الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

خواطر خليجي،،،،

  تتعرض دول الخليج اليوم لواحد من أكبر التحديات منذ نشأة دولها الحديثة؛ تحدٍّ سياسي واقتصادي في المقام الأول، لكنه لا يلبث أن يمتد ليصبح اجتماعيًا، ويمس بصورة مباشرة مستقبل الدولة والمجتمع معًا، ولهذا أعتقد أننا في هذه المرحلة تحديدًا، أحوج ما نكون إلى فكر استراتيجي خليجي جمعي، ينطلق من مصالح عليا واضحة لا يجوز أن تضيع وسط تقلبات الأحداث، فالمصير الواحد ليس شعارًا نردده في المناسبات، بل حقيقة تفرضها الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد، ويجب أن يستوعبها الجميع.

 

في سنواتي الدراسية الأولى، ونحن أطفال، كان المدرسون، الذين كان يغلب على كثير منهم الفكر القومي، يحدثوننا بحماسة عن المقاطعة النفطية العربية عام 1973، وكنا نطرب لسماع أحداث تلك المرحلة، وننظر إليها بوصفها لحظة قوة عربية استثنائية.

 

ولكن بعد مرور السنين، والاطلاع على قدر أكبر من المعلومات والوثائق، يصبح من المشروع إعادة قراءة ذلك القرار بعيدًا عن عاطفة اللحظة، ولا أشكك هنا في صدق نيات متخذي القرار أو إخلاصهم لقضاياهم، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل كان القرار جزءًا من استراتيجية متكاملة تحسب الفعل ورد الفعل وما بعد رد الفعل؟

 

كانت دول الخليج آنذاك في بدايات تشكلها الحديث؛ بعضها لم يمض على استقلاله سوى سنوات قليلة، بإمكانات عسكرية محدودة، وأعداد سكانية بسيطة، ومؤسسات دولة لا تزال في طور البناء، وفي المقابل كانت تقف أمام دول كبرى خرجت من حرب عالمية قُتل فيها عشرات الملايين، وتمتلك جيوشًا وأجهزة استخبارات ومراكز تخطيط استراتيجي تراكمت خبراتها عبر عقود طويلة، وهنا تظهر خطورة الفارق بين امتلاك ورقة القوة وامتلاك القدرة على حماية نتائج استخدامها.

 

ولننتقل من حقول النفط في الخليج إلى البيت الأبيض، حيث اجتمع الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون مع هنري كيسنجر، وشاه إيران، ووزير الخارجية الإيراني أردشير زاهدي، وجرى الحديث عن مشروع للسيطرة على حقول النفط في الخليج، تتولى فيه إيران الجانب البري من العملية، غير أن ذلك المشروع وُئد بعد تسربه ونشر تفاصيل عنه في مجلة عسكرية، وانتهت المرحلة لاحقًا إلى تعهد دول الخليج بعدم استخدام النفط كسلاح سياسي.

 

وبغض النظر عن تفاصيل ذلك المشروع والذي ورد في كتاب ملوك النفط ل أندرو سكوت كوبر، فإن مجرد التفكير فيه يكشف حقيقة مهمة: حين تستخدم الدول الصغيرة أوراقها الاستراتيجية في مواجهة القوى الكبرى، فإن عليها أن تحسب ليس فقط قيمة الورقة التي تمتلكها، وإنما قدرة الطرف الآخر على الرد عليها.


ويقال إن كل تجربة مريرة دُفع ثمنها تتحول، إذا أُحسن فهمها إلى خبرة، وقد أدرك قادة المنطقة تدريجيًا أن الحماس وحده لا يدير الدول، وأن السياسة تختلف كثيرًا عن الطبائع الإنسانية؛ فما يُعد وفاءً وشهامة في العلاقات الشخصية قد لا يكون كذلك في العلاقات الدولية، والأهم أن ملعب الكبار ملعب شديد الخطورة، والدخول إليه بلا أدوات كافية قد تكون كلفته باهظة.

 

ولعل تجربة ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية تقدم مثالًا آخر على خطورة إدارة الملفات الكبرى بالعاطفة وحدها، دفعت دول الخليج، باسم سمو القضية الفلسطينية وعدالتها، مساعدات هائلة، لكن جانبًا من تلك الأموال والجهود ذهب إلى مسارات ما زلنا، كجيل جديد، نواجه بعض نتائجها حتى اليوم، ولم تكن المشكلة في عدالة القضية، فهي قضية شعب وحقوق وأرض، وإنما في اختزال المؤسسة أحيانًا في ذهنية الشخص، وربط الدعم بالأفراد أكثر من ربطه بالمؤسسات القادرة على البقاء والمحاسبة.

 

فمنظمة التحرير ساهمت في تدريب كوادر إيرانية أصبحت لاحقًا جزءًا من البيئة التي خرج منها الحرس الثوري الإيراني، وتهيئتهم للمرحلة التي أعقبت وصول الثورة إلى السلطة، كما دخلت المنظمة في مغامرات وتحالفات سياسية تجاوز بعضها حدود القضية الفلسطينية نفسها.

 

ولعل من أكثر المشاهد إثارة للتأمل ما جرى عند خروج ياسر عرفات وقوات منظمة التحرير من بيروت، حين سُلّم جزء من سلاحها إلى ميليشيا لتساهم بخروجها باسم حزب الله، وهنا تكمن المفارقة التاريخية: أموال وأسلحة وإمكانات خليجية قُدمت في الأصل لخدمة قضية عربية، انتهى جزء من آثارها، عبر سلسلة طويلة من التحولات، إلى قوى وتنظيمات دخلت لاحقًا في صراعات مست شرايين الاقتصاد والأمن في دول الخليج نفسها.

 

والمشكلة هنا ليست في تقديم المساعدة، ولا في الوقوف إلى جانب القضايا العادلة، وإنما في غياب السؤال الاستراتيجي: ماذا سيصبح هذا الذي ندعمه بعد عشرين أو ثلاثين عامًا؟ ومن سيملكه؟ ولأي غرض سيُستخدم؟.

 

وتكررت التجربة، بصور مختلفة، مع دول ومنظمات وشخصيات كثيرة؛ لنكتشف بعد سنوات أننا لم ندعم دائمًا مؤسسات، بل دعمنا أفرادًا ارتبطت بهم المؤسسات، ومنظومات أدمنت الفساد وتقاسم المكاسب أكثر مما اهتمت ببناء كيانات قادرة على الحياة، وهنا أصل إلى الفكر القومي الذي كان حاضرًا بقوة في الوعي السياسي العربي لعقود طويلة.

 

المشكلة ليست في الانتماء القومي في ذاته، ولا في الإيمان بوحدة المصير العربي، وإنما في ذلك الجانب من الفكر القومي الذي جعل القضية أكبر من الدولة، والشعار أعلى من المصلحة، والزعيم أهم من المؤسسة، وحين يقترب هذا النوع من التفكير من مفاصل صناعة القرار، تصبح العاطفة أحيانًا أسرع من الحساب، ويصبح الحماس بديلًا عن قراءة النتائج.

 

والمفارقة أن بعض أصحاب هذا الخطاب كانوا يشجعون التجارب التي وصفوها بـ"التقدمية"، وينظرون إلى دول الخليج باعتبارها أنظمة "رجعية"، بينما اختار كثير منهم على المستوى الشخصي العيش في ظل هذه الدول نفسها؛ حيث الحياة الآمنة، والمدارس الجيدة، والمستشفيات، وفرص العمل، والأهم منظومة الدولة والقانون التي تحمي الفرد وحقوقه، وهذا التناقض بين الخطاب والممارسة يستحق التأمل؛ لأن الأفكار لا تُختبر بما يقوله أصحابها عنها فقط، وإنما بالمكان الذي يختارون أن يعيشوا فيه، وبالنظام الذي يأتمنونه على أبنائهم وأموالهم ومستقبلهم.

 

وعودًا على بدء، دول الخليج اليوم ليست بحاجة إلى الانسحاب من السياسة؛ فهذا أمر لا تسمح به الجغرافيا أصلًا، نحن في منطقة تقع في قلب واحد من أهم مفاصل العالم، بين قوى إقليمية كبرى، وعلى ضفاف أهم شرايين الطاقة والتجارة الدولية، ولذلك فإن الابتعاد الكامل عن الملفات السياسية ليس ممكنًا، وربما ليس مطلوبًا، لكن المطلوب هو معرفة حدود القوة، واختيار الملعب الذي نملك فيه عناصر التفوق.

 

دول الخليج، بحكم تركيبتها السكانية والجغرافية، لم تُبنَ لكي تخوض حروب الآخرين أو تحمل مشاريع أيديولوجية عابرة للحدود، وبعض دولها يشكل المواطنون فيها أقلية من مجموع السكان، وهي حقيقة تجعل الاستقرار الداخلي والتنمية والأمن الاقتصادي أولويات استراتيجية لا تحتمل المغامرة.

 

وفي المقابل، تمتلك دول الخليج أدوات قوة استثنائية: الاقتصاد، والطاقة، والاستثمار، والصناديق السيادية، والموقع الجغرافي، والوساطة، والعمل الإنساني، والتنمية، والتعليم، والعلاقات الدولية الواسعة، وهذه ليست أدوات أقل شأنًا من القوة العسكرية؛ بل ربما تكون، إذا أُحسن استخدامها، أكثر بقاءً وأبعد أثرًا.

 

ولهذا لا أرى أن الخيار الاستراتيجي للخليج هو اعتزال السياسة، وإنما الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة المصلحة؛ ومن تمويل الأشخاص إلى بناء المؤسسات؛ ومن الانحياز العاطفي إلى الحساب الاستراتيجي؛ ومن الدخول في ملاعب الآخرين إلى صناعة ملعبنا الذي نتفوق فيه.

 

فالعمل الخيري والتنموي، على سبيل المثال، ليس مجرد مساعدة إنسانية، بل قوة ناعمة تستطيع أن تصنع احترامًا ونفوذًا وتغييرًا اجتماعيًا قد تترتب عليه، مع الزمن، نتائج سياسية أعمق من تلك التي تصنعها المدافع، لقد دفعت منطقتنا أثمانًا كثيرة، وربما آن الأوان أن تتحول تلك الأثمان إلى خبرة متراكمة.

 

فالسياسة لا تُدار بحسن النيات وحده، ولا بعدالة القضية وحدها، ولا بصوت الجماهير مهما ارتفع، وإنما تُدار بسؤال بسيط في صياغته، بالغ الصعوبة في الإجابة عنه:

ماذا سيحدث بعد ذلك؟

ومشكلة الخليج في بعض تجارب الماضي لم تكن في قلة المال، ولا في غياب النية الحسنة، وإنما في أننا لم نسأل دائمًا: ماذا سيصبح هذا الذي ندعمه بعد عشرين أو ثلاثين عامًا؟


أما اليوم، فالمصير الخليجي الواحد يفرض علينا أن يكون الأمن والاستقرار والسيادة والازدهار مصالح عليا ثابتة، وأن تبقى الوسائل والتحالفات والمواقف قابلة للتغيير وفق هذه المصالح، فلا صداقة دائمة في السياسة، ولا عداوة دائمة، ولكن هناك مصلحة خليجية دائمة؛ وكل قضية، وكل حليف، وكل مشروع، ينبغي أن يُقاس بقدر اقترابه من هذه المصلحة أو ابتعاده عنها.


وليس المطلوب أن ندخل ملعب الكبار بقواعدهم وأسلحتهم، بل أن نجعلهم يدخلون ملعبنا الذي نملك فيه عناصر القوة.


فالاستراتيجية في النهاية ليست أن ترى ما أمامك، بل أن ترى ما بعد الأفق.

 

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم،،،


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق