أريد أن أسافر ألف سنة إلى الأمام، زمن جديد بأناس آخرين، أريد أن أشرب فنجان قهوة مع مؤرخ من ذلك الزمن يعد بحثاً عن زمننا، يا ترى، كيف سيتعامل المؤرخ المنصف مع تاريخنا اليوم؟ ذلك التاريخ المزيّف بالعواطف، والبعيد عن الحقيقة، وماذا عن نتائج بحثهم؟ والأهم: ماذا عن الأفراد الذين وُصفوا بصفة البطولة؟
في تقديري البسيط، لن يجد مؤرخ ذلك الزمن صعوبة في تحليل ما حدث، حيث لن يحاربه أحد في تحليلاته، إذ تكون العواطف قد بردت، وخفَّ الحماس، ولن تُوجَّه له اتهامات باطلة، سوف يمتلك هامشًا كبيرًا من الإنصاف، ويخاطب عقولًا تتلقى نتائجه بعيدًا عن عقل أسير تجارب فاشلة قادها شخص خدع الناس بمعسول الكلام.
لعل أول نتيجة غيّرت من شكل الشرق الأوسط لم يكن الاستعمار وحده، الذي تكالب علينا تكالب الأكلة على قصعتها، بل كان التغيير وفقًا للمتغيرات، والاستفادة من منظومة الجهل والاستبداد والمصالح، لقد وجد الغرب غايته من خلال المؤسّسات العسكرية، بدءًا من انقلاب حسني الزعيم في سوريا عام 1949، الذي كان بتدبير من المخابرات المركزية الأمريكية كأول عملية يقوم بها الجهاز بعد إنشائه، وصولًا إلى الانقلاب المحوري في مصر عام 1952، الذي جاء بمجموعة من العسكريين المتواضعين في قدراتهم الإدارية، ثم توالت الانقلابات العسكرية لتصبح المتغير الأهم في الشرق الأوسط، والقاسم المشترك بين القيادات الجديدة التي تبوأت السلطة في العالم العربي أنهم انتموا لطبقات اجتماعية متواضعة، هُمّشت وشعرت بالحرمان طويلًا، وحملت نقمة كبيرة على مجتمعاتها، وامتلكها إحساس عميق بالظلم، ولعل الباحث التاريخي (مايكل بروفانس) في سرده لسيرة يوسف العظمة توقف عند هذه الملاحظة، حيث ذكر أن العظمة كان حالة نادرة بين الضباط، لأنه تحدّر من عائلة دمشقية مرموقة، وليس من خلفية متواضعة، وهو النسق الأكثر شيوعًا بين الضباط.
الأمر الغريب أن الاستعمار الأجنبي القديم، رغم استبداده وتسخيره الموارد لصالحه، كان لديه مشروع إداري، وأتاح هامشًا من حرية الرأي، ووجود عدد من الأحزاب والإعلام، وبرلمان، أما استعمار العسكر فطبق مقولة: لا أريكم إلا ما أرى، وكان أكثر توحشًا في استخدام الاستبداد واستغلال الموارد، لكن لصالح مجموعة ضيقة من المنتفعين، ولضعف قدراتهم لم يكن لديهم مشروع إداري، فاستعاضوا عن ذلك باستخدام شعارات رنانة عن الحرية ومقاومة الاستعمار، ثم قضية إسرائيل، وأخيرًا اتهام جزء من الشعب بالتآمر لتدمير الوطن، المهم أن لا صوت يعلو صوت تلك المعارك، واستخدموا في سبيل ذلك آلة ضخمة من الدعاية والإعلام، ونتوقف في التاريخ القديم عند كيف استطاع سحرة فرعون خداع الناس وجعلهم يظنون أن الحبال أفاعٍ، وهذا خداع منطقي انطلى على الجمهور، لكن سحرة الإعلام كانوا أكثر براعة؛ إذ حوّلوا الهزائم المنكرة إلى انتصارات، وخسائر الأوطان إلى هامش معركة انتصرنا بها ببقاء الزعيم، سيضحك المؤرخ على شعارات الحرية والكرامة والعزة في ظل انتشار السجون والمخبرين، والضباط الذين أتعبتهم أيديهم من كثرة الصفع.
سيوجه المؤرخ نظره إلى الطرف الآخر، حيث المنتصرون في إسرائيل، وكيف تداولوا السلطة، وخسر أبطالهم الانتخابات، وانتقلوا من سدة الحكم إلى المعارضة، وكيف حُوسبوا بشدة من الإعلام والبرلمان، ولن يشفع لهم أنهم ضاعفوا مساحة دولتهم ثلاث مرات، في المقابل، نشاهد تنصيب "فرعون"، والجماهير الغفيرة تطلب بقاءه، رغم أنه خسر حوالي 80% من وطنه، لكنه الزعيم الملهم والخالد، نجح في ثقافة تؤمن بقدرة الفرد وبطولاته.
وماذا عن "الفرد"؟ كيف سيتعامل مؤرخ الغد مع هذه الظاهرة؟ كيف بدأ بشعارات رنانة عن تحرير الأوطان والحرية، وحين غادر المستعمر الأجنبي، ماذا فعل أبناء جلدته؟ سيكتشف أنه ظل يعيش بشعور دائم من التوجس والخوف، حتى من أقرب الناس إليه، كان قتل الثقة بين الناس من أهم إنجازات المستبدين، حتى الجدران الجماد دخلت في ظنه أن لها أذنًا تسترق السمع، وصل إلى مرحلة لا يطلب فيها سوى الرغيف ليشبع نفسه وأبناءه، غير مكترث بحرق الأوطان، فقد أشغلوه بنفسه عن كل ما حوله، والمضحك المبكي في زمننا هذا أن الحشود، وأكثرهم مخدوعون، خرجوا يطالبون بإلغاء أول تجربة انتخابية للعودة إلى حضن العسكر من جديد، سنوات طويلة من الجهد الاستبدادي أوصلت الناس إلى هذا الإحساس السجون الامنه خير من الفضاء الرحب المجهول، حتى بات من ينادي بالأمر الطبيعي يُتهم بالجنون، هناك حقيقة عبء كبير على العاقل أن يتجرد من العقل جميع الذين من حوله.
مؤرخ الغد بالتأكيد لن يجد صعوبة في تحليل شخصية القذافي والأسد، ومناداتهم بالعروبة وسيلة لغايات بشعة، ففي الحرب الإيرانية – العراقية أرسل القذافي صواريخه لإيران لتقصف عاصمة العروبة، وسمح الأسد لمطاراته في شرق سوريا أن تُستخدم لطائرات إيران كي تضرب أرض السواد العربية وقطع النفط العراقي ليجوع العربي في العراق، والغريب أنهم استمروا في مناداة العروبة، وظل هناك من يصدقهم، وعسكر العراق، وعسكر مصر، وغيرهم، استلموا أوطانًا أوصلوها في الألفية الثالثة إلى مرحلة انهيار شامل، وكأننا نسمع معلم اللغة العربية يقول: "نقطة… اقلب الصفحة وابدأ من جديد"، وكما يقول أحد أصحاب الطرافة: لنصبح مثل اليابان يجب أن تُلقى علينا قنابل ذرية لنبدأ من جديد، عموما، زيادة حس الدعابة لدى الناس ربما كان الإنجاز الوحيد الذي يُحسب لهم.
أعتقد أن البحث الذي سيقوم به مؤرخ المستقبل وأنا جالس معه، لن يجد صعوبة في الإجابة عن سؤالي: أي الاستعمارين أشد؟
بالتأكيد، الاستعمار العسكري أشد ضراوة وتأثيرًا من الاستعمار القديم، إذ غيّر جذريًا من تشكيل العالم العربي وأغرقه بالديون واعاد له الاحتلالات، ذلك الرجل، الذي لم يولد بعد، سيراعي قلة خبرتي، ولن يكترث بأنني وُلدت قبله بمئات السنوات، وهو يحك رأسه وقد اشتعل شيبًا، سيقول لي بحكمته وصوته الجهوري:
نعم، إن كان الاستعمار القديم قد عبث بالجغرافيا، فإن الاستعمار الجديد قد عبث بالإنسان، وهو الأمر الأخطر، لقد حوّله من كائن حي إلى حي ميت يتنفس فقط، ربما التنفس هو الحق الوحيد الذي لم يُنتزع منه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق