أخطر سلاح لم يُصنع في المصانع العسكرية، ولم يُطلق من الطائرات أو الصواريخ، بل صُنع داخل العقول، حين نجحت بعض الأنظمة في تحويل الإنسان من كائن يفكر ويشعر إلى أداة تنفذ وتطيع، دون أن تسأل أو تتردد، ذلك السلاح غيّر وجه الشرق الأوسط أكثر مما فعلت الحروب نفسها، مقالي:
لا أعتقد أن المنطقة عرفت مشروعاً استنزفها اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً كما فعل المشروع الذي نجح في إطلاق أسوأ ما في الإنسان وإخماد أفضل ما فيه، فالفطرة البشرية تميل إلى الرحمة والعطف، وهذه ليست خصيصة لقوم أو دين أو مذهب أو عرق، بل قاسم مشترك بين البشر جميعاً، لذلك يظل سؤال يلحّ عليّ دائماً: كيف استطاعت بعض الأنظمة أن تطمس تلك الفطرة السليمة، وأن تستبدل بها القسوة، حتى يصبح الإنسان غريباً عن إنسانيته؟
كيف يغادر رجل منزله وهو لا يملك من الدنيا إلا حطامها، ثم يعبر الحدود ليقتل رجالاً ونساءً وأطفالاً لا يعرفهم، ويستبيح الدماء والأعراض، ثم يعود مطمئن النفس، مقتنعاً أنه أدى عملاً نبيلاً، والأعجب من ذلك أن يجد من يبارك له فعلته، ومن يكتب بعد موته: "موعدنا الجنة"، والعلم يقول إن الله أعدل وأرحم، فعدله لا يساوي بين مجرم وبريء، ورحمته تقتضي أن ينصف المظلوم بعد ما لحقه من ظلم في الدنيا، من هو المؤثر الذي استطاع أن يعطل الضمير إلى هذا الحد، وأن يجعل الإنسان يتخلى عن فطرته في سبيل فكرة لا تمت إلى الإنسانية بصلة؟
لقد كان ذلك مشروعاً صُمم في الأصل لخدمة بقاء الأنظمة واستمرارها، مشروع يقوم على صناعة الخوف، وإعادة تشكيل الوعي عبر التدليس، واستدعاء هواجس الماضي، والتخويف من المستقبل، وفي ظل هذه البيئة ينشأ أفراد لا يُطلب منهم التفكير، بل الطاعة فقط، ولا يُراد لهم أن يسألوا، بل أن ينفذوا، وحينها يتحول الإنسان إلى أداة تؤدي ما يُطلب منها براحة ضمير كاملة، معتقداً أنه يسير في طريق المجد والخلود.
في خضم الأحداث السورية التقيت بأكاديمي سوري، وتحدثنا طويلاً عن جذور المأساة، قلت له إن من أخطر ما يمكن أن تفعله الحكومات أن تستعين بالجهل وتمنحه السلطة، فحين يتجرد الإنسان من إنسانيته، وتتخلى الدولة عن دورها في حماية القانون، تنشأ فوضى يصعب تصور حدودها، والأسوأ من ذلك حين تصبح المصالح المتراكمة عبر عقود رهينة لأشخاص لا يحكمهم ضمير ولا يردعهم قانون، فيتحول المجتمع كله إلى ساحة مفتوحة للخوف والعنف، لذا هناك حقيقتان، الأولى أن مآل الثورة الانتصار، والثانية أن تكلفة الانتصار سوف تكون غير مسبوقة في التاريخ.
الاستبداد والجهل كانا ولا يزالان أكثر التحالفات تدميراً في الشرق الأوسط، فمن خلالهما تحولت أراضٍ غنية بالثروات والموارد إلى ساحات للفقر والتراجع، بينما سبقتها أمم أخرى كانت تفتقر إلى كثير من المقومات الطبيعية، اليابان على سبيل المثال، خرجت من حرب مدمرة، وتعرضت لقنابل ذرية، ومع ذلك استطاعت أن تنهض لأنها استثمرت في الإنسان واحترمت عقله وكرامته، فالمجتمعات لا تتقدم بما تملكه تحت الأرض، بل بما تبنيه في الإنسان نفسه.
على امتداد عقود طويلة عاش كثير من المستبدين أسرى هاجس واحد، هو الخوف من فقدان السلطة، ومن أجل هذا الخوف استثمروا في الجهل أكثر مما استثمروا في التعليم، وفي صناعة الولاء أكثر مما استثمروا في بناء المواطنة، وفي ترهيب الناس أكثر مما استثمروا في كسب ثقتهم، لكن التاريخ كثيراً ما يثبت أن المشاريع القائمة على الخوف تبدو قوية وهي في الحقيقة هشة، وأن ما يُبنى على القمع قد يصمد سنوات طويلة، لكنه ينهار في لحظة لا يتوقعها أحد.
ولعل المشهد السوري يقدم مثالاً بالغ الدلالة على ذلك، فبعد عقود من بناء منظومة الخوف، انتهى الأمر بصاحب المشروع هارباً، حاملاً أمواله وأفراد أسرته، تاركاً خلفه كل الشعارات والهياكل والرتب التي قيل يوماً إنهم رجاله، وفي تلك اللحظة ظهرت الحقيقة العارية، أن من اعتبرهم أدوات لبقائه لم يكونوا في نظره شركاء ولا أوفياء، بل مجرد وسائل استُخدمت ثم تُركت لمصيرها، وشخصياً أرى أن هروب بشار كان من أجمل النهايات، لأنه مثّل النهاية الطبيعية لمشروع قام على خداع الجهّال واستغلالهم ليتركهم لمصيرهم.
تلك هي النهاية التي تتكرر كثيراً في التاريخ، فالمشاريع التي تحارب الإنسان قد تنجح زمناً، لكنها لا تستطيع الانتصار إلى الأبد، وفي النهاية يبقى الإنسان هو الرهان الحقيقي، وتبقى كرامته وحريته ووعيه أعظم من كل مشاريع الخوف والتدجين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق