أرادت إيران الخروج من عزلتها عبر البحث عن منظومة اقتصادية تساهم في تنمية الداخل، وتشجع الاستثمار الخارجي على الدخول، مع المحافظة على النظام السياسي، ووصلت النخب الإيرانية إلى أن النموذج الصيني في التنمية هو الأكثر ملاءمة لظروف إيران وحاجتها الراهنة، وأخذ هذا الفكر يُتداول بدءًا من عام ٢٠٠١، لتصبح تلك القضية حديث النخب السياسية، وتأخذ بالنضج وتستقطب الكثير من المؤيدين.
وسبب انبهار الإيرانيين بالنموذج الصيني يعود إلى النجاح الباهر للاقتصاد الصيني، والأهم أنه يفصل بشكل شبه تام بين الجانب الاقتصادي والسياسي، حيث إن القيادة السياسية رغبت بتنمية من دون التأثير على الهيكل السياسي الإيراني الذي يغلب عليه المحافظون، لذا رغب الإيرانيون بصدق في بناء دولة قوية واقتصاد متطور من دون التضحية بالأركان الكبرى للنظام السياسي.
وازنت مراكز دراسة القرار، بعد تبلور الفكرة بين التجربتين الصينية والماليزية، ومالت إلى الصينية، ليبعث المرشد عام ٢٠٠٢ اثنين من مساعديه إلى الصين لدراسة التجربة، ولكن المرشد استمر في تحفظه، وترك الباب مواربًا أمام ذلك القرار، فلا فتح الباب بالكامل ولا أغلقه، ليصرح لاحقًا بأنه لا يفضل أي نموذج بعينه، وأكد الحاجة إلى تصميم نموذج يستلهم ظروف البلاد وحاجتها الخاصة، وينطلق من واقعها الفعلي وإمكانياتها.
وقبل أن نتحدث عن الخطوات العملية لتطبيق النموذج، ومآل التجربة، نذكر بعض التفصيل المختصر عن التجربة الصينية، والتي أوجدت نموذجًا سياسيًا اقتصاديًا فريدًا من نوعه مع المحافظة على الكيان السياسي.
يفصل النموذج الصيني كليًا بين الاقتصاد والسياسة، حيث حافظت النخبة الشيوعية على سلطتها، ولم تتأثر كثيرًا مع التحول إلى اقتصاد السوق، خلافًا لما هو مفترض في نظريات التنمية الغربية التقليدية، فهو يختلف بشكل جذري عن النموذج الكلاسيكي الأمريكي، ومؤسسات التمويل الدولية القائمة على ما يسمى بـالعلاج بالصدمة أو برامج التعديل الهيكلي، والتي أدت تطبيقاتها إلى فوضى اجتماعية وتذمر الطبقات محدودة الدخل، كما حدث في روسيا ومصر.
ويقوم النموذج الصيني على فكرة تحرير الاقتصاد بصورة تدريجية، وضمان توزيع متوازن للمنافع المادية يميل بدرجة أكبر للفقراء، والتركيز على الاكتفاء الذاتي وتوسيع قاعدة الإنتاج، واستخدام الاقتصاد كعامل لتعزيز الاستقرار والاستقلال الوطني، كما يرحب بالمساعدات الأجنبية على مستوى التمويل والتقنية، لكنه يرفض التأثير الثقافي والسياسي، والأهم أنه لا يتنازل عن السلطة العليا لقيادة الحزب والدولة.
وأدركت الصين أن التغير السياسي يأتي بموجات عالية من التوقعات والآمال غير الواقعية لدى الجمهور، لذا بدأت بالاقتصاد قبل أي تغيير في هيكلية السياسة، وكأنها تقول: دعونا نبدأ بتوفير مصادر العيش الكافية لعامة الناس حتى يستعدوا لممارسة حرياتهم المدنية انطلاقًا من أرضية مستقرة، إدراكًا منها أن ما تحتاجه المجتمعات النامية هو استئصال الفقر، وحكومة قادرة على مكافحة الفقر وتأمين الحد الأدنى من الأمن والخدمات العامة، وليس مجرد حكومة ديمقراطية، لذا عملت على إنشاء شبكة أمان لحماية الطبقات الضعيفة من القوى الشرسة للسوق الحرة.
والخطة إجمالًا مبنية على الحكمة الصينية: حين تعبر النهر تحسس الحجارة تحت قدميك قبل الخطوة التالية. لذا قُسمت سرعة التجربة بحسب الموقع الجغرافي، فالمناطق الساحلية التي تتمتع ببنية تحتية مؤهلة للتغير السريع حظيت ببرنامج تنمية مكثف، ووجهت إليها طلائع الاستثمار الأجنبي، وجرى تحويل اقتصادها بشكل شبه كلي إلى نظام السوق الحرة، أما الأرياف والمناطق الداخلية الأقل استعدادًا فقد أُعطيت جرعات أقل، وجرى التركيز بشكل متوازن على إنماء الاقتصاد، ومساعدة الشرائح الفقيرة على التكيف مع النظام الجديد من خلال دعم حكومي مباشر، وبهذه الاستراتيجية يبدأ البرنامج بمستويات صغيرة، وتُختبر التجربة ثم تُعمم النتائج.
ومن الآثار الجانبية الحسنة وغير المتوقعة، أنه رغم الفصل التام بين الاقتصاد والسياسة، انعكس الازدهار الاقتصادي على تعزيز النظام السياسي، وساعد على تعزيز الدور العالمي للصين، وأثبت الصينيون أن تحديث الاقتصاد ممكن من دون تغيير بنيوي في النظام السياسي.
وبالعودة إلى إيران وبعد دراسة عميقة، تم وضع الكثير من عناصر النموذج الصيني ضمن بنود استراتيجية التنمية بعيدة المدى، والتي سميت (الرؤية للعشرين عامًا المقبلة)، وتم إقرارها من مجلس تشخيص مصلحة النظام، وأقرها مرشد الجمهورية عام ٢٠٠٤، وكانت تعمل على انتقال تدريجي نحو اقتصاد السوق، وفتح الأبواب أمام الاستثمار الأجنبي، وتحسين العلاقات مع دول العالم، آخذةً في الاعتبار بعض التحولات البنيوية السياسية التي سوف تترتب على النمو الاقتصادي، وتنوع التعليم ووسائل الاتصال وتطورها، وكذلك دخول أجيال جديدة لم تعش تجربة الثورة الإسلامية ولم تتشرب من قيمها، لذا كانت الوثيقة، على المستوى النظري على الأقل، نسخة إيرانية من النموذج الصيني.
أما على أرض الواقع فقد اصطدمت تلك البنود بسياسات الحكومات، وواجه المستثمرون المحليون والأجانب عقبات قانونية وسياسية، كما ارتاب المحافظون الممسكون بمفاصل السلطة في إيران من تلك التجربة، ومن الاستثمار الخارجي بوصفه بوابة للدخول إلى إيران والتأثير فيها.
لقد اقتنع الإيرانيون بالتجربة الصينية نظريًا، لكنهم فشلوا في التطبيق، ففتح الأبواب للمستثمرين، وتحرير السوق، وإعطاء القطاع الخاص دورًا متقدمًا في الاقتصاد، ووضع قواعد مرنة لتنظيم السوق، وتعزيز الشفافية وحاكمية القانون، كل ذلك كانت له متطلبات سياسية وغير سياسية قد لا تكون مرغوبة لدى بعض مراكز القوة، لكنها كانت تحتاج إلى تعامل إيجابي وعقلاني، لأن مجرد رفضها أو التعامل معها بانفعال قد يؤثر في المسار التنموي نفسه.
فعمليات التحول الكبرى تحتاج إلى إرادة تغيير، واستعداد لتحمل تحديات التغير ومتطلباته، ومن دون تلك الإرادة والاستعداد فإن أفضل نموذج تنموي لن يحدث تغييرًا ذا معنى، لذا يمكن القول إن الإيرانيين كتبوا التجربة الصينية، وتعاهدوا على تطبيقها، ولكن الدولة العميقة المشربة بالتوجس والخوف أجهضت تلك التجربة، ودفنتها في محيط عميق، لتفقد إيران فرصة قد لا تعوض بسبب التداخل بين السياسة والاقتصاد، ويفشل الإيرانيون فيما نجح فيه الصينيون.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق