الاثنين، 23 يونيو 2025

صباح نهاية الحرب الأمريكية الاسرائيلية الإيرانية، ٢٤ يونيو ٢٠٢٥

 بهذه النهاية المتوقعة للحرب كتبت وجهة نظر بسيطة عن أحداثها، حرب عبثية بدأت في طهران وانتهت في عاصمتي التي احبها الدوحة، كل ما حدث سوف يدون في التاريخ، رحم الله دكتوري عادل غنيم أتذكر في أول محاضرة له معنا، قال بصوته الهاديء الجميل: اعظم معلم في الوجود التاريخ، مدونتي:


‏الجيوش وحدها ليست كافية لبناء الدول، بل يجب أن تعاضدها إدارة رشيدة، لأنها هي التي تصنع الفارق بين الصعود والانهيار، الطموح العسكري أمرٌ مشروع، لكن حين لا يُبنى على مشروع إداري حقيقي يتحوّل إلى عبء يمكن أن ينهار في أي لحظة، ولعل أقرب نموذج لهذه الحالة إيران وكوريا الشمالية؛ دولتان تمتلكان من الموارد البشرية والثروات ما يكفي لتكونا ضمن القوى الاقتصادية المؤثرة عالميًا، بإمكانات تفوق اليابان وكوريا الجنوبيه، لكن الفرق الجوهري يكمن في مدنية الدولة، وفي استثمار تلك الموارد لبناء الإنسان لا تسليحه فقط.

‏ 

‏في الأنظمة الشمولية، حيث تحتكر قلة من الحاكمين السلطة بلا رؤية تنموية، تنشأ فجوة سحيقة بين الواقع والطموح، الأنظمة التي لا تملك مشروعًا إداريًا بوزن مشروعها السياسي تضطر إلى ملء الفراغ بمشروع عداء خارجي، وتوهم شعوبها أن ما تواجهه هو "خطر وجودي"، وأن السلطة هي حصن الوطن الوحيد، وتقترن هذه الدعاية بجهاز أمني داخلي مفرط في القوة، تُخلق حالة خوف اجتماعي تصل إلى اعتقاد الناس أن أجهزة الدولة تسمع حتى خلجات النفس.

‏ 

‏ورغم ما في هذه المعادلة من صلابة ظاهرية، إلا أن هشاشتها تظهر عند أول اختبار، الضربة الإسرائيلية الأخيرة في قلب طهران لم تكن عاصفة، بل نسمة خفيفة، ولعل اقرب مثال على ذلك الصورة الشهيرة حين اخترقت قنبلة حائط الطابق الثالث في عمارة من ثمانية طوابق، لتنهي حياة عالم ذرة أو مسؤول رفيع في غرفة نومه، هذه الحادثة ببساطتها كشفت هشاشة النظام، وأظهرت مجددًا الفارق الكبير بين ما يدّعيه النظام وما يمتلكه فعليًا، وبينت بوضوح المسافة بين الإنسان والدولة في إيران، وبين الطموح والواقع، فجوة أصبحت مكشوفة حتى للداخل الإيراني نفسه.

‏ 

‏النظام يدرك أنه مهزوم، لا بسبب إسرائيل ولا أميركا، بل لأن جذور الهشاشة في داخله، فكم من أسوار عظيمة في التاريخ سقطت ليس بالجيوش الكبيرة، وأشهر مثال سور الصين العظيم أعجز الجيوش الجراره ولكن مبلغ زهيد لحارسه أنهى الصين نظاماً وشعباً، إيران لا تنقصها الموارد، بل تنقصها الثقة في إنسانها، والرغبة في بناء دولة حقيقية متوازنه، ومهما حاولت بعد هذه الهزائم أن تروّج لانتصار وهمي، فإن الرياح ليست في صالح سفن النظام.

‏ 

‏لقد خسرت إيران كثيرًا: من كوادر الحرس الثوري، ومن استقرار المشروع النووي، ومن هيبة الدولة داخليًا، وقد يأتي التغيير من الداخل، حين يفوق وعي الناس وجرأتهم حجم الخطاب الموجّه إليهم، سيفيق الإيرانيون على أسئلة مؤرقة لن تجد لها القيادة إجابة مقنعة:


‏·       ما هو كشف حساب خمسين سنة من السياسات والمغامرات؟

‏·       لماذا فشل مشروعنا الإقليمي رغم كل ما استُثمر فيه؟، ولماذا خذلتنا أذرعنا؟

‏·       كم كانت فاتورة مشروعنا النووي، وما مصيره؟

‏·       والأهم: ما خطّتكم لإعادة الإنسان إلى الحياة من جديد؟

‏ 

‏وأغرب مشهد في هذه الحرب أن الرئيس الإيراني كان غائبًا تمامًا، لم يظهر، ولم يُذكر، وكأنّه لم يكن جزءًا من الدولة التي تُستهدف، حتى في نظر الأعداء، لم يكن ضمن الأهداف، إنها مفارقة تُجسّد مدى أداراك الجميع حتى الاعداء  الفرق بين الحقيقة ونقيضه.

‏ 

‏ومع كل ذلك، يبقى الشعب الإيراني شعبًا طيّبًا، عظيم الإمكانيات، جميل الجغرافيا، يستحق الأفضل، ولو وُجدت إدارة حكيمة، تخرج من الماضي وتختار منه المفيد، وتبني على أنقاضه الصالحه المستقبل، بذلك تتحول إيران إلى كيان رائد في المنطقة، لا مجرد هيكل ضخم خاوٍ من الداخل.

‏ 

‏نسأل الله السلامة للجميع، وسلامتكم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق