عام ٢٠٠١ دُشِّن مصطلح جديد أطلق عليه الحرب على الإرهاب، ووقف الرئيس الأمريكي أمام شعبه ليقول: من ليس معنا فهو ضدنا.
بهذه النظرة لأول مرة في التاريخ يُقسَّم العالم إلى قسمين: إما التأييد، وإما أن تكون في خانة الأعداء، لتغادر وفوده عواصم الدول محذِّرة ومهدِّدة، حتى قيل للباكستانيين مثلًا: إما التعاون في الحرب أو الإعادة إلى العصر الحجري، كما ذكر الرئيس الباكستاني برويز مشرف.
وأمام هذا الواقع، اندفعت الدول بدافع الخوف، أو ربما بدافع التخلص من خصومها من خلال لاستفادة من هذه التهمة المعلبة، ولكن، ونحن في عام ٢٠٢٦، يبرز سؤال جوهري: ما نتيجة كل ما حدث؟
للإجابة، لا بد من العودة إلى ما قبل ذلك بسنوات طويلة.
في بداية الخمسينات بدأت ظواهر إقصاء جزء مهم من المجتمع، وأصبحت المجتمعات العربية عبارة عن حكومات عسكرية لا تُسأل عن نتائج أعمالها، وسجناء جريمتهم إبداء رأيهم، والناس أمام خيارين: إما الصمت أو مكان في السجن.
وبناءً على ذلك، لم تنشأ مجتمعات صحية وسليمة، بل استبدادية واختلّت القيم، فأصبحت الوجاهة للممثلين والمطربين، بينما أُلصقت صفة الإجرام بالمفكرين والعلماء، وانعكس ذلك حتى على الأدب؛ فبرزت أعمال راقية صدرت في السجون، مقابل ضعف وهشاشة وإسفاف في الإنتاج الثقافي في الحياة العامة، وكان الزج في السجن يُقدَّم غالبًا تحت مبررات قانونية أو اتهامات بالسعي للوصول إلى السلطة.
والمفارقة أن هذا الأسلوب، الذي استُخدم للتمسك بالسلطة وإقصاء الخصوم، لم يُدرك أصحابه أنه سيتحول لاحقًا إلى أداة يستخدمها الآخرون ضدهم، فقد أصبح مبررًا للتدخل الخارجي، وذريعة لاحتلال دول وتغيير أنظمتها، بل وتبريرًا لارتكاب جرائم وإراقة بحور من الدماء وإزالة مدن كاملة من على الخارطة، وفي امتداد لهذا المسار، خيضت حروب كثيرة في السنوات الماضية بسردية واحدة: (الإرهاب)، اصبحت تلك الكلمة مشروع كبير تبني عليها الدول استراتيجيتها.
الإرهاب كلمة فضفاضة دون توصيف دقيق، تحولت إلى مفتاح ماستر يفتح كل أبواب المنطقة، بل مبرر لكل الجرائم المرتكبة، أمريكا تقصف اليمن، وتحرق الفلوجة في العراق بالفسفور الأبيض باسم محاربة الإرهاب، وبشار يقتل السوريين بالكيماوي باسم محاربة الإرهاب، والقذافي احرق شعبه باسم محاربة الإرهاب، وروسيا جعلت مدن الشيشان ركامًا باسم محاربة الإرهاب، وغيرهم كثير، لا يُسأل عن الدمار أو التهجير أو شلالات الدماء، بل يتوقف كل شيء عند مبرر واحد: الإرهاب، ولكن في حقيقتها فوضى خلاقة كما وصفتها كوندليزا رايس وزيرة خارجية امريكا.
حروب تذكرني بمجموعة رياضيين كانوا في معسكر للجيش، وفرض عليهم الجزاء كما يحدث في كل المعسكرات، وهو أن يلعبوا مباراة كاملة لمدة تسعين دقيقة دون كرة قدم وبوجود حكم، يقول أحدهم كنا نركض، نمرر، نحتج، نحصل على بطاقات، وتُحتسب ركلات جزاء، بل وتُهدر أيضًا، وكل ذلك دون وجود كرة أصلاً، مشهد عجيب ومضحك ومرهق، لكن الخوف من عقوبة أشد جعل الجميع يتعامل معه بجدية كاملة.
بهذا المعنى، تبدو كثير من الحروب في منطقتنا أشبه بتلك المباراة؛ الجميع يشارك، القواعد موجودة، لكن الأساس غائب، وفي النهاية هناك من سيأخذ النتيجة لنفسه، وهو الذي يراقب المشهد العابث في الظل من بعيد.
وبالعودة إلى أحداث سبتمبر، نجد أن وسائل الإعلام امتلأت برجال دين ومفكرين ومحللين يحذرون من ظاهرة الإرهاب وخطورتها، وينبهون الشباب منها، ويصفونها بأنها وباء على المجتمعات، اعتدنا على تلك العمائم في كل تفجير وحدث، وكان الإسلام دين السلام والسكينة بحاجة إلى تبرير دائم، لكن، وبعد سنوات طويلة من هذا التحشيد، تظهر محطات مفصلية تستحق التوقف.
ففي أول انتخابات نزيهة في الجزائر، حاز الإسلاميون على نحو ٨٠٪، وكان لهم الحق في تشكيل الحكومة، ليتدخل الجيش وتُجهض التجربة، وتدخل البلاد في نفق مظلم استمر سنوات، وكذلك في مصر، حيث فازت جماعة الإخوان المسلمين—القادمة من السجون—في أول انتخابات نزيهة، ووصلت إلى سدة الحكم، ولسنا هنا في موضع الحكم على إمكانياتهم، ولكن السؤال الأهم والتي أتت الانتخابات بجوابه: من يملك الشارع؟، ولماذا تلك النتيجة بعد سنوات طويلة من التحشيد الإعلامي والتحذير منهم؟
سؤال يقودنا إلى أصوات وازنة وعاقلة، قد تخفت وسط الضجيج، لكنها تستحق أن تُسمع بإنصات، فالشيخ محمد الغزالي يرى أن عنف سيد قطب يعود إلى عاملين: الأول جهله بأصول الفقه، والثاني ما تعرض له من تعذيب في السجون الناصرية، كما أشار الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر في عام ٢٠١٨، إلى أن جماعات التكفير وُلدت في السجون والمعتقلات نتيجة العنف والتنكيل بالشباب، ويُروى في هذا السياق أن بعض المعتقلين طُلب منهم كتابة ورقة تأييد للحاكم (عبدالناصر)، فكتبها بعضهم تحت التعذيب وامتنع آخرون، لتنعزل مجموعة عن أخرى، وتبدأ بتكفيرها بسبب تلك الورقة، ثم يمتد هذا التكفير لاحقًا إلى المجتمع المؤيد للحاكم.
ولذلك، حرص الشيخ أحمد الطيب—في أحداث ميدان رابعة—على التصريح بأن الأزهر ليس له علاقة بما حدث، معتبرًا ذلك البيان انه أمانة أمام الله ثم أمام التاريخ.
وبهذا، ينسب الشيخان ظهور هذه الجماعات إلى بيئات الاستبداد والسجون التي تُنتهك فيها كرامة الإنسان، وربما ضمن سياقات أوسع تسمح باستمرار هذا النمط من القمع، واليوم ونحن في عام ٢٠٢٦، وبعد سنوات من محاربة هذه الظواهر، تتضح النتائج: احتلال مدن، تدمير أخرى، السيطرة على منافذ مهمة، واستنزاف شامل، كل ذلك تحت عنوان واسع هو “محاربة الإرهاب”—في مشهد لا يبتعد كثيرًا عن مباراة لُعبت دون كرة.
ومن هنا، تتضح دلالة العبارة: (درهم وقاية خير من دينار علاج)، فدول العالم العربي أمام خيارين واضحين:
إما الاستثمار في الداخل عبر التنمية والاستقرار وفتح قنوات النقاش، أو الاستمرار في استخدام أدوات الاستبداد، التي قد تتحول لاحقًا إلى مبرر لتدخل خارجي.
الحرب على الإرهاب بدأت في الداخل وانتهت بتدخلات من الخارج، فضلا عن خسارة في الأموال والدماء، يتكرر السؤال لجميع الحكومات: هل نختار البناء أم نستمر في إلقاء الموارد في محرقة لا تكتفي وتقول هل من مزيد؟
ختاماً تُظهر التجربة أن من يقطف ثمار هذه الحروب، في الغالب، ليس من خاضها، بل من أشعلها وأدار مسارها ويراقبها من بعيد. وتستمر القصة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق