الخميس، 24 سبتمبر 2026

الملك كليب وفريقه الإعلامي،،

 ابدأ بقصة أستعيدها منذ مئات السنين قصة الملك كليب وحرب البسوس؛ حين سأل زوجته الجليلة: من أعز العرب؟ قالت وهي تنسل شعرها وتتغنج أخويها جساسًا وهمامًا، قد تبدو كلمة عابرة في مجلس عائلي، أو امرأة معجبة بأخويها، لكنها في الرواية  تكشف لنا طبيعة النفس حين يدخل البعد الشخصي في صناعة القرار، انتهى الأمر بتهيئة أسباب الحرب والتي أشعلها الملك كليب وهي حرب البسوس التي امتدت نحو أربعين عامًا، ودُفعت فيها دماء كثيرة ثمنًا لصراع بدأ شخصيًا ثم تجاوز أصحابه ليصبح صراع قبائل وأجيال، وأتذكر أنني حين قرأت أحداثها منذ زمن في نهاية الكتاب كتبت: انشغل الجميع بحرب دامية، ومات كثيرون وزهرة شباب القبيلتين في صراع كان للكبرياء الشخصي السبب الوحيد في إشعاله.

‏ 

‏أتى في ذهني سؤال: لو كان للملك كليب جهاز إعلامي يجيد صناعة التبريرات كيف سوف يقفز على الأسباب الحقيقية؟، كيف كان سيشرح للناس كل تلك الدماء التي يتحمل وزرها؟، سيجد بالتأكيد عشرات الأسباب: جساس، وبكر، والثأر، وكرامة تغلب، وموازين القوة، وربما مؤامرة القبيلة الأخرى، أو الحرب المفروضة، لكن أصعب جملة كان سيقولها هي أبسطها لأنها الحقيقة وتختزل في عدة جمل: بدأ الأمر شخصيًا بعد أن استفزته زوجته التي يحبها، ثم دفع الجميع ثمنه.

‏ 

‏قُتل كليب وقتل جساس  ولكن إشكاليتنا في العالم العربي استمرّت، حيث أننا كثيرًا ما نعجز عن التقييم الحقيقي المبني على النتائج لا على الشعارات، فالأطروحات القومية في الجمهوريات في خمسينيات القرن الماضي دغدغت مشاعر الجماهير بشعارات الحرية والاستقلال ومقاومة الاستعمار، وهي شعارات لا خلاف على جاذبيتها، لكن التجربة على أرض الواقع كشفت في حالات عديدة عن فجوة واسعة بين الشعار والتطبيق، وعانت شعوب من الاستبداد وسوء الإدارة وتراجع التنمية، في الماضي بسبب الاستعمار وهذه المرة تحت قيادة وطنية.

‏ 

‏ومن هنا ومع الفشل الكبير ولدت على نحو متوازٍ ثقافة خطاب التبرير؛ أي البحث عن أسباب تخفف مسؤولية القيادة عن النتائج التي انتهت إليها تجربتها: مؤامرات الخارج، وضعف كفاءة المساعدين، والظروف الاستثنائية، ثم وصل الأمر أحيانًا إلى إعادة تعريف الانتصار نفسه؛ فبدل أن يقاس بما تحقق من أهداف وما تجنبته الشعوب من خسائر، تصبح الهزيمة في الحروب، وحطام المدن، والضحايا هامش لا يذكر، حيث يختزل الانتصار بمجرد بقاء القيادة وعدم قدرة الخصم على إسقاطها.

‏ 

‏وهذا يذكرني بتلك القصة الساخرة، التي لا أدري أهي واقعة أم من صناعة الخيال، عن قناص من جيش الأعداء لا يصيب أحدًا لضعف مهارته، فلما طُلب من القائد قتله رفض، خشية أن يأتي مكانه قناص ماهر! فحين يختل معيار التقييم، قد تتحول النتيجة السيئة نفسها إلى حجة للإبقاء على صاحبها.

‏ 

‏وفي السيرة النبوية نجد معيارًا مختلفًا؛ فالمحبة والتقدير شيء، وتقدير القدرة على تولي المسؤولية شيء آخر، لم يكن أحد يشك في منزلة أبي ذر رضي الله عنه، ومع ذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله الإمارة: يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة.
‏فصلاح الإنسان في ذاته لا يعني بالضرورة صلاحيته لكل موقع.

‏ 

‏ولهذا ناقش علماء الدين هذه المسألة من زاوية المصلحة العامة، ويقرر ابن تيمية في كتابه “السياسة الشرعية” نقطة مهمة جدًا في الفصل بين القدرات البشرية، وبين الصفات الشخصية، حيث أكد أن الواجب في كل ولاية معرفة الأصلح بحسب طبيعتها، وأن اجتماع القوة والأمانة هو الأكمل، فإن تعذر اجتماعهما نُظر إلى ما يحتاج إليه المنصب أكثر؛ ولذلك ذكر في إمارة الحرب أن الرجل القوي الشجاع، وإن كان فيه فجور، قد يقدم على الضعيف العاجز وإن كان أمينًا، لأن قوة الأول للمسلمين، بينما فجوره على نفسه، أما ضعف الثاني فعليهم وإن كانت أمانته له.

‏ 

‏وهنا تكمن خطورة التبرير السياسي أنه مسحوق تجميل ومحاولة القفز على الواقع ومحاولة صياغة مثالية وغير حقيقية، لأنه يستطيع أن يجد تفسيرًا لكل نتيجة، ولكن يستحيل أن يعترف بأن القيادة نفسها قد تكون جزءًا من المشكلة.

‏ 

‏عودا على بدء، لعل مأساة كليب لم تكن في أنه أخطأ، فكل قائد يخطئ، وإنما في أن خطأه الشخصي خرج من دائرته الضيقة فأصبح قدرًا يدفع ثمنه الآخرون، وهذه هي المسافة التي ينبغي أن نقيس بها القيادات والتجارب؛ لا بمقدار ما تملكه من شعارات، ولا بقدرتها على صناعة المبررات، ولا حتى بصلاح أصحابها في ذواتهم، وإنما بما انتهت إليه أفعالهم في حياة الناس، فحين تكون النتيجة خرابًا ودمًا وتراجعًا، لا ينبغي أن يصبح السؤال: كيف نبرر ما حدث؟ بل كيف حدث، ومن كان مسؤولًا عنه، وكيف لا يتكرر؟ لأن التاريخ لا يحاسب كليب على جودة خطابه بعد اندلاع الحرب، وإنما يتذكر أن حربًا امتدت أربعين عامًا كان يمكن ألا تبدأ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق