من يقرأ وثائق حرب 1967، التي أدّت إلى هزيمة مذلّة لعدد من الجيوش العربية أمام الجيش الإسرائيلي، يكتشف حقيقة مهمّة: الفارق بين الولاء لمنظومة الدولة والولاء للفرد.
في المجلس المصغّر الإسرائيلي، الذي قاد تلك الحرب، كان هناك تنافر على المستوى الشخصي ومشاعر سلبية بين بعض أعضائه، ومع ذلك لم يمنعهم ذلك من الإقرار بقانون الكفاءة، وتقديم الأكفأ بينهم لعرض الأفكار وقيادة المعركة، فالقضية ليست منصبًا يُجمِّل مسيرة شخص، بل مصير دولة كاملة بشعبٍ يهودي، وفي معركة مصيرية ومنعطف تاريخي حاسم.
أمّا على الطرف الآخر، فكان هناك فرد واحد (عبدالناصر) تُقدَّم أولويته على كل شيء: بقاءه على رأس السلطة، ولهذا رقّى صديقه المقرّب عبدالحكيم عامر ليتجاوز الرتب العسكرية قفزًا، فيصبح أصغر لواء وهو في العقد الثالث، ثم يُرفّع إلى مشير، كان وجوده في أهم منصب عسكري ضمانًا لحماية رأس السلطة، لا لحماية الوطن.
لهذا لم يجد الكهل (موشي ديان)، العسكري الإسرائيلي المحترف، صعوبةً في الانتصار على شخص عديم الخبرة، ليُوسّع خريطة إسرائيل إلى ثلاثة أضعاف حجمها، فاحتلّت قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء من مصر، والضفة الغربية والقدس من الأردن، والجولان من سوريا، ومن الطرائف — وربما المآسي — أن عبدالحكيم عامر، إلى جانب مناصبه اللامعة، كان يشغل أيضًا منصب رئيس الاتحاد المصري لكرة القدم!
عام 2017، حين بدأ كوشنر مفاوضاته، لاحظ ملاحظة مهمّة: الفريق الإسرائيلي متجدّد، متنوّع، ومتخصص في الملفات التي يعمل عليها، في المقابل، كانت السلطة الفلسطينية تقدّم الشخص ذاته: صائب عريقات، الذي مثّل السلطة في عملية التفاوض لمدة 25 سنة، إذ تسلّم ملف المفاوضات منذ أن كان كوشنر طفلًا في الحادية عشرة من عمره، الفريق الإسرائيلي تحدده طبيعة المهمة وضرورات التخصص، أما الفريق الفلسطيني فكانت تحكمه قوانين القرب والبعد من القيادة؛ "الختيار" أبو عمار، ثم "الختيار" أبو مازن.
التاريخ يبرهن على حجم ما يمكن إنجازه حين تُدار الأمور بعقلية الفريق، وعلى المكاسب التي تعود على الجميع عندما يُقدَّم الأفضل، وفي المقابل، كشف لنا الولاء للفرد أثره الكارثي في الحروب العربية، وفي خسارة مزيد من الأراضي، والأهم: في طاولة المفاوضات أمام فرق متطورة ومتنوعة، بينما تستمر السقوف بالانخفاض مع بقاء الأشخاص أنفسهم ومنع دخول دماء جديدة إلى التشكيلة.
كان المصريون مطالبين بالتصفيق للزعيم، شعاراته جميلة وبراقة، وأناقته الطاغية غطّت على جوهر العمل: غياب الحريات، حكم الفرد، خسائر المعارك، وضياع جزء من الوطن، وكذلك الفلسطينيون، من إخفاق إلى آخر، ومواقف سياسية لا يقع فيها طفل صغير، كدعم احتلال العراق للكويت؛ لا المبادئ الأخلاقية والدينية، ولا قوانين المصالح، تبرّر موقفًا كهذا.
الوطن العربي يمتلك طاقات عظيمة، وكوادر قادرة على النهوض بالأوطان المدمّرة. لكن الشرط الأساس ألا تُحكم هذه الطاقات بقوانين الولاء، بل بقوانين الكفاءة، وأن تكون القيادة متجددة، لا أشخاص يبدأون مسيرتهم السياسية بشعر أسود كثيف، وينتهون في المنصب نفسه وقد اشتعل الرأس شيبًا، تجاوزهم الزمن وبقوا في مقاعدهم ثبات الجبال — إلى أن يحضر ملك الموت ليطوي قصتهم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق