الفكرة جعلت اليابان تستسلم عام 1945، وقادة ألمانيا يتخلّون عن قائدهم هتلر في الحرب العالمية، هناك لحظات في التاريخ تكون فيها الكلفة هي التي تحدد مسار المعركة، وتتلاشى الأماني أمام الواقع المرير.

 

هذه الزاوية لن ينظر إليها قادة إيران، أو صدام سابقًا، أو معمر، أو بشار، وكل طواغيت هذه البسيطة؛ لأن المستبد يرى الانتصار في بقائه، حتى لو فني البشر والعمران، كل شيء يُرمى في موقد ليشعر بنوع من الدفء، وللعلم، فإن إيران لم تخسر معركتها اليوم مع أمريكا، بل خسرتها سابقًا حين تحوّل جزء كبير من سكانها إلى مرشدين للغزاة نتيجة الاستبداد والظلم وفرض الرأي الواحد، وما هذه المعركة إلا ختامٌ متوقع لنظامٍ آثر البقاء على كل شيء، حتى لو أُبيدت الدولة.

 

هؤلاء الجواسيس أو الخونة، سمّهم ما شئت، هم أُسَرٌ وأحباب أناس أُعدموا أو سُجنوا أو أُهينوا أو عُذّبوا. فإذا تجرد النظام من وطنيته وتحول إلى صورة من الاحتلال، فلا يلومنّ الناس إن عاملوه بالطريقة نفسها.

 

إشكالية نظام إيران ومن على شاكلته أنه ليس كنظام إمبراطور اليابان في الحرب العالمية الثانية، الذي نظر للأمور من زاوية الأب، والذي يقوم دوره على إنقاذ الأرواح دون الالتفات إلى حماس العسكر. لذا خالفهم وفرض الاستسلام بعينٍ باكية؛ لأن وقف الخسارة مقدّم على انتصار بيروسي، لينتهي المشهد نهاية غريبة: وزير خارجية يوقّع الاستسلام، ووزير حربية ينتحر بغرس السيف في جسده.

 

أنظر لكثير من المحللين بكثير من الغرابة؛ حين تثقل كفة الزعيم على حساب الشعب والعمران، هم أنفسهم الذين جعلوا عبد الناصر منتصرًا بمجرد بقائه بعد خسارة مصر في الأرض والأرواح، وصدام حين لم تصل إليه يد أعدائه لحظة سقوط بغداد، واليوم إيران بمجرد إرسال الصواريخ وزرع مضيق هرمز بالألغام، المضحك أن كثيرًا منهم يعيشون في مدن الخليج والغرب، وعواطفهم مع إيران، التي لن يطرحوا يومًا فكرة العيش فيها، بل اعتدنا على مبادئ تُصدّر ولا تُستخدم محليًا.

 

هناك نقطة هامة يجب أن نستوعبها، وأختم بها: الغرب، بخبثه، يضع نقطة في المعركة ويُسرّب أنها عصيّة عليه، لتكون بعد سقوطها ضربة قاصمة، أتذكرون الانتكاسات الأمريكية في بداية دخولهم مدن الجنوب في العراق، حين كانت الشعوب ترقص منتشية بتلك الهزائم، وتتحدث عن فلاح اسمه منقاش أسقط طائرة أباتشي؟ فجأة انتقلت الصورة إلى عاصمة الرشيد، حيث ظهر جندي أمريكي يضع علم بلاده على وجه تمثال صدام في ساحة الرشيد، لينتهي المشهد بإحباط كبير أصاب الحالمين.

 

وفّروا تحليلاتكم وأصواتكم للمعارك القادمة؛ فهناك بون شاسع بين الصورة والتحليل. والأهم أن هناك سننًا للانتصارات لا يمكن تحقيقها في إيران؛ لأن المعركة ليست بين دول، بل بين أمريكا وإسرائيل ضد نظام أعدم في يوم واحد 5000 من مواطنيه.

 

 

 


الثلاثاء، 17 مارس 2026

نهاية ايران

 مع اغتيال لاريجاني، وصلت إيران – في هذا التصور – إلى مرحلة يمكن وصفها بمرحلة الموت المؤكد؛ لم يبقَ إلا قرار الطبيب بنزع الأجهزة، هي في الحالة التي يقول فيها الطبيب لمرافقي المريض: لم يبق الكثير استدعوا جميع أبنائه لوداعه.

‏ 

‏ظروف الدولة القادرة على الاستمرار في الحرب لا تبدو متوافرة في إيران، أولها البعد النفسي القيادي؛ إذ يبدو من الصعب صناعة قائد جديد يلتف حوله الجنود، فالقائد يحتاج إلى بيئة تحميه، لا إلى واقع يُدفع فيه إلى واجهة أشبه بمقصلة، وثانيها انعدام الثقة واتساع الاختراقات التي تشهدها الساحة الإيرانية.

‏ 

‏إيران اليوم أمام طريقين:


‏الأول دمار شامل دون قدرة حقيقية على الرد، سوى عبر صواريخ ذات أثر محدود.

‏والثاني القبول بمنطق الحروب والتسويات، وهو المسار الذي سلكته دول كاليابان وألمانيا، فأعادت بناء نفسها لاحقًا في ظروف أفضل.

‏ 

‏نحن أمام ساعات حاسمة، إيران التي عبثت بالجغرافيا العربية، مدفوعة بثقل التاريخ، وظنت أن لديها فرصة للتسلل إلى العواصم العربية، تشاهد اليوم الحريق وسط طهران، وهي على أعتاب لحظة مفصلية لا يعلم مآلاتها إلا الله.

‏ 

‏لكن السؤال: متى بدأت نهاية إيران؟


‏ليست هذه اللحظة بالضرورة لحظة الحسم، بل قد تكون النهاية قد بدأت في أوج شعور الدولة بالعظمة، ويمكن إرجاع ذلك إلى عام 2001م، حين وقعت أحداث سبتمبر، فقد اجتمع الرئيس الإيراني آنذاك محمد خاتمي مع قيادات الدولة، وطرح سؤالين:

‏الأول: هل للدولة دور فيما حدث في أمريكا؟

‏والثاني: هل لأي من أذرعها دور في ذلك؟

‏ 

‏مجرد طرح هذا السؤال يكشف عن مشكلة بنيوية في توزيع القرار داخل الدولة الإيرانية، حيث لا يحتكر رئيس الجمهورية القرار بشكل كامل، وبعد نفي القيادات لأي علاقة، اتجهت إيران إلى تبني مسار رأت فيه فرصة تاريخية، تمثل في التقاطع مع الغرب في ملفات كأفغانستان والعراق، ثم استثمار الفراغ للتوسع في العراق وسوريا واليمن.

‏ 

‏بلغ هذا التمدد حدّ أن المسؤول الإيراني كان يتنقل – رمزيًا – من طهران إلى بيروت دون عوائق تُذكر، وقد تم ذلك عبر أدوات قاسية، اعتمدت على القوة والصراع والدم، وكان التقدير الإيراني أن هذا التوسع يتم خارج حدود التأثير الغربي، مع إهمال لاعتبارات الجغرافيا السياسية الأوسع، وكأن حائك السجاد ظن أنه نسج واقعًا لا ينازعه فيه أحد.

‏ 

‏اليوم، تبدو الإشكالية الإيرانية أكثر وضوحًا؛ إذ يواجه صانع القرار واقعًا مختلفًا، قد يدفعه إلى مراجعة تقديراته السابقة، خاصة في ظل تصاعد التحديات الأمنية والسياسية، وربما كان أحد أبرز هذه التقديرات هو الاعتقاد بإمكانية مناورة الغرب أو تجاوز توازناته، أو حتى تصور وجود هامش يسمح بإعادة تشكيل نفوذ إقليمي واسع دون كلفة استراتيجية.

‏ 

‏يبقى الشعور بالحزن حاضرًا تجاه ما وصلت إليه إيران، وهي التي تمتلك إرثًا تاريخيًا عريقًا وموقعًا جغرافيًا مهمًا وتجربة سياسية معقدة، إلا أن مساراتها خلال العقود الماضية قادتها إلى العزلة و واقع مليء بالتحديات.

‏ 

‏ومن مفارقات المشهد أن رئيس إيران، وهو طبيب، قد يجد نفسه – رمزيًا – أمام لحظة اتخاذ قرار صعب يشبه نزع أجهزة الإنعاش، إيذانًا بنهاية مرحلة وبداية واقع مختلف.

‏ 

‏في ختام مقالي، لا تغيب عن الذهن صورة ذلك الطفل السوري الذي فقد والديه وإخوته ودُمّر منزله، فقال قبل استشهاده: سوف أُخبر الله بكل شيء.

‏ 

‏جملة تختصر المعنى الحقيقي لكل صراع، حيث تبقى العدالة المؤجلة أكبر من كل حسابات السياسة.

السبت، 7 مارس 2026

لماذا نجت تركيا صيف ٢٠١٦ ولماذا تحتضر إيران اليوم،،

 يطرح المشهد السياسي الحالي سؤالًا: لماذا نجت تركيا من محاولة انقلاب كادت تعيدها سنوات إلى الوراء في صيف 2016، بينما تبدو إيران اليوم، في ربيع 2026، وكأنها تعيش حالة احتضار؟


الإجابة لا تتعلق فقط بالظروف أو الأحداث، بل بأسلوب إدارة الدولة والخيارات التي تحكم بناء مؤسساتها، بين الكفاءة والولاء.

 

في التجربة التركية، وبعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عبر الانتخابات، برز توجه واضح يقوم على استقطاب الكفاءات والانفتاح على مختلف التيارات الفكرية والسياسية، لم يكن الانتماء الحزبي شرطًا أساسيًا لتولي المواقع المؤثرة بقدر ما كانت الكفاءة والقدرة على الإسهام في إدارة الدولة.

 

ويُعد (أحمد داود أوغلو) مثالًا بارزًا على ذلك؛ فقد لفت الأنظار كمفكر وباحث في العلاقات الدولية قبل أن يتولى حقيبة الخارجية، رغم أنه لم يكن من الكوادر الحزبية الحاكمه، هذا النهج في استقطاب أصحاب الخبرة أسهم في تعزيز مؤسسات الدولة، وخلق حالة من الاستقرار الإداري والسياسي انعكست على الأداء الاقتصادي وعلى ثقة الشارع.

 

لذلك، عندما وقعت محاولة الانقلاب في صيف 2016، لم يكن الأمر مجرد صراع على السلطة داخل الدولة، بل لحظة اختبار للعلاقة بين المجتمع والنظام السياسي، خرج المواطنون إلى الشوارع وواجهوا الدبابات، ليس دفاعًا عن حزب بعينه، بل دفاعًا عن المسار السياسي الذي اختاروه عبر صناديق الاقتراع.

 

في المقابل، اتخذت التجربة الإيرانية مسارًا مختلفًا منذ الثورة عام 1979، فقد ارتبط الوصول إلى مفاصل السلطة بالولاء للمؤسسة الدينية الحاكمة، الأمر الذي أدى تدريجيًا إلى تضييق مساحة المشاركة أمام العديد من الكفاءات التي لا تنتمي إلى هذا الإطار.

 

ومع مرور الوقت انعكس هذا النهج على الإدارة العامة للدولة، حيث برزت تحديات اقتصادية وإدارية متراكمة، إلى جانب تزايد الانتقادات الداخلية لأداء المؤسسات، وتفشي الفساد، كما شهدت البلاد خلال السنوات الماضية موجات احتجاج متكررة، كان أبرزها الحركة الخضراء وما تلاها من اضطرابات اجتماعية وسياسية، تلك الاحتجاجات أصبحت مدخلًا للغزاة إلى إيران، والغريب في المشهد وجود جيوش من المتعاونين مع الغزاة، يمكن من خلالهم الوصول إلى أي رمز، حتى لو كان المرشد نفسه، ومن المفارقات التي تسترعي الانتباه أن جزءًا كبيرًا من الشعب الإيراني يشاهد مقتل عدد من قياداته وكأن الأمر لا يعنيه شيئًا، حقًا، أخطر ما يمكن أن تصل إليه الدول أن تبلغ شعوبها هذه المرحلة من السلبية تجاه الأحداث المفصلية التي تتعرض لها دولتهم.

 

 

هذه الاحتجاجات كشفت عن فجوة آخذة في الاتساع بين قطاعات من المجتمع وبين منظومة الحكم، وهي فجوة تجعل أي أزمة سياسية أو أمنية أكثر تعقيدًا، لأنها لا تبقى محصورة داخل النخبة السياسية، بل تمتد إلى بنية المجتمع ذاته.

 

في النهاية، لا تُقاس قوة الدول فقط بحجم جيوشها أو صلابة مؤسساتها الأمنية، بل بقدرتها على بناء نظام إداري وسياسي يقوم على الولاء والكفاءة، فحين تُفتح أبواب الدولة أمام أصحاب الخبرة يلتف المجتمع حولها، أما حين يُقدَّم الولاء على الكفاءة فإن الثقة تتآكل تدريجيًا، وتصبح الدولة أكثر عرضة للاهتزاز عند أول اختبار حقيقي.

 

عودًا إلى سؤالي: لماذا فشل الجيش التركي في الانقلاب على السلطة في انقرة، ولماذا تحتضر اليوم طهران؟


باختصار، ما شاهدناه في 2016 وما نراه في 2026 يحمل الجواب.