ما بين غزة وتعز حضر المتجاهل.. حين تتغير الجريمة بتغير الجلاد،،،
في إعلامنا الحديث ابتُلينا بصدارة المتجاهل، وهو شخص يعرف الحقيقة بجلاء، ولكنه يحاول إبعادها عن المشاهد، وتقديم فرضية أخرى لا تنتمي إلى الحقيقة، مستغلًا قدراته اللفظية والتعبيرية في السيطرة على أذهان المتابعين، والمتجاهل لا يستغل جهل المتلقي وحده، وإنما يستثمر العاطفة والانتماء السياسي والمذهبي للالتفاف على الحقيقة، فهو لا يحتاج إلى إقناع المشاهد بالكذب، بقدر حاجته إلى منعه من رؤية الحقيقة كاملة.
سوف نعود إلى المتجاهل، ولكن أريد قبل ذلك أن أضع مقارنة صغيرة بين غزة وتعز، ولن تكون في الجغرافيا أو التاريخ، وإنما في الحالة؛ فكلتا المدينتين تعرضتا لحصار وحشي حرم المدنيين من مقومات الحياة، وعانى سكانهما من ويلات الحرب، ولم تسلم المنظومة المدنية من آثار الصراع العسكري، ورغم اختلاف السياق التاريخي والسياسي والقانوني بين الحالتين، فإن معاناة المدنيين لا تتغير قيمتها بتغير الجغرافيا أو هوية المتسبب فيها، لذا حين تبكي حصار غزة، ثم تبحث عن المبررات لحصار تعز، فأنت لا تدافع عن مبدأ، وإنما تنتقي ضحاياك وفق هوية الجلاد، أو بتعبير آخر، فإن الجريمة لم تتغير، وإنما جاء الجلاد هذه المرة على هوى النفس.
الفكرة التي ساهمت في تحويل سوريا إلى ركام، والعراق إلى شبه دولة، والتي عرفتها المنطقة في صفحات دامية من تاريخها، وكذلك من التفجيرات التي استهدفت المقاهي في الثمانينيات في الكويت إلى محاولات اغتيال شخصيات خليجية واختطاف الطائرات، وتخزين المتفجرات بين المدنيين في لبنان، تقوم في جوهرها على توظيف العنف لتحقيق غايات سياسية دون الاكتراث بالدماء، وإن اختلفت التنظيمات والمسؤوليات التاريخية عن تلك الأحداث، وهي الفكرة التي نجد بعض ملامحها اليوم حاضرة في حصار تعز، ولا تختلف في منطق ترويع المدنيين عن الأساليب التي استخدمتها التنظيمات الصهيونية المسلحة لتهجير الفلسطينيين من مدنهم وقراهم، وما شهدته غزة أخيرًا من تدمير وتهجير، قد تختلف الرايات والشعارات، ولكن معاناة الضحية لا تختلف، ولا تصبح الجريمة أقل بشاعة حين يرتكبها من نتفق معه.
نعود إلى المتجاهل، ذلك الذي يملك عينين، ولكنه اختار أن يرى بإحداهما فقط، يتحدث عن أطفال غزة، ويسهب في وصف آلامهم، ثم حين ينتقل المشهد إلى أطفال تعز، تتغير مفرداته، ويختفي قاموس الإنسانية، وتبدأ رحلة البحث عن المبررات، ليس لأن الجريمة تغيرت، وإنما لأن مرتكبها تغير، وهنا تكمن المعضلة؛ حين لا يكون الموقف من الجريمة قائمًا على بشاعتها، وإنما على هوية من ارتكبها.
ولعل أخطر ما يفعله المتجاهل أنه لا ينكر الوقائع بالضرورة، وإنما يعيد ترتيبها، فيضخم ما يخدم روايته، ويخفي ما يناقضها، ويمنح المشاهد جزءًا من الحقيقة ليقوده إلى نتيجة بعيدة عنها، وهنا تتحول البلاغة من وسيلة لإيضاح الحقيقة إلى ستار يحجبها، ويتحول الإعلامي من ناقل للمعرفة إلى صانع لقناعات تقوم على ما اختار إظهاره وما تعمد إخفاءه.
ليس مطلوبًا من الإنسان أن يحب الجميع، ولا أن تتطابق مواقفه السياسية مع الآخرين، ولكن المطلوب ألا تتغير قيمة الدم في ضميره بتغير هوية من سفكه، وألا يصبح الطفل ضحية تستحق البكاء في مدينة، ورقمًا لا يستحق الالتفات في مدينة أخرى، فالإنسانية ليست موقفًا سياسيًا نختاره حين يوافق مصالحنا، ثم نتخلى عنه حين تتعارض قيمها مع انتماءاتنا.
شاهدنا المتجاهل بوضوح حين بكى نصرالله، ولمّح إلى أن استبداد الأسد يمكن تبريره تحت عباءة المقاومة، ثم بعد التحرير حاول ركوب الموجة، فبكى ضحايا صيدنايا وسوريا بالمنديل نفسه الذي لم تجف دموعه حين بكى نصرالله، أحيانًا يجد المتجاهل نفسه مضطرًا إلى مجاراة موجة الحق حفاظًا على رصيده أمام الجمهور، فلا يستطيع تجاهل الحقيقة حين تصبح أكثر وضوحًا من أن تُحجب، ولكنه يستعيد براعته حين تتاح له فرصة تلميع السجّان على حساب الضحية، وتقديم الجلاد في ثوب صاحب القضية.
سوف يأتي زمن يقرأ فيه أبناؤنا تاريخ هذه المرحلة، فيتعجبون كيف استطاع بعضهم أن يبكي أطفال غزة، ثم يجد ألف مبرر لمن حاصر أطفال تعز، وكيف أصبحت الإنسانية ثوبًا يلبسه البعض أمام الكاميرات، ثم يخلعه حين تتعارض قيمها مع مصالحه وانتماءاته.
التاريخ لا يحتفظ طويلًا ببلاغة المتحدثين، ولكنه يحتفظ بمواقفهم، وحين تنقشع غيوم الدعاية، لن يكون السؤال ماذا قالوا، وإنما ماذا كانوا يعرفون، ولماذا اختاروا تجاهله.
فالمشكلة ليست فيمن لا يعرف الحقيقة، وإنما فيمن يعرفها، ثم يستخدم علمه وبلاغته لإخفائها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق