الأربعاء، 15 أبريل 2026

أهمية العلوم الإنسانية، لماذا نجح المحلل الايراني أحمديان؟

 في الأسبوع الماضي نُشر إعلان عن إلغاء تخصصات في جامعة من أهم الجامعات الخليجية، منها عدد من العلوم الإنسانية، ولا أعلم تفاصيل الخبر، لكن هناك حقيقة قديمة نعاني منها، وهي أن هذه العلوم لا تحظى بمكانتها الحقيقية في المجتمع، فيلتحق بها الطالب أحيانًا فقط لتحسين وضعه بعد التخرج، وغالبًا ما ينتهي به الحال في عمل لا ينتمي إليه، لأن البيئة المهنية المهيأة له لا تستوعبه أو لا يقبلها.

‏ 

‏كان لدي صديق يقول: إذا غضب والدي من نتائجي في المدرسة قال لي: لن تجد في الجامعة إلا تخصص التاريخ، وهذه النظرة لا تقتصر على والد صديقي، بل هي ممتدة في المجتمع.

‏ 

‏لهذا، ومع ما نشهده اليوم من أحداث مفصلية، كنا بحاجة – كدولة ومجتمع – إلى متخصصين في هذه العلوم لدراسة الحدث وتقديم تحليل تُبنى عليه الخطط، ففي بعض الأزمات يبدو المجتمع كمن دخل عاصفة في ليل مظلم، لا يكاد يرى كف يده، وهنا تظهر أهمية زاوية الرؤية؛ فهي أداة نجاة لا أمرًا ترفيهيًا.

‏ 

‏وفي هذا السياق، يبرز الفرق بين "المعلّق" و"المحلّل"، ما نشاهده في القنوات الفضائية – في الغالب – هم معلّقون؛ لأنهم يصفون ما يحدث أمامهم، أما المحلّل، فيرسم صورة لما يمكن أن يحدث، مستندًا إلى قراءة عميقة للواقع عبر حصيلته المعرفية الماضية، وإلى أدوات علمية تراكمت عبر سنوات.

‏ 

‏ولهذا تبرز بعض النماذج التي تعكس أثر هذا التراكم، مثل المحلل الإيراني أحمديان، الذي يمثّل نتاج إعداد طويل وممنهج؛ فعندما تقرأ مسيرته تدرك أن ما يقدّمه ليس رأيًا عابرًا، بل خلاصة تدريب ومعرفة متراكمة تميزه أولاً ومساهمة الدولة ثانياً، وهنا يتجلى معنى المقولة: "أعطِ الخبز خبّازه"، فمثل هذه الأدوار لا تُصنع في لحظة، بل تُبنى عبر سنوات استعدادًا للحظة قد تأتي أو لا تأتي.

‏ 

‏أعود إلى مقولة والد صديقي، الذي كان يرى أن مصير ابنه هو دراسة التاريخ بسبب ضعف نتائجه، والحقيقة التي لم يدركها والد صديقي رحمه الله أن كثيرًا من قادة الحرب العالمية الثانية كانوا قرّاء جيدين للتاريخ، فعندما تتأمل قراءاتهم، تظن أنك أمام قاعة جامعة لا ساحة معركة، تشرشل، مثلًا، كان عاشقًا للتاريخ، وكان أحد العوامل المهمة في صمود بريطانيا، وأيزنهاور، من خلال قراءاته المتعمقة، خاصة لحروب نابليون، أسهم في بلورة أفكار استراتيجية مثل إنزال النورماندي.

‏ 

‏في المقابل، كان هتلر قارئًا انتقائيًا للتاريخ، وهو ما أسهم في تعثره؛ إذ تجاهل دروسًا مهمة، مثل فشل نابليون في غزو روسيا، خاصة ما يتعلق بعامل الشتاء، فكانت النتيجة كارثية، وبمعنى آخر، قد يكون الفارق في بعض اللحظات بين النجاح والفشل هو عمق القراءة والدرس المستفاد لا مجرد وجودها.

‏ 

‏الحقيقة أن من امتلك فهمًا تاريخيًا عميقًا استطاع أن يبني جسرًا يعبر به، هو ومجتمعه، من حقول الألغام إلى مرافئ الأمان، فالتعامل مع الأحداث بعقلية القارئ للتاريخ يختلف؛ لأن الأنماط تتكرر، وإن اختلفت الشخصيات.

‏ 

‏لذلك، فإن التخصصات التي يُنظر إليها اليوم على أنها هامشية، كانت يومًا ما جزءًا من تشكيل العالم وحفظ المصالح.

‏ 

‏وعودًا على بدء، فإن دور وزارات التربية والتعليم والجامعات لا يقتصر على وضع المناهج وجلب الكفاءات، بل يمتد إلى رسم خارطة طريق للطالب بعد التخرج، بما يعكس أهمية هذه العلوم، كما أن الجهات التي تستفيد من العلوم الإنسانية – كوزارة الخارجية مثلًا – مطالبة بألا تكرر النماذج التعليمية التقليدية، بل تطور برامج تدريبية متقدمة تُعدّ كوادر قادرة على التعامل مع لحظات استثنائية كالتي نعيشها اليوم، مع البحث عن المتميزين وصقلهم.

‏ 

‏لا يوجد علم بلا فائدة. ولو كانت هذه العلوم هامشية، لما حرصت أعرق الجامعات العالمية – مثل هارفارد – على تدريسها، وهي التي تُعرف بدورها في إعداد القادة وصنّاع القرار.

‏ 

‏ختامًا، يبقى المعيار الحقيقي هو القدرة على توظيف العلم، عبر وضع الخطط، واكتشاف المتميزين، وتطويرهم، بحيث يعود أثره على الفرد والمجتمع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق