العارض المرضي، إن حدث، تبرز أهميته في مدى التهيئة المسبقة له، حينما يُصاب شخص بأمر طارئ في طائرة، لا يملك قائدها إلا أن يمسك الميكروفون ويسأل: هل يوجد بيننا طبيب؟ أما إن حدث ذلك في مدينة مجهزة بشبكة من المراكز الصحية والمستشفيات، فإن الإجراءات تصبح أكثر سلاسة وسرعة، من سيارات إسعاف، وأقسام طوارئ، وكوادر طبية، دون الإرباك الذي نشهده في الطائرة.
هناك من المشاكل الإدارية تُدار بأسلوب قائد الطائرة؛ أي البحث عن المتخصص لحظة وقوع المشكلة، ورغم كفاءة هذا المتخصص، إلا أنه يفتقد إلى البنية اللوجستية التي تمكّنه من النجاح، ما يحدث غالبًا هو جهد فردي متأخر، قد يخفف من حدة المشكلة، لكنه لا يصنع حلًا جذريًا؛ لأنه يعمل دون فريق متكامل أو تجهيزات مُعدة مسبقًا.
هنا يتجلى دور الإدارة الحقيقي: الاستعداد للمستقبل، لا التعامل معه عند وقوعه فقط، فالإدارة الفاعلة هي التي تتصور الإشكاليات قبل حدوثها، وتبني لها منظومة متكاملة من الخطط والكوادر.
فكرة "المدينة المجهزة بشبكة طبية" تمثل نموذجًا واضحًا: مشكلات متوقعة، وخطط جاهزة، وفريق مدرّب للتعامل معها، وبهذا تتحول الإدارة من ردّة فعل إلى عمل استباقي، في هذا النموذج يتراجع دور النجم الفرد لصالح الفريق، لأن العمل يقوم على استراتيجية واضحة لا على اجتهادات شخصية، كما أن تعاقب المسؤولين لا يؤثر على جوهر العمل، فهناك خطة ثابتة، والجميع يعمل على تحسينها لا تغييرها؛ بلغة أدق: لا تمس المتن، ولك الهامش.
من زاوية أخرى، يميل الإنسان بطبعه إلى السرعة في الإنجاز، شراء منزل جاهز قرار سريع، لكنه غالبًا مليء بالتنازلات: تفاصيل لا تعرفها، وذوق لا يشبهك، وتعديلات لا تنتهي، في النهاية تقبل بالنتيجة كما هي.
في المقابل، بناء المنزل رحلة أطول وأكثر كلفة في الوقت والجهد، تبدأ من اختيار الأرض، ثم التخطيط على ضوء احتياجات أسرتك، فالتنفيذ، مع مراجعات مستمرة عند كل اختلاف بين الواقع والتصميم، لكنها في النهاية تمنحك فهمًا دقيقًا لكل تفصيلة، وإدراكًا لنقاط القوة والضعف، والأهم: منتجًا يعكس احتياجك الحقيقي.
الإدارة التي تعتمد على البيت الجاهز تواجه صعوبة في النجاح؛ كأن تستقطب كفاءة جاهزة وتضعها في منظومة لا تعرفها، المشكلة ليست في كفاءة الفرد، بل في انسجامه مع الفريق، وفهمه لخصوصية البيئة، فالخبرة الإدارية تُبنى بالتدرج، ولا تُنقل كاملة بين السياقات.
أما البناء المؤسسي المتدرج، مع استقطاب الخبرات لتحسينه لا لتغير مساره، فهو وإن بدا أبطأ، إلا أنه أوفر على المدى الطويل وأكثر استقرارًا، فالقيمة الحقيقية ليست في السرعة، بل في جودة التأسيس، وربما يصح القول: ما يبدو مكلفًا في البداية، هو الأقل كلفة مع الزمن.
في كل أزمة فرصة كامنة بل حزمة كبيرة من المنح، دول الخليج لديها اليوم أسئلة جوهرية في الشق المدني بعد نجاحهم في الجانب العسكري لله الحمد:
ما البدائل إذا تعطلت ممرات حيوية كمضيق هرمز؟، هل أعددنا كوادر قادرة على التعامل مع الأزمات؟، وهل توقعنا مسبقاً ما نعيشه اليوم؟، وكيف التعاطي مع الإشكاليات المادية والمالية وهي من الآثار المتوقعة.
جزء كبير من النجاح لا يكمن في الإجابات فقط، بل في القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة مسبقًا، والتدريب على الإجابة النموذجية.
ختامًا، الإدارة التي تنتظر الأزمة لتبحث عن حل تشبه قائد الطائرة، بينما الإدارة المستعدة تشبه مدينة طبية مكتملة التجهيز، وبين الحل السريع والبناء طويل الأمد، تتحدد جودة النتائج، فالنجاح الحقيقي هو قراءة المشكلات بعمق، والاستعداد لها بحلول متكاملة، تعود فائدتها على الجميع، نسأل الله ان يديم علينا الامن والامان ورضى الرحمن.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق