"نتنياهو"، هو الامتداد الطبيعي لليهودي فلاديمير جابوتنسكي، هو يعترف بتأثره به، ويصفه بأنه ملهمه ومرشده، وحسب زعمه يقرأ كتبه باستمرار، نحن شاهدنا التلميذ في عناده ودمويّته، لكن من هو الأستاذ الذي شكّل له هذا الفكر؟ أو كما يُسمى: ملهم حزب الليكود المتطرف؟
"فلاديمير جابوتنسكي"، المولود في أوكرانيا، اعتنق قضية الشعب اليهودي وضرورة إقامة وطن قومي لهم، درس القانون وعمل في الصحافة، وفي مطلع شبابه ذهب إلى إيطاليا حيث عمل مراسلًا صحفيًا، وهناك تأثر بشدة بالقائد الفاشي موسوليني، أُعجب بأسلوب الدموية في سبيل تحقيق الأهداف، واستمر هذا التأثير معه حتى مراحل متأخرة من حياته، حتى أن أتباعه أطلقوا عليه لقب "الدوتشي"، وهو لقب زعيم الفاشية موسوليني.
في بدايات نشاطه السياسي، التقى بالزعيم التاريخي اليهودي "تيودور هرتزل"، حدث بينهما إعجاب متبادل؛ هرتزل برمزيّته وتاريخه، وجابوتنسكي بشبابه وحماسه، اتفقا على أن أولوية المشروع الصهيوني هي إنشاء دولة يهودية، لكنهما اختلفا في الأسلوب؛ هرتزل كان يريد إنشاء الدولة عبر الشراء أو التفاهم مع القوى العظمى، بينما جابوتنسكي كان يرى أن على اليهود القتال من أجل هذا الحلم.
خلال الحرب العالمية الأولى، انتقل جابوتنسكي إلى الشرق الأوسط، وشارك في تشكيل فرقة يهودية من المهاجرين إلى فلسطين، حاربت لفترة قصيرة بجانب بريطانيا، ثم انسحب منها ليكرّس جهوده داخل فلسطين، هذه التجربة أكسبته خبرة عسكرية، فأنشأ مع آخرين منظمة الهاغاناه، وهي نواة الجيش الإسرائيلي لاحقًا، وكانت ميليشيا إرهابية لعبت دورًا محوريًا في تهجير الفلسطينيين من قراهم بعد عام 1948.
هذا النهج كان انعكاسًا مباشرًا لأفكاره، التي كتبها بوضوح في كتبه ومقالاته، حيث قال إن على اليهود إنشاء قوة دفاعية تُقدَّم على أي جهد مدني، وإنه يجب تعليم الجيل الجديد حمل السلاح، وتجاوز الاعتبارات الأخلاقية عند التعامل مع قضية إقامة الدولة.
وصرّح بصراحة: نحن نسعى لاستيطان بلاد ضد إرادة سكانها المحليين، وبالقوة… والطرق اللاأخلاقية في هذه الحالة أمر مبرر ومشروع.
بعد اندلاع الاضطرابات في فلسطين في أوائل عشرينيات القرن الماضي، اعتقلته بريطانيا وحكمت عليه بالسجن 15 عامًا، ثم أُفرج عنه بعفو عام.
وتقديرًا لجهوده واعماله، أصبح عضوًا في السلطة التنفيذية الصهيونية في فلسطين، وهي من أهم الجهات المسؤولة عن تنفيذ سياسات العمل الصهيوني لإقامة الدولة.
ضمن النقاشات التي دارت داخل الحركة الصهيونية، كان الخلاف يدور حول كيفية التعامل مع السكان العرب، بحكم أن انهم الأغلبية، بعض القادة، كـحاييم وايزمان، طرحوا فكرة التدرج وكسب بعض الفئات من العرب عبر العمل المشترك، خاصة الفلاحين.
لكن جابوتنسكي رفض ذلك تمامًا، وقال إن الصراع ليس سوء تفاهم، بل صراع وجود لا يقبل القسمة.
وكتب مقالًا شهيرًا بعنوان:
"أخلاقيات الجدار الحديدي"، قال فيه:
نحن سنقيم قوة عسكرية تضع جداراً حديدياً منيعاً لا يستطيع الفلسطينيون اختراقه.
وأصبحت هذه العبارة أشهر نظرية سياسية تُطبّق حتى اليوم فيما يُعرف بسياسة "الجدار الحديدي".
عام 1922، قررت بريطانيا سلخ شرق الأردن عن فلسطين وإنشاء إمارة منفصلة، وهو ما اعتبره الصهاينة تحديًا صارخًا لهم، ورفضوه بشدة، معتبرين أن الأردن وصحراء سوريا جزء من الوطن القومي اليهودي المشمول بوعد بلفور، احتجاجًا على ذلك، استقال جابوتنسكي من السلطة التنفيذية عام 1923، ثم أسس عام 1925 حزبًا جديدًا هو "الحزب التجديدي".
ولهذا السبب، جاء إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948 دون تحديد أي حدود جغرافية، وحتى اليوم لا تملك إسرائيل حدودًا نهائية منصوصًا عليها في القانون الدولي أو في دستورها، ما يجعلها دولة قابلة للتوسّع.
وقد كتب نتنياهو في مذكراته المنشورة عام 1993: تم اقتطاع حوالي 80٪ من أراضي الوطن القومي اليهودي في شرق الأردن عام 1922، وأرغم اليهود على قبول هذا الاقتطاع.
وأوضح أن المناطق التي يعتبرها حقًا تاريخيًا لإسرائيل تم التنازل عنها، مثل: مياه نهر الليطاني في لبنان، الأردن، سيناء، غزة، وأريحا.
وعقب على هذه المعلومة في مذكراته أن الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل قدّمت "تنازلات كبيرة" من أجل التعايش والسلام لم يقدرها العرب، بحسب زعمه.
ومن الأفكار التي كتبها جابوتنسكي، والتي نسمع صداها اليوم بوضوح في خطاب نتنياهو وآخرين، قوله:
اليهود وعددهم 15 مليوناً مشتّتون في أنحاء العالم، ويبحثون عن وطن، ولن يشردوا شعباً عربياً، فالوطن العربي يضم 38 مليون نسمة موزعين على رقعة جغرافية بحجم نصف أوروبا، أي أن لديهم أرضاً تفوق حاجتهم.
ويتابع:
إذا قاومت تلك الأمة التي تمتلك الأرض – وهو أمر طبيعي – فيجب أن يُفرض عليها ذلك بالإكراه… فالعدالة التي تُطبّق بالقوة تظل عدالة.
كما كتب أن: العرب شعب يمكن تغيير وطنه بسهولة، وأن عربيًّا في رام الله أو بيت لحم يمكنه أن يعيش بسهولة في تكريت أو الرياض.
وهذه الفكرة تكررت على لسان إسحاق شامير – رئيس الوزراء الأسبق – الذي قال في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991:
نحن نعد أربعة ملايين، وتعد الدول العربية من المحيط إلى الخليج 170 مليوناً، نحن نسيطر على 28 ألف كيلو متر مربع، بينما يملك العرب 14 مليون كيلو متر مربع.
ختاماً: في لعبة الأطفال المعروفة باسم الكراسي الموسيقية، لا يفوز إلا لاعب واحد، لا يمكن اقتسام الفوز بين اثنين، في تقديري فإن الصراع الذي أشعلته بريطانيا بوعد بلفور خضع منذ بدايته لقواعد تلك اللعبة، مع تحيّز الحَكَم للاعب واحد فقط.
وما يحدث في غزة، وبعدها الضفة، وربما لاحقًا مع عرب الـ48، ليس سوى حلقة في لعبة سياسية دموية لا تحسمها مفاوضات، بل أفكار متطرفه وهي إرث من العمل المتواصل والمتراكم بين اجيال.
جابوتنسكي، الذي مات في أمريكا عام 1940 دون أن يرى حلمه بدولة يهودية يتحقق، نُقل رفاته إلى القدس في الستينيات على يد تلاميذه، ليكتمل مشهد الوفاء للشخص وللفكرة.
فالتلميذ نتنياهو، وغيره من زعماء اليمين، هم امتداد حي لأفكار أستاذهم، وجزء من قصة لم تنتهِ بعد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق