في لحظات التوتر والحروب ترتفع الأصوات المطالبة بالرد، لكن الحكمة تقتضي أن نسأل أولًا: من هو الخصم الحقيقي؟ وهل الهدف هو الانتصار في معركة عابرة أم كسب المستقبل؟
في ظني أن من أكبر الأخطاء التي قد تقع فيها دول المنطقة نتيجة الاستفزاز من النظام الإيراني أن تنجر إلى صراع مفتوح مع إيران دون التمييز بين النظام والشعب، فالصراعات لا تُقاس فقط بحجم القوة المستخدمة فيها، بل بما تحققه من نتائج سياسية واستراتيجية على المدى البعيد.
المشكلة الأساسية ليست مع الشعب الإيراني، بل مع نظام سياسي نجح خلال عقود في احتكار السلطة وإقصاء منافسيه، وبنى جزءًا من شرعيته على فكرة الصراع الدائم، وقد أشار الدكتور علاء نورس في دراسته عن طبيعة القيادة الإيرانية إلى ظاهرة متكررة في التاريخ الإيراني، تتمثل في الربط بين التمزق الداخلي وخلق حالة صراع خارجي توحد الداخل وتؤجل مشكلاته.
ولعل هذا ما يفسر أن حالة اللا حرب واللا سلم كانت في كثير من الأحيان البيئة المثالية لبقاء النظام؛ فلا صوت يعلو على صوت المعركة، ولا تتقدم الأسئلة المتعلقة بالتنمية والاقتصاد والحريات على أولويات الأمن والصراع.
أما الخاسر الأكبر من هذه المعادلة فهو المواطن الإيراني نفسه، فخلال عقود طويلة دفعت إيران أثمانًا اقتصادية واجتماعية باهظة، بينما ظلت أولويات الدولة تدور حول ملفات الصراع والتوسع والنفوذ، وفي الأنظمة التي يقوم التقدم فيها على الولاء أكثر من الكفاءة، تصبح معالجة الأزمات الحقيقية أكثر صعوبة، ويتراجع دور المؤسسات لصالح الشعارات.
وليس من المصادفة أن نجد أصواتًا إيرانية انتقدت هذا المسار منذ وقت مبكر، فقد كتب المفكر الإيراني علي شريعتي في كتابه التشيع العلوي والتشيع الصفوي منتقدًا توظيف المشاعر المذهبية في خدمة مشاريع سياسية وقومية، ورأى أن ذلك أسهم في إقامة حواجز نفسية وثقافية بين إيران ومحيطها الإسلامي، وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة لأنها لم تصدر عن خصوم إيران، بل عن مفكر إيراني بارز كان ينطلق من حرصه على مجتمعه ومستقبله، حيث كتب في كتابه التشيع العلوي والتشيع الصفوي:
"الحكم الصفوي تمكن من توظيف المشاعر الصادقة واحاسيس المذهب في خدمة أهداف حركة شعوبية، فرضت على ايران طوقا من القومية عزلها عن العالم الإسلامي، واقامت بين الشعب الإيراني المسلم وسائر شعوب الأمة الإسلامية جدارا اسود من الحقد والضغينة وسوء الظن بالآخر، والافتراء والطعن واللعن والتحريف والتزييف والتفسيق والتكفير، وظل هذا الجدار يتعالى يوماً بعد يوم بالجهود المريضة التي بذلها بسخاء عملاء الأجهزة الدعائية التابعة لبلاط الشاه".
ولهذا فإن الحكمة تقتضي ألا يكون الخطاب موجَّهًا إلى النظام وحده، بل إلى الشعب الإيراني أيضًا، فالعلاقة بين شعوب المنطقة أقدم وأعمق من الخلافات السياسية المعاصرة، والمصالح المشتركة بين الشعوب أبقى من تحالفات الحكومات وصراعاتها.
ومن هنا تبرز أهمية مخاطبة الإيرانيين بلغتهم، عبر وسائل إعلام رصينة ومنصات ثقافية جادة، تشرح لهم أن معركة المستقبل ليست معركة صواريخ وبنادق، بل معركة تنمية وازدهار وعلم وإنجاز، وأن ما تحتاجه المنطقة هو التنافس في بناء الجامعات والمراكز البحثية والاقتصادات القوية، لا في توسيع ساحات الصراع.
فاللغة الفارسية التي حافظ عليها السامانيون والغزنويون وهم حكام سنة، ورسخها الفردوسي في الشاهنامة، ليست مجرد وسيلة تواصل، بل جسر حضاري يمكن أن يعيد بناء مساحات التفاهم بين شعوب المنطقة، ولعل من أخطاء العقود الماضية أننا تركنا هذا الجسر مهملاً، فغابت مخاطبة الشعب الإيراني المباشرة، وترك المجال للروايات الرسمية وحدها كي تشكل صورته عن محيطه.
صحيح أننا نعيش في منطقة تتلقى شظايا الحروب وأعباءها، لكن الدول الناجحة هي التي تميز بين العدو الدائم والخصم المؤقت، وبين المعركة التي يجب خوضها والمعركة التي يجب تجنبها، والأمم العاقلة لا تجعل الغضب يرسم سياساتها، بل تجعل مصالحها طويلة المدى هي البوصلة.
وكما قال الشاعر:
إذا هبّت رياحك فاغتنمها
فعقبى كل خافقةٍ سكونُ
فما بعد المعركة قد يكون أهم من المعركة نفسها، وما بعد السلاح قد يكون أهم من السلاح، وإذا كانت الحروب تُكسب الدول مواقع مؤقتة، فإن كسب الشعوب يصنع نفوذًا أكثر رسوخًا وأطول عمرًاً، وربما تكون المهمة الكبرى بعد انتهاء الضجيج هي مدّ الجسور مع الشعب الإيراني، لأن مستقبل المنطقة لن تصنعه البنادق وحدها، بل تصنعه أيضًا الكلمة والفكرة والثقافة والقدرة على بناء الثقة بين الشعوب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق