لعل من أهم الأمور التي يجب أن تسترعي انتباهنا في معارك اليوم هي "كلفة الانتصار". هناك مصطلح في علم السياسة يُسمّى (الانتصار البيروسي)، وهو يُنسب إلى الملك بيروس، الذي انتصر على الرومان بخسائر فادحة، ليقول لقادته: نصرٌ آخر كهذا وسنكون قد انتهينا.
لنبقَ في التاريخ قليلًا؛ خالد بن الوليد في معركة مؤتة وقف على مشهد بالغ الصعوبة، قاد جيشًا خسر للتو ثلاثة من قادته، وعدد الجيش الألفين لا يمكن مقارنته بجيش أعدائه البالغ عددهم 200 ألف، والصعوبة الأكبر أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرهم بالمعركة ولم يأمرهم بأمرٍ آخر.
في تلك المعركة، كان مفهوم الانتصار يتمحور حول الشهادة والفناء، لكن هذا القائد الفذ نظر إلى الانتصار من زاوية أخرى، وهي إنقاذ هذا الجيش بما يحويه من أبطال ذخرًا لمعركة أخرى تكون فيها الجيوش متكافئة، لذلك بنى خطته على انسحابٍ بمثابة نصرٍ كبير، حيث أوهم أعداءه بقدوم مدد، لينسحب دون أن يتعقبوه فيبيدوا جيشه.
والجميل في القصة هو الفكر الجمعي المشرب بالعاطفة في المدينة؛ إذ خرج الناس غاضبين وتلقّوا الجيش في الطرقات، وقالوا لهم: يا فرّار، وهي أسوأ صفة يتلقاها الشجاع البطل، لكن النبي صلى الله عليه وسلم نفى هذا الوصف، وقال: بل هم الكرّار، شخصٌ واحد يعادل رأي أهل المدينة، بل سكان الأرض جميعًا؛ لأنه صفوة خلق الله ورسول الله للبشر كافة.
"كلفة الانتصار" هي التي حثّت خالدًا على الانسحاب وإنقاذ الجيش، وقيمة الروح هي التي جعلت صفوة الخلق يصفهم بالكرّار، ويثني على قرار قائدهم، ويضفي عليه صفة "سيف الله المسلول".
نفس تلك الفكرة جعلت اليابان تستسلم عام 1945، وقادة ألمانيا يتخلّون عن قائدهم هتلر في الحرب العالمية، هناك لحظات في التاريخ تكون فيها الكلفة هي التي تحدد مسار المعركة، وتتلاشى الأماني أمام الواقع المرير.
هذه الزاوية لن ينظر إليها قادة إيران، أو صدام سابقًا، أو معمر، أو بشار، وكل طواغيت هذه البسيطة؛ لأن المستبد يرى الانتصار في بقائه، حتى لو فني البشر والعمران، كل شيء يُرمى في موقد ليشعر بنوع من الدفء، وللعلم، فإن إيران لم تخسر معركتها اليوم مع أمريكا، بل خسرتها سابقًا حين تحوّل جزء كبير من سكانها إلى مرشدين للغزاة نتيجة الاستبداد والظلم وفرض الرأي الواحد، وما هذه المعركة إلا ختامٌ متوقع لنظامٍ آثر البقاء على كل شيء، حتى لو أُبيدت الدولة.
هؤلاء الجواسيس أو الخونة، سمّهم ما شئت، هم أُسَرٌ وأحباب أناس أُعدموا أو سُجنوا أو أُهينوا أو عُذّبوا. فإذا تجرد النظام من وطنيته وتحول إلى صورة من الاحتلال، فلا يلومنّ الناس إن عاملوه بالطريقة نفسها.
إشكالية نظام إيران ومن على شاكلته أنه ليس كنظام إمبراطور اليابان في الحرب العالمية الثانية، الذي نظر للأمور من زاوية الأب، والذي يقوم دوره على إنقاذ الأرواح دون الالتفات إلى حماس العسكر. لذا خالفهم وفرض الاستسلام بعينٍ باكية؛ لأن وقف الخسارة مقدّم على انتصار بيروسي، لينتهي المشهد نهاية غريبة: وزير خارجية يوقّع الاستسلام، ووزير حربية ينتحر بغرس السيف في جسده.
أنظر لكثير من المحللين بكثير من الغرابة؛ حين تثقل كفة الزعيم على حساب الشعب والعمران، هم أنفسهم الذين جعلوا عبد الناصر منتصرًا بمجرد بقائه بعد خسارة مصر في الأرض والأرواح، وصدام حين لم تصل إليه يد أعدائه لحظة سقوط بغداد، واليوم إيران بمجرد إرسال الصواريخ وزرع مضيق هرمز بالألغام، المضحك أن كثيرًا منهم يعيشون في مدن الخليج والغرب، وعواطفهم مع إيران، التي لن يطرحوا يومًا فكرة العيش فيها، بل اعتدنا على مبادئ تُصدّر ولا تُستخدم محليًا.
هناك نقطة هامة يجب أن نستوعبها، وأختم بها: الغرب، بخبثه، يضع نقطة في المعركة ويُسرّب أنها عصيّة عليه، لتكون بعد سقوطها ضربة قاصمة، أتذكرون الانتكاسات الأمريكية في بداية دخولهم مدن الجنوب في العراق، حين كانت الشعوب ترقص منتشية بتلك الهزائم، وتتحدث عن فلاح اسمه منقاش أسقط طائرة أباتشي؟ فجأة انتقلت الصورة إلى عاصمة الرشيد، حيث ظهر جندي أمريكي يضع علم بلاده على وجه تمثال صدام في ساحة الرشيد، لينتهي المشهد بإحباط كبير أصاب الحالمين.
وفّروا تحليلاتكم وأصواتكم للمعارك القادمة؛ فهناك بون شاسع بين الصورة والتحليل. والأهم أن هناك سننًا للانتصارات لا يمكن تحقيقها في إيران؛ لأن المعركة ليست بين دول، بل بين أمريكا وإسرائيل ضد نظام أعدم في يوم واحد 5000 من مواطنيه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق