السبت، 7 مارس 2026

لماذا نجت تركيا صيف ٢٠١٦ ولماذا تحتضر إيران اليوم،،

 يطرح المشهد السياسي الحالي سؤالًا: لماذا نجت تركيا من محاولة انقلاب كادت تعيدها سنوات إلى الوراء في صيف 2016، بينما تبدو إيران اليوم، في ربيع 2026، وكأنها تعيش حالة احتضار؟


الإجابة لا تتعلق فقط بالظروف أو الأحداث، بل بأسلوب إدارة الدولة والخيارات التي تحكم بناء مؤسساتها، بين الكفاءة والولاء.

 

في التجربة التركية، وبعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عبر الانتخابات، برز توجه واضح يقوم على استقطاب الكفاءات والانفتاح على مختلف التيارات الفكرية والسياسية، لم يكن الانتماء الحزبي شرطًا أساسيًا لتولي المواقع المؤثرة بقدر ما كانت الكفاءة والقدرة على الإسهام في إدارة الدولة.

 

ويُعد (أحمد داود أوغلو) مثالًا بارزًا على ذلك؛ فقد لفت الأنظار كمفكر وباحث في العلاقات الدولية قبل أن يتولى حقيبة الخارجية، رغم أنه لم يكن من الكوادر الحزبية الحاكمه، هذا النهج في استقطاب أصحاب الخبرة أسهم في تعزيز مؤسسات الدولة، وخلق حالة من الاستقرار الإداري والسياسي انعكست على الأداء الاقتصادي وعلى ثقة الشارع.

 

لذلك، عندما وقعت محاولة الانقلاب في صيف 2016، لم يكن الأمر مجرد صراع على السلطة داخل الدولة، بل لحظة اختبار للعلاقة بين المجتمع والنظام السياسي، خرج المواطنون إلى الشوارع وواجهوا الدبابات، ليس دفاعًا عن حزب بعينه، بل دفاعًا عن المسار السياسي الذي اختاروه عبر صناديق الاقتراع.

 

في المقابل، اتخذت التجربة الإيرانية مسارًا مختلفًا منذ الثورة عام 1979، فقد ارتبط الوصول إلى مفاصل السلطة بالولاء للمؤسسة الدينية الحاكمة، الأمر الذي أدى تدريجيًا إلى تضييق مساحة المشاركة أمام العديد من الكفاءات التي لا تنتمي إلى هذا الإطار.

 

ومع مرور الوقت انعكس هذا النهج على الإدارة العامة للدولة، حيث برزت تحديات اقتصادية وإدارية متراكمة، إلى جانب تزايد الانتقادات الداخلية لأداء المؤسسات، وتفشي الفساد، كما شهدت البلاد خلال السنوات الماضية موجات احتجاج متكررة، كان أبرزها الحركة الخضراء وما تلاها من اضطرابات اجتماعية وسياسية، تلك الاحتجاجات أصبحت مدخلًا للغزاة إلى إيران، والغريب في المشهد وجود جيوش من المتعاونين مع الغزاة، يمكن من خلالهم الوصول إلى أي رمز، حتى لو كان المرشد نفسه، ومن المفارقات التي تسترعي الانتباه أن جزءًا كبيرًا من الشعب الإيراني يشاهد مقتل عدد من قياداته وكأن الأمر لا يعنيه شيئًا، حقًا، أخطر ما يمكن أن تصل إليه الدول أن تبلغ شعوبها هذه المرحلة من السلبية تجاه الأحداث المفصلية التي تتعرض لها دولتهم.

 

 

هذه الاحتجاجات كشفت عن فجوة آخذة في الاتساع بين قطاعات من المجتمع وبين منظومة الحكم، وهي فجوة تجعل أي أزمة سياسية أو أمنية أكثر تعقيدًا، لأنها لا تبقى محصورة داخل النخبة السياسية، بل تمتد إلى بنية المجتمع ذاته.

 

في النهاية، لا تُقاس قوة الدول فقط بحجم جيوشها أو صلابة مؤسساتها الأمنية، بل بقدرتها على بناء نظام إداري وسياسي يقوم على الولاء والكفاءة، فحين تُفتح أبواب الدولة أمام أصحاب الخبرة يلتف المجتمع حولها، أما حين يُقدَّم الولاء على الكفاءة فإن الثقة تتآكل تدريجيًا، وتصبح الدولة أكثر عرضة للاهتزاز عند أول اختبار حقيقي.

 

عودًا إلى سؤالي: لماذا فشل الجيش التركي في الانقلاب على السلطة في انقرة، ولماذا تحتضر اليوم طهران؟


باختصار، ما شاهدناه في 2016 وما نراه في 2026 يحمل الجواب.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق