الأربعاء، 25 يونيو 2025

الخليج

 منذ ثلاثينيات القرن الماضي، بدأ تدفّق النفط في منطقة الخليج، معلنًا تحولًا تاريخيًا غير مسبوق في طبيعة الحياة وبنية المجتمع، ظهر البترول في مناطق لم تكن تحظى لا بتعليم ولا بحضارة مدنية، في بيئة قاحلة وصحارى مترامية، وبين أناس بسطاء لم يعرفوا رفاهية العيش أو تعقيدات العمران، لكن ما حدث لاحقًا كان أشبه بالمعجزة.


‏تحوّلت تلك الصحارى إلى مدن تضاهي أشهر مدن العالم، وباتت مقصدًا وحلمًا لمن يسكن على ضفاف الأنهار والسهول الخصبة، نشأت الجامعات، وتقدّمت في التصنيفات العالمية، وأصبح من الطبيعي أن ترى أستاذًا جامعيًا أو باحثًا متميزًا تلقّى تعليمه في أرقى جامعات الغرب، وهو ابن رجل وامرأة بالكاد يعرفان القراءة.


‏هذا التحول لم يلغِ القيم، بل ثبتها، ففي خضم الطفرة الاقتصادية والاجتماعية، ظل أهل الخليج على عهدهم في التعاضد مع إخوانهم في المناطق المنكوبة من العالم الإسلامي، في كل بقعة يوجد فيها مسلم، وكان ذلك وفاءً لا مَنًّا، وشكرًا لا تفضّلًا، لله الذي أنعم عليهم بفضله وهم بلا حول ولا قوة.


‏ورغم هذه الصورة، لا تغيب أصوات نشاز، تخرج من بين الظلال، لتشكّك في كل ما تحقق، وتغرس في العقول أوهام الاستحقاق والعداء، أصوات لا تكتفي بالتقليل من نعمة الله، بل تتمنى زوالها، وتفرح بكل ما يصيب الخليج من ضرر، وتلبس أمانيها أثواب التحليل، وتدسها في مقالات باردة لا تخفى نواياها.


‏المفارقة أن بعض هذه الأصوات استفاد من التنمية الخليجية، ويعيش في أماكن مرموقة بفضل هذا الواقع، لكنه يسخّر قلمه لمدح أنظمة استخدمت الأسلحة الكيميائية والبراميل المتفجرة ضد المدنيين الأبرياء، يتغنّى بأنظمة قمعية زائفة، ولو خُيّر بين العيش بينها أو في الخليج لرفضها من فوره.


‏أكثر من ذلك، فإن هذه الأصوات تنتقد ثروة الخليج دون أن تطرح سؤالاً مبدئيًا: لماذا لم تُطرح نفس الدعوات مثلاً لثروة عراق صدام أو ليبيا القذافي؟ كلاهما كان يملك احتياطيًا نفطيًا يعادل أو يزيد عن بعض دول الخليج، ومع ذلك ذهبت الأموال هناك لبناء السجون وتمويل الحروب، لا للإنسان، لم نسمع آنذاك من يقول "بترول العراق للعرب" أو "بترول ليبيا للعرب"، وحده الخليج مطالب بأن يُسخّر خيره لهم دون حق أو معيار.


‏لكن، تبقى العقلية الخليجية أكبر من هذه الصغائر، فالغالبية تتعامل معها بصمت الحكمة، مدركة أن صوت الامتنان الحقيقي أقوى، وأن من يقدّر دور الخليج هم كثر، وهم الصوت الذي يُبنى عليه.


‏أتذكّر هنا موقفًا تاريخيًا للراحل عبدالعزيز الصقر، رئيس مجلس الأمة الكويتي، رحمه الله، حين قال في مؤتمر جدة قبل تحرير الكويت بثبات: " لا نحمّل الشعوب جريرة الحكام.

‏ كان ذلك في لحظة خذلت فيها بعض الحكومات الكويت و الخليج رغم أيادٍ سابقة ممدودة، ولكن الموقف تجلّى في أرقى صور النُبل الخليجي والانتماء الإنساني.


‏الخليجي الإنسان، تراه حاضرًا في قرى نائية بالهند، أو في أرياف الفلبين، أو فوق جبال أفغانستان، أو في بيت بسيط عُمّر برزقٍ ساقه الله ثم ببركة النفط الخليجي، تراه في دمعة صادقة سقطت من أعين لم تنام ليلها فرحه بانتهاء معاناة السوريين بعد عقود من التسلط.


‏ختامًا، الحمد لله على نعمةٍ ما كنا لنبلغها بحولنا ولا قوتنا، وإنما بكرمه وفضله، ونسأله أن يبقى الخليج منبع خيرٍ، لا يعرف الحدود، وموطن ألفة لا تعرف الفرقة، وأن يديم علينا نعمة الدين والأمان ونقاء القلوب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق